فائزون بجائزة الشيخ زايد للكتاب: لا خلاص إلا بمجتمع مدني قويّ

الأحد 2015/02/15
الجائزة الاماراتية الاولى تدفع نحو تحرير الكاتب من أي سلطة غير سلطة الكتابة

بيروت - أبوظبي - تونس- عمان - تظهر منطقة معتمة وواسعة ما إن يفكّر المرء في تلك المسافة الفاصلة بين الواقع الراهن، بمجريات أحداثه السوريالية كلها، وذلك من جهة، وما يشغل الثقافة العربية والأسئلة التي تبدو ملحّة أكثر من سواها، من جهة أخرى.

ترى أين يكمن أصل المشكلة؟ وما السؤال الذي من الممكن طرحه في هذا السياق؟ أهو التالي: “لجهة أن هناك أثرا تتركه الثقافة والفكر السائدان على الفرد والمجتمع والدولة معا، وفي هذه الظروف التي تمرّ بها المنطقة العربية (الآن، وهنا)، هل تعتقدون أن ما أوصلنا إلى ما نحن فيه هو ذلك الخلل البنيوي الذي يفصل بين المجتمع والدولة؟ أي هل كانت الدولةُ العربية طيلة السنوات الخمسين الماضية دولةً حقا؟

وبهدف حصر عينة الاستطلاع فقد جرى استطلاع رأي عدد من المثقفين العرب من الذين سبق لهم أن حازوا جائزة الشيخ زايد للكتاب في حقلي التنمية وبناء الدولة والترجمة، إذ هما الحقلان الأكثر احتكاكا بإنتاج الأفكار حول القضية المطروحة. فجاءت هذه الحصيلة:


التعايش مع الاختلاف


نعم، هناك خلل بنيوي بين المجتمع والدولة والفرد في العالم العربي. وهذا أمر عليه شبه إجماع لدى المثقفين والعامة على حد سواء. ولكن عندما يتم طرح التشخيص والحلول نرى تباينات واضحة في الرؤى. وأحاول أن أعرض وجهة نظري في الموضوع بالتركيز على المعالم الرئيسية في تشخيص الوضع واتجاهات الحلول.

فأولا، عندما نتحدث عن الخلل البنيوي، فنعني الافتقار إلى مؤسسات التنظيم السياسي التي تعكس اتفاقا عاما لدى المجتمع على القيم السياسية الرئيسية التي تستند إليها تلك المؤسسات. وإذا أردنا أن نصل إلى مثل ذلك الاتفاق العام فلا يفيدنا الإصرار على فرض مفهوم أحادي لطبيعة البشر وطبيعة المجتمع وطبيعة التنظيمات السياسية، فلا بد من القبول لدى الجميع بجوهر التعددية وعدم احتكار الحقيقة ومساواة المواطنين واحترام حقوقهم. وقد أظهر الحراك في الشارع العربي أخيرا خطأ الإقصاء الناتج عن الإصرار على الأحادية.

وثانيا، لم تُعطَ الشعوب العربية فترة كافية للتجربة والخطأ في موضوع الحكامة الرشيدة والديمقراطية، فاستمرت تحت تأثير مفاهيم النظم السياسية التي كانت سائدة قبل الحداثة، والتي كانت كلها أجنبية عن مواطنينا وكان آخر اهتمامها مشاركة الشعوب في الحكامة الرشيدة. فما كادت المجتمعات العربية تتحرر من العثمانيين الذين هيمنوا لقرون عديدة حتى جاءت الدول الغربية واستعمرت بلداننا بأشكال شتى وبقرارات “الشرعية الدولية”، ولم تتركنا لشأننا إطلاقا حتى تاريخه. ولا شك في أن الدول الغربية لم تتركنا فترة واحدة لننظر في أنفسنا ونصل إلى حلولنا دون تدخلها بشكل خفي أو مباشر. فالمجتمع العربي في أيّ بلد لديه القدرة للوصول إلى الحلول الناجعة البعيدة عن العنف والتدمير عندما يُترك دون تدخل أجنبي.

من أخطر ما يُفسد علينا إمكان التحول إلى حكامة رشيدة أو ديمقراطية، الهجوم على الديمقراطية بطرق شتى ومن جهات متناقضة في توجّهاتها

وثالثا، وبسبب الاستمرارية التاريخية المتسربة لثقافتنا السياسية الاجتماعية، ما زالت الغالبية العظمى من المجتمعات العربية، حتى لدى النخب المثقفة، لا تستشعر بعمق معنى الديمقراطية الحقيقية أو الحكامة الرشيدة، فالبعض يفهم الديمقراطية بأنها سيطرة عقيدة بعينها واستثناء أيّ منظور آخر، ويتبع هذا فرض الحزب الواحد الذي يسيطر على مناحي الحياة كافة، والبعض الآخر يفهم الحكامة بأنها هيمنة رجل عظيم “كالمنقذ الأعظم” تُرجع له الأمور كافة ويكون هو المرجع والقول الفصل. حتى أن من أخطر ما وصلنا إليه في بعض البلدان العربية وجود أصوات تدعو إلى إقامة الديمقراطية بواسطة القوى الخارجية التي كانت هي من أهم أسباب تخلفنا عن الركب الحضاري سياسيا.

ورابعا، ومن أخطر ما يُفسد علينا إمكان التحول إلى حكامة رشيدة أو ديمقراطية، الهجوم على الديمقراطية بطرق شتى ومن جهات متناقضة في توجّهاتها، ولكن أشكال الهجوم هذه تؤدّي في مجملها إلى إعاقة أيّ تطبيق للديمقراطية واستمرار الخلل البنيوي. فمن المعيقات المترسّخة لدى بعض القوى الفاعلة في المجتمعات العربية فكرة أن الديمقراطية لا تصلح لنا كعرب لأننا فوضويون أو لأنها تتعارض مع ثقافتنا أو لأننا نحتاج إلى مستوى ثقافي معين، والبعض يرى أنه لا ديمقراطية إلا بعد تحقيق التنمية، أو بعد الوحدة العربية الشاملة أو حتى الوحدة الإقليمية الجزئية، أو بعد تحرير فلسطين، والبعض يراقب ما تفعله الدول الغربية كالولايات المتحدة وغيرها من استهانة بالشعوب العربية فيصل إلى النتيجة أن الديمقراطية ما هي إلا وسيلة لسيطرة الدول الغربية علينا.

وأخيرا، هنالك الكثير مما يمكن قوله لتوسيع هذه الأفكار والبناء عليها، ولضيق المجال نقول إن هناك العديد من المتطلبات للوصول إلى البُنى والمؤسسات المرجوّة لتحقيق الاستقرار البنيوي السياسي في المجتمعات العربية. ولكن إذا كان لا بد من تحديد أولوية نبدأ بها، فلا بد من إدراك أن غالبية الشعوب العربية لم تمارس المشاركة السياسية ولم تتعايش مع الاختلاف، ولا بد للتعلم والتدريب من التجربة والخطأ. فالأولوية أن تنشر ثقافة التعددية في المجتمع وقبول الآخر ومساواة المواطنة والإيمان بالمؤسسية والبعد عن الشخصنة، فهذه هي البيئة التي يمكن أن توصلنا إلى درجة معينة من الاستقرار المؤسسي السياسي والبعد عن الخلل البنيوي. ويشمل ذلك الإيمان بأن الديمقراطية ليست عقيدة شاملة عن الحياة لتحلّ محل الديانات، ولكنها مجموعة مفاهيم للتنظيم السياسي، ولا تشتمل بالضرورة على القيم العليا للمجتمع، فهذه القيم العليا هي التي تحدد ماهية الديمقراطية الممارسة في مجتمع ما وتعطي الديمقراطية خصائصها المجتمعية.


*بشير الخضرا (أكاديمي من الأردن، حاز الجائزة في دورتها الأولى العام 2007، عن كتابه: “النمط النبوي – الخليفي في القيادة السياسية العربية والديمقراطية”)



يقين ثابت


لم تفِ سنين ما بعد الاستقلال بوعود التحرر والحرية والتنمية والعدالة.

مجالس الحوار في معرض أبوظبي للكتاب فضاءات حرة للنقاش والسجال

فسرعان ما وجد الإنسان العربي نفسه، خاصة في المشرق والمغرب، أسير أزمات وهزائم متتالية. فقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين تدهور أوضاعه المعيشية على جميع الأصعدة، في الصحة و التعليم والاقتصاد والأمن. و طغى على المجتمعات العربية شعور عميق بالخيبة و الفشل وساد مفهوم الأزمة في كثير من الأحاديث والنقاشات والأبحاث التي حاولت تحليل هذه الأوضاع المتردية وفهمها ومعالجتها. أما المقاربة التي هيمنت على تلك المحاولات، خاصة في ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته، فكانت الثقافاوية: أي اختزال مختلف المشاكل بعامل الثقافة وتفسير هذا العامل الثقافي بالثقافة نفسها.

فحسب هذه المقاربة، نحن مجتمعات مأزومة لأن ثقافتنا مأزومة، وثقافتنا مأزومة لأنها غير سليمة. ونُشِرت عشرات الدراسات وعُقِدت العديد من المؤتمرات لمعالجة هذه المعضلة الثقافية بمراجعات للتراث وتنظيرات لا تُحصى حول الأصالة والحداثة. ولكن في خضمّ هذا الهوس الثقافاوي كانت هناك أصوات نقديّة تشير بوضوح إلى السياسة كونها العامل الحقيقي والأساسي وراء تفاقم الأوضاع واتجاهها في عشيّة الثورات الأخيرة نحو انهيارات شاملة و دفعت الإنسان العربي إلى اليأس المطلق. مفكّرون نقديّون وجّهوا أصابع الاتهام إلى دولة ما بعد الاستقلال التي استحوذت على السلطة واستولت عليها في خدمة مصالح القيّمين عليها.

هذا الفكر النقدي الحرّ لم يمتلك إمكانيات الفعّالية اللازمة لدفع الإصلاحات المُلحّة في السياسة والاقتصاد والإعلام والتعليم والصحة والقضاء والأمن، في ظلّ فساد وقمع وظلم بلا حدود. لكنه بقي شاهداً على وعي العديد من المفكّرين العرب، نساء ورجالا، للأسباب الحقيقية للأزمات والانهيارات. كما بقي شاهداً على عدم غُربة هؤلاء المفكّرين عن أبناء مجتمعاتهم، الذين خرجوا في السنين الأخيرة ليوجّهوا احتجاجاتهم ضد دولهم الظالمة والفاسدة والفاشلة.

واليوم ونحن في مِحنٍ تتعاظم وانهيارات تكاد تسحب الأرض من تحت أقدامنا، ينمو ويتراكم فكرٌ نقديٌّ جديدٌ على أيدي جيل جديد من نساء ورجال يواجهون تحديّات صنع المعاني، بخبراتهم العلميّة و قُدُراتهم الفكريّة وحساسيّتهم الأخلاقية. هذا الفكر النيّر الذي يُصنع اليوم في مختلف أرجاء العالم العربي، بالرغم من القمع القديم والجديد، وبالرغم من الحيرة واليأس، في وسط آلام تفوق كل تصوّر واحتمال بشريّان. وهو كسابقه من عقود ما قبل الثورات لا يعطي لنفسه دوراً “طليعيّاً لقيادة الشعوب”، بل يُعَبّر بأدواته عمّا يختلج في قلوب عدد كبير من عموم الناس وعقولهم. هذه أدوات قيّمة، إذ تساهم في بلورة مفاهيم، وطرح أسئلة، وتأمّل تجارب، في سبيل صنع المعاني التي نحن أحوج ما نكون إليها ومناقشتها ونحن نواجه أحداثا جسيمة تجتاح حيواتنا الفرديّة والمجتمعيّة وتهزّ جذور كياننا.

يقين ثابت يجمع المفكّرين النقديّين بعموم الناس: هو أنه لا يستقيم شيء لا يُبنى على آدميّة الإنسان، امرأة و رجلا؛ إنه لا يستقيم مجتمعٌ، ولا وطنٌ، ولا دينٌ، ولا ثقافةٌ لا ترتكز على حريّة الإنسان وكرامته. إنهما الأساس وهما الهدف.


*إليزابيث سوزان كساب (أكاديمية وباحثة من لبنان فازت بالجائزة في دورتها السابعة العام 2013 عن كتابها: “الفكر العربي المعاصر.. دراسة في النقد الثقافي المقارن”)



شركاء في المسؤولية


ليس من السهل تشخيص الحالة العربية نظرا لتعقيدها وتداخل الأسباب والنتائج وما يقوم بينهما من تغذية استرجاعية، حيث ترتد النتيجة على السبب لتؤثر فيه بدورها وتوجّهه. فهل الدولة هي السبب في تخلفنا؟ أم أن التخلف هو الذي أفرز هذه الدول فجاءت دولنا كنتيجة طبيعية لما نعاني منه من الجهل والتخلف؟ وبحكم منهجيتنا الساذجة والأحادية في التفكير نميل دائما إلى رد النتائج إلى سبب واحد، كأن نلوم الدولة أو الاستعمار أو المؤامرات الصهيونية لنخلي أنفسنا من مسؤولية مصائبنا. وأنا لا أعفي الدولة من المسؤولية لكنني أرى أننا شركاء في المسؤولية.

ولتجذّر الطرح الخطابي في ثقافتنا وانعدام الطرح العقلاني التحليلي فإننا غالبا ما نرى في العنف السبيل الوحيد للخلاص. الخطاب المتعقل الذي لا ينادي برفع السلاح وإشهار البندقية نعتبره خطابا متخاذلا. ناهيك عن تجذر مفاهيم مثل “الخصوصية” و”المسلّمات” والتي تقف حجر عثرة في سبيل تطورنا حيث تتحول كل مناداة للتغيير لمجاراة العصر إلى خيانة عظمى وتخلٍّ عن مسلّماتنا وخصوصيتنا.
معارض الكتب في عالمنا العربي خير شاهد على تردي وضعنا الفكري والعلمي لا من حيث رداءة البضاعة ولا من حيث طغيان الإنتاج الأدبي

ترتفع الأصوات منادية بتحرير الأوطان لكننا قلما نسمع من ينادي بتحرير العقول وإطلاق عقالها لتعمل كما ينبغي للعقل البشري أن يعمل. معارض الكتب في عالمنا العربي خير شاهد على تردي وضعنا الفكري والعلمي لا من حيث رداءة البضاعة ولا من حيث طغيان الإنتاج الأدبي متمثلا بدواوين الشعر والروايات وندرة الكتب الرصينة في مجالات العلم والفكر والفلسفة، والتي لو وُجدت لما وَجدت من يقرؤها. انظر لمناهج التعليم عندنا، هل يمكن لمحتويات هذه المناهج وطرق التدريس أن تنتج جيلا من العلماء والمفكرين والمخترعين والفنيين المهرة؟ قد تتحمل الدولة جزءا من المسؤولية ولكن الجزء الأكبر يقع على عواتقنا فنحن في نهاية المطاف من ينفذ سياسات الدولة، نحن الأساتذة والمهندسون والكتّاب والأطباء والتجار والإعلاميون.

نحن التروس التي تدير المكنة الاجتماعية والدولة تضخ المال، أي الزيت الذي يشحّم هذه التروس ويؤمّن سلاسة دورانها. أنظمتنا السياسية ما هي إلا انعكاس لحالتنا الثقافية المتردية، بالمعنى الأنثروبولوجي للثقافة، والمتجذرة في أعماق تاريخنا الذي لا ينفك يمارس سلطته الأبوية علينا وبقوة. نحن أطفال هذا التاريخ البعيد ولم نمنح أنفسنا الفرصة للنمو والنضج والخروج من عباءة الماضي ومفاهيمه التي فقدت فاعليتها في العصر الحاضر. علينا أن ننضج ونكف عن التصرفات الطفولية وأن نتحمل كأفراد الجزء الذي يخصنا من مسؤولية تخلفنا وأن نكف عن إلقاء اللوم كاملا على غيرنا. ضالة المواطن الغيور على بلده هي العقل والتعقل وتحمّل المسؤولية والقيام بما يناط به من واجبات ومهام على الوجه الأكمل وأن يحكّم العقل والضمير في جميع شؤون حياته‫. الأهم من تغيير الحكومات هو تغيير طريقتنا في التفكير والسلوك والنظر إلى العالم من حولنا وفهمنا لوقائع الحياة وأن نعطي وجودنا المادي وحياتنا الدنيوية ما يستحقانه من الاهتمام‫.


• سعد الصويان (أكاديمي وباحث من السعودية، حاز الجائزة في دورتها الثامنة العام 2014 عن كتابه: “ملحمة التطور البشري”)



فجوة بين هوية الدولة وحقيقتها

فتحي المسكيني: نحن ننشد تحول الدولة إلى مساحة مواطنة


بالتأكيد، هناك خلل بنيوي بين المجتمع والدولة، إلاّ أنّه خلل طبيعي وموجب، وهو جزء من مقوّمات الحداثة السياسية: إنّ المكسب المعياري أو الأخلاقي الأكبر للشعوب الحديثة (وهي تختلف هنا اختلافا حاسما عن “جمهور” الملّة أو “عامّة” الدولة الدينية الوسيطة) هي النجاح في بلورة جهاز أخلاقي أو دائرة قيمة مستقلّة بنفسها اسمها “المجتمع المدني”. والاستقلال هنا هو استقلال عن الدولة تحديدا. ولذلك فالخلل بين المؤسستين هو خلل تاريخي وضروري. وعلينا أن نقرّ بأنّ الثورات -مثل ثورات الربيع العربي- هي بالأساس ثورات المجتمع المدني، وليست ثورات الدول. بقي أنّ ما أوصلنا إلى ما نحن فيه هو في سياسة الخلل البنيوي أي في طريقة تعامل الطرفين -المجتمع المدني والدولة- مع سلطة القيم التي بين يدي كل منهما. ظلّت الدولة الحديثة لدينا منّة أخلاقية من المستعمِر أو من الزعيم المؤسِّس، وبالتالي فإنّ الانتماء إليها لم يكن في جوهره حقّا مدنيّا انطلاقا من مؤسسة المجتمع المدني باعتباره مؤسسة رمزية ومعيارية مستقلة. ولذلك افترض المجتمع المدني لدينا أنّ الطريق الوحيد لإطلاق الحريات الخاصة والعامة هو في التمرّد على الدولة أو في الحدّ منها أو حتى في العداء الأخلاقي والسياسي للنظام. والحال أنّ العلاقة بين الطرفين هي تفترض نوعا آخر من سياسة الاختلاف (والخلاف) بين دائرة القيم (المجتمع المدني والذي يضمّ الحياة الخاصة -حياة الأفراد- كما يضمّ الحياة العمومية- حياة المجتمع) من جهة، وبين دائرة السلطة الشرعية (الدولة وأجهزتها الإدارية والاقتصادية والعسكرية)، من جهة أخرى. وإنّه هنا بالتحديد يتنزّل أثر الفكر والثقافة على الفرد والمجتمع والدولة معا: إنّ الثقافة هي جهاز التفكير العمومي الذي يمتلكه شعب ما، ويعوّل عليه لتأمين سياسة اختلاف مناسبة وناجعة تعدّل وتنظّم العلاقة الخطيرة والمختلة بنيويا بطبعها بين المجتمع والدولة. والشعوب لا تلجأ إلى الثورات إلاّ في حال تمّ إهمال طويل الأمد لذلك الجهاز العمومي أو مُنع من تأدية وظيفته الخطيرة.

بالمقابل وفي صدد الإجابة عن السؤال: هل كانت الدولة العربية طيلة السنوات الخمسين الماضية هي دولة حقا؟ وكذلك المجتمع والفرد؟ وبالمعنى الحديث للكلمة؟

حقيقة الأمر، أن الدولة هي دولة مهما كان شكل الحكم فيها. ومن الترف السياسوي أن ننكر على دولة ما أو على مجموعة واسعة من الدول الحديثة والقائمة صفة “الدولة”. بقي أنّه يحقّ لنا دوما أن نتساءل: ما هي الدولة “حقّاً” ؟ – هذا الربط بين الدولة والحقيقة هو لبّ الإشكال في أفق الفلسفة السياسية. هل أنّ الدولة العربية منذ خمسين سنة هي دولة حقيقة ؟ علينا الإقرار بواقعة الدولة قبل أيّ تساؤل عن حقيقتها. وهذه الواقعة التاريخية الجديدة (بعد انهيار الملة أو أشكال الحكم قبل الحديثة) هي مكسب رمزي وهووي رائع، ولا ينبغي الاستخفاف بخطورته. ومن حيث أنّها واقعة فهي لا يمكن أن تكون سوى تجربة أو مجموعة تجارب تاريخية خاصة بشعوبنا. والأمر نفسه ينطبق على مفاهيم “المجتمع” و”الفرد” و”الحداثة” لدينا. إنّ المشكل هو في طبيعة العلاقة بين “الواقعة” الهووية للدولة لدينا وبين “حقيقة” الدولة الحديثة. ربّما كلّ تساؤل من قبيل “هل لدينا دولة حقاًّ؟” هو ينمّ عن اهتزاز أخلاقي أو خيبة سياسية أو فشل معياري ما في صلب تصوّرنا للدولة. لكنّ سبب المرارة ليس واقعة الدولة فقط، بل تصوّرنا الهووي لها: إنّنا نريد دولة “حديثة” (أي مدنية، ديمقراطية، تستجيب إلى سلّم قيم وحريات عالمية…)، لكنّنا نشترط قبلاً أن تكون دولة انتماء وأصالة وطائفة وعقيدة معيّنة… وبالتالي نحن ندفع بمفهوم الدولة إلى الانفجار: تحت حدّة نزاع لا يرحم بين متطلبات الحرية (وفق شكل الحياة الحديثة) ومقتضيات الهوية (طبقا لنمط الانتماء وأجهزة الأصالة). ليس لدينا “فردانية” حديثة، ولكن أيّ مواطن يحق له أن يعامل نفسه باعتباره “فردا” حديثا أي مجمّعا من الحريات الذاتية والحياة الخاصة والحقوق الاجتماعية. وليس لدينا “مجتمع″ حديث، ولكن يحقّ لكلّ شعب أن يعامل نفسه بوصفه مجموعة حيوية ومواطنيّة حرة، لا يمكن اختزالها في أيّ شبكة طائفية أو دينية أو قومية.

إنما للمسألة وجه آخر بالفعل، نحن ننشد تحوّل الدولة إلى مساحة مواطنة، تمّحي في نطاقها كلّ أسباب الفرقة بين أعضاء الشعب الذي تنظّم حياته ولا تحكمه بالمعنى قبل الحديث للكلمة، والقائم على الاستبداد بالرأي وبالمذهب وبالحقيقة. وذلك يعني حسم النزاع المربك والشاق بين الهووي والحيوي: بين دولة الهوية ومجتمع الحياة.


*فتحي المسكيني (أكاديمي ومثقف ومترجم تونسي حاز الجائزة في فرع الترجمة لدورتها السابعة العام 2013، عن نقله كتاب: “الكينونة والزمن” للألماني مارتن هايدجر)

12