فؤاد مغربل يرسم المدينة المنوّرة المقيمة في أحلامه

فؤاد مغربل يعدّ رسام المدينة المنورة الأول لا باعتباره ابنها البار بل هو عاشقها المتيّم الذي أعادته دروب العالم إليها ليكتشف جمالها من خلال الفن.
الأحد 2019/06/16
سعودي يمزج حبه للرسم بعشقه لمدينته

رسمها ليتعرّف عليها كما لو أنه في كل لوحة كان يكتشفها من جديد. المدينة التي ولد وترعرع فيها وله فيها ذكريات متلاحقة لا تزال تقيم في أحلامه.

يخترق دروبها بقدمي عاشق ذاهب بلهفة إلى لقاء معشوقته.

حكايته مع الرسم وإن مرت بمدن عديدة، تعلّم في مدارسها وتنقّل بين متاحفها، فإنها لم تأخذ طابعها الأسطوري، السحري إلا حين امتزجت بحكايته مع تلك المدينة التي لا تشبه أي مدينة أخرى وهي بالنسبة إليه تصنع زمنها الخاص حين تقيم خارج الزمن كما يعيشه البشر.

يرسم بقوة خيالها

فؤاد مغربل هو رسام المدينة المنورة الأول لا باعتباره ابنها البار بل هو عاشقها المتيّم الذي أعادته دروب العالم إليها ليكتشف جمالها من خلال الفن، وليؤسس من خلال ذلك الاكتشاف طريقته في التفكير في الفن وأسلوبه الفني معا.

عن طريق إلهامها شقّ طريقه لرؤية ما لم يره منها. فصار يرسم بقوة خيالها. ذلك لأن عينيه لا تلتقطان مشاهد واقعية حين ينظر إليها بل تسبحان في فضاء من الرؤى التي تفتح أمامه الطرق في اتجاه الإقامة في مشاهد داخلية مستلة من البعد الروحي الذي ينطوي عليها وجودها.

مغربل يكتشف في التراث الشعبي رصيدا جماليا لا ينضب
مغربل يكتشف في التراث الشعبي رصيدا جماليا لا ينضب

يغيب عن حاضرها حين يحتفي بحضورها عن طريق الرسم. يمده ذلك الحضور بطاقة هي أساس شعوره بمتعة الانفتاح على عالم رمزي لا حدود له.

ربما لأنه اكتشف قوة الرسم من خلالها فإنه صار يتوقع أن يرى في كل منعطف من منعطفاتها شبحا لرسام عظيم يربّت على كتفيه ويقول له “إنك في وادي الرسم المقدس”.

لقد تمكن منه حب تلك المدينة حتى صار يود أن ينشره مثل عدوى ويبشّر به مثل خلاص. وكان ذلك هو السبب الذي دفعه إلى تأسيس “جماعة فناني المدينة المنورة” إلى جانب زميليه الفنانين صالح خطاب ومحمد سيام.

يرسم مغربل لأنه يحب أن يرسم. ذلك هو حال الرسامين الحقيقيين. غير أن عشقه للمدينة لا يضيف سببا إلى الشغف بتلك الممارسة بقدر ما يجهزها بالإلهام الدائم. يسحره أن يحول ما يشعر به إلى نوع من الأبنية التي لا يراها الآخرون في الواقع مثلما تظهر في رسومه.

يخشى أن يقول إنها مدينته. ولكنها في الرسم كذلك. غير أنه يؤكد دائما أن المدينة التي يرسمها ليست مدينة أخرى. هي ليست مدينة من اختراعه. إنها المدينة نفسها حين تكون مصدر إلهام وهي تحلم وحين يتمكن الرسم من الوصول إلى أسرارها الجمالية.

مغربل هو عاشق مدينته الذي تمكن بقوة الرسم من أن يخترق جدار رصانتها ليصل إلى جمالها الخفي.

ولد مغربل عام 1951 في المدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية. وتعود بداياته في الرسم إلى العام 1965 حيث تخرّج من المدرسة الصناعية، قسم النقش والزخرفة. بعدها بسنوات ذهب إلى بريطانيا ليكمل دراسته الفنية وليحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة هل عام 2000. عمل رئيسا لقسم التربية الفنية بكلية المعلمين، جامعة طيبة بالمدينة المنورة.

رسام مشاهد عاطفية

رسوم مغربل مرئيات تقع لمرة واحدة
رسوم مغربل مرئيات تقع لمرة واحدة

أقام مغربل أكثر من عشرين معرضا شخصيا داخل المملكة وخارجها. كما أقام معرضين مشتركين في القاهرة. الأول مع الفنان المصري صلاح طاهر والثاني مع صديقه السعودي طه الصبان.

أسس مع الرسامين صالح خطاب ومحمد سيام جماعة فناني المدينة المنورة التي تعتبر رائدة الجماعات التشكيلية في المملكة. ولقد اتسعت قاعدة تلك الجماعة بانضمام عدد كبير من رسامي المدينة إليها.

عبر سنوات اطلاعه على الفن الغربي تأثر مغربل بمدارس فنية عديدة بما يسّر له عملية التوصل إلى أسلوبه الفني الخاص الذي سعى من خلاله إلى أن يصل إلى خلاصات طريقته في النظر إلى المدرستين الانطباعية والتكعيبية. غير أن تأثره بالمكان الذي عشقه كان له دور كبير في وصوله إلى مرحلة، يمكن أن أسميها مرحلة النقاء الأسلوبي. تلك مرحلة تخلّص الرسام فيها نهائيا من المؤثرات الأولى وصارت رسومه تشير إليه، باعتباره مخترعا لطريقة في الرسم لا تذكّر بأحد سواه.

اكتشف مغربل في التراث الشعبي رصيدا جماليا لا ينضب، فصار يلتقط مفرداته بعناية وانتقاء من ذلك الموروث الذي شدته إليه أسباب عاطفية. وهي الأسباب التي اكتشف من خلالها أسرار تعلقه بالمشهد الذي لم يكن مجرد تكوينات وأشكال وبنى وعلاقات معمارية بل كان أيضا ذكريات شخصية وحكايات تعود به إلى مراحل مختلفة من حياته. يرسم مغربل طرفا من حياته التي ينعشها الرسم بمشاهد خيالية.

لا ينتسب مغربل إلى فئة الرسامين الذين يطاردون جماليات المكان من خلال الوصف. تلك مهمة عسيرة إذا ما تعلق الأمر بمكان مثل “المدينة المنورة”. ليس الوصف ممكنا في ظل السحر الذي تمارسه القداسة. تمتزج حينها الصور والأبخرة والأفكار والأصوات لتصنع مشهدا هو من صنع الخيال. المدينة التي يمشي الرسام بين دروبها بقدمي الشاعر والموسيقي الذي يلتقط الإيقاعات التي لن يسمعها أحد سواه هي نسخة مصورة من فكرة.

رسوم مغربل هي مرئيات تقع لمرة واحدة. مرئيات من صنعه، يحاول من خلالها أن يشيّد مدينته التي صارت في طريقها إلى الاختفاء بسبب العمران الذي فرضه التطور المديني. الإشراق الذي تتميز به رسوم مغربل لا يترك مجالا للرثاء. غير أن ما يتبقى من تلك الرسوم يقود في واحدة من تجلياته إلى الرثاء اللين والطري. فالمدينة التي كان عليها أن تتغير بحكم ارتباطها بالعصر كانت بالنسبة إليه أشبه بالمخطوطة التي تتنقل عاطفته بين سطورها. هي مدينته الشخصية التي يغيظه إن لم تتعرف عليه من إيقاع خطواته.

مدينة يحلمها

مغربل عاشق مدينته الذي تمكن بقوة الرسم من أن يخترق جدار رصانتها ليصل إلى جمالها الخفي.
مغربل عاشق مدينته الذي تمكن بقوة الرسم من أن يخترق جدار رصانتها ليصل إلى جمالها الخفي

سيترك مغربل رسوما آسرة. لقد تعلم الرسام السعودي كيف يأسر المكان الذي أسره في وقت مبكر من حياته وظل سحره يكبر معه. رسومه هي أشبه بغنائيات بالرغم من أنها تنطوي على شعور عميق بالخسران. ما يهمّه أنه توصل إلى اللغة التي تمكن من خلالها أن يستحضر حياته التي كانت جزءا من المدينة وهو الجزء الذي نما فيه خياله وعاطفته وطريقته في تأمل الحياة.

ما يتذكره يرسمه غير أنه يرسم ما يحلمه. فبعد أن تحرر الرسام من عقدة الوصف ومن الوصفات الجاهزة لطريقة النظر إلى المدينة صار يرسم ليستعيد ما فلت من ذاكرته البصرية. فالمدينة التي يعرفها تقيم أيضا في مشاعره وسبل احتفاله التأملي بعاطفته.

يمثل مغربل من خلال تجربته نموذجا فريدا ونادرا من نوعه على صعيد الفن الحديث في العالم العربي. ذلك لأن من الصعب أن نجد رساما عربيا كان قد نجح في أن يحول موضوع “المدينة” إلى حكاية شخصية، يمتزج من خلالها الواقع بالخيال. هناك التونسي “نجيب بلخوجة” الذي حاول أن يكتشف قيما جمالية تجريدية مستلهمة من شكل المدينة التونسية. غير أن ما يتميز به مغربل أنه لم يستدرج مدينته إلى مواقع شكلية. لقد انصب همّه على التنقيب عن ذلك الأثر العاطفي الذي تركته المدينة بين ثنايا روحه.

مغربل يرسم المدينة ليستعيد الزمن الضائع الذي لن تلتفت إليه. رسومه هي آثار ذلك الزمن الذي يشكل محيط أحلامه. لقد مزج حب الرسم بعشقه لمدينته.

9