فائق حسن رسام الطبيعة الذي علم العراقيين ما الرسم

الأحد 2016/01/17
فنان قلده الكثيرون وكان ضحية عمليات التزوير

ستوكهولم - كلما يتصاعد الحديث عن تزوير الأعمال الفنية تستعاد ذكرى الفنان العراقي فائق حسن، باعتباره واحدا من أوائل الفنانين العرب المعاصرين الذين تعرضت لوحاتهم للتزوير. فـ”المعلم” وهو لقبه الذي يدل على مكانته في تاريخ الفن الحديث في العراق كان هدفا لعمليات تزوير في حياته، بسبب شهرته والإقبال اللافت من قبل مقتنيي الأعمال الفنية على رسومه.

يستحق حسن مكانته في التاريخ الفني غير أن ما لحق به من ضرر وتشويه كان بحجم تلك المكانة. فكما أرى فإن أحدا من الفنانين العرب لم يمارس مهنة تدريس الرسم مثلما فعل ذلك الفنان الذي لم أره يوما بثياب نظيفة من الأصباغ.

مزاج مختلف

لقد ترك الرجل أثره على أجيال من الرسامين، كل واحد منهم كان يفخر بأنه تعلم ما لا يتعلمه الآخرون. وكان مصدر ذلك الفخر معروفا.

بالنسبة إلى مَن تعلم على يديه فإن فائق حسن كان بمثابة الرسام الأخير. الأسطورة التي تعرف بالرسم في بيئة ضيقة، كان مزاج الرسام المختلف يجسد روح التمرد فيها. كان ذلك الرسام بغليونه وصمته وملابسه العتيقة هو النموذج المثالي لشخصية الرسام.

لقد أصيب الكثيرون بمرض “فائق حسن”. لم يبرأوا منه بالرغم من أنهم يقيمون في الغرب منذ أربعين سنة، على مقربة من متاحف الفن التي لم ير معلمهم إلا متحفا واحدا منها، هو متحف اللوفر الذي لم ير منه سور ديلاكروا.

لقد احتفى العراقيون برسامهم بطريقة سلبية حين زوروا أعماله قبل وفاته، فصار كل عمل منه مشبوها حتى وإن كان أصليا. كانت أعماله تباع بيسر ومن غير تدقيق، وهو ما يسر للمزورين عملية تمرير عشرات اللوحات إلى السوق مذيّلة بتوقيعه.

لم تكن لوحاته صعبة التقليد كما تُرى من الخارج، غير أن من أدمن على رؤية أعماله لا بد أن يميزها. فالملون البارع كان ساحرا في بعث الحياة في المناطق التي تقع عليها فرشاته. وهو ما يعجز مقلدوه عن القيام به.

ولد فائق حسن في محلة “البقجة” الشعبية ببغداد عام 1914. في سن مبكرة من حياته توفي والده فتكفل خاله برعايته. كانت أمه تعتاش من صناعة الدمى الطينية، فكانت تلك أولى صلة يقيمها بالفن الذي أخذه إلى الرسم.

فائق حسن يستحق مكانته في التاريخ الفني غير أن ما لحق به من ضرر وتشويه كان بحجم تلك المكانة. فلا أحد من الفنانين العرب مارس مهنة تدريس الرسم مثلما فعل حسن الذي لم نره يوما بثياب نظيفة من الأصباغ

وقعت كراسة رسومه بين يدي الملك فيصل الأول، ذلك لأن خاله كان يعمل بستانيا في البلاط الملكي. أعجب الملك بالرسوم فتعهد لصاحبها أن يبعثه لدراسة الرسم خارج العراق، غير أن الموت كان بالمرصاد للملك بعد سنتين من وعده. حزن الشاب الشغوف بالرسم لم يطل فها هو الملك غازي يفي بوعد والده ويهبه منحة لدراسة الرسم في بوزار باريس عام 1935.

الرائد متبوعا بالرواد

حين عاد من باريس عام 1938 ليجد ذراعي الشريف محي الدين حيدر وهو الذي كان قد أسس معهدا للموسيقى قبل سنتين مفتوحتين لاستقباله مؤسسا لفرع الرسم، لتعلن ولادة معهد الفنون الجميلة.

بعد سنوات تخرجه من الفرع المذكور كأول وجبة من الرسامين العراقيين الذين درسوا أكاديميا، من بينهم اختار المعلم عددا ليضيفه إلى عدد من أصدقائه من هواة الرسم وليشكل بهم الجماعة الوحشية التي أطلق عليها تسمية “جماعة الرواد” وهي الجماعة التي خرج بها حسن من المحترفات المغلقة إلى الطبيعة. كان ذلك الدرس الانطباعي بداية لحرية لم يتعرّف عليها الرسامون العراقيون من قبل. ظل زعيما للرواد وكان حريصا على أن تقيم الجماعة معرضا سنويا لنتاج أعضائها. وهو تقليد حرمه من إقامة معرض شخصي له إلا في وقت متأخر.

لم يكن الأسلوب التقليدي الذي يتّبعه فائق حسن جذابا بالنسبة إلى شباب الستينات الذين وجدوا في أسلوب زميله جواد سليم مرجعية لثورتهم. غير أن المعلم الذي انتقل إلى التدريس في أكاديمية الفنون الجميلة لم يفقد سحره. فحتى نهاية السبعينات كان هناك مَن يرى في الدراسة على يديه نوعا من الامتياز.

البغداديون ما من أحد منهم إلا ووقف محتميا بظل الجدار، كان عملا جبارا

فائق حسن حاول في لحظة إحراج ونزق أن يكون تجريديا، غير أن لوحاته التجريدية لم تكن تعبّر عن مزاجه الحقيقي، وهو ما دفعه إلى العودة إلى عالم خيوله وأعرابه والمشاهد الخلوية والرسوم الشخصية. في سنواته الأخيرة عاش في باريس مع زوجته الفرنسية ليموت هناك عام 1992.

“تحت جدارية فائق حسن” هو عنوان كتاب شعري أصدره سعدي يوسف عام 1974. يقول فيه “تطير الحمامات في ساحة الطيران. تريد جدارا لها. ليس تبلغ منه البنادق، أو شجرا للهديل القديم”. لا أحد يعرف اسم تلك الجدارية التي نفذت بقطع الموزائيك بعد ثورة تموز عام 1958 والتي تقف عند البوابة الجنوبية لحديقة الأمة وسط بغداد.

جداريته عمله الأصيل

ما من بغدادي إلا ووقف محتميا بظلها إن لم يكن راغبا في استعادة تأملها. كانت عملا جبّارا مزج فائق حسن من خلاله ما يعرفه من التكعيبية بخبرته الانطباعية لتنسب النتيجة إليه دائما. فكان الاسم الشعبي دائما هو جدارية فائق حسن. قد لا يعرف أحد ممن يتداولون الاسم مَن هو فائق حسن. أكان مطلوبا منهم أن يعرفوا السعدون (عبدالمحسن) الذي يحمل أكبر شوارع العراقية اسمه؟ رمزية تلك الجدارية تكمن في أن ما أملت به من حرية في الحياة العراقية المباشرة لم يغادر سطحها. فبعد خمس سنوات من تنفيذها كان هناك من يجرأ على تغطية حمامها بصبغة سوداء. لا لشيء إلا لأنه أعتقد أن الحمام دعاية شيوعية. لم يكن في الإمكان إعادة الحمام إلى تلك الجدارية. فائق حسن نفسه لم يطالب بذلك. ولكن هل كان حسن يعود إلى رؤية جداريته؟ لأنني عرفته، أعتقد جازما بأنه لم يفعل. لم يكن معنيا بتأمل لوحاته بعد أن تغادره.

في سنواته البغدادية الأخيرة كان أشبه بالآلة التي تنفّذ ما يُطلب منها. يقال إن زوجته الفرنسية لعبت دورا كبيرا في حثه على المضيّ في تلك الطريق. ولكن الرجل كان بخيلا بعكس ما كانت لوحاته تشير إليه من بذخ لوني. لذلك فإن تقشفه الحياتي لم يصب لوحاته بضرر. لا تزال تلك اللوحات نضرة، بحيث لا يمكن تمييز الأصيل (القديم) منها من الجديد (المزيف) الذي لا يملك مقتنوه دليلا على أصالته.

فتح فائق حسن أمام العراقيين طرق الرسم التي تقود إلى العالم

قد تكون جداريته هي العمل الوحيد الذي لا يمكن الشك في أصالته. لذلك يمكنني القول إن فائق حسن هو أكثر من تعرّض للظلم من بين الفنانين العراقيين.

لم لم يرسم وجهه

لم يكن فائق حسن الرسام الأول في العراق المعاصر غير أنه صار كذلك بسبب دراسته الأكاديمية فهو أول عراقي يذهب إلى الخارج من أجل دراسة الرسم. ولم يكن معلّم الرسم الأول غير أنه صار كذلك بسبب ما تركه أسلوبه الشخصي من أثر على أساليب طلبته الذين أصبحوا في ما بعد فنانين مشهورين.

معه اتخذ الرسم معنى الحرفة. وهي حرفة يعني التفرغ لها شيئا عظيما من معاناة الشظف في مجتمع لا يعرف ما الذي يعنيه أن يكون المرء رساما وأن يهب حياته كلها للرسم، الأمر الذي صنع منه ظاهرة، ستُحدث في ما بعد انقلابا عظيما في المفاهيم. فالرجل الذي كان قليل الاكتراث في استعراض ثقافته كان رائدا في إشاعة ثقافة الرسم في المجتمع العراقي.

فتح فائق حسن أمام العراقيين طرق الرسم التي تقود إلى العالم. ولكن أليس غريبا أن الرسام الذي رسم مئات الوجوه لم يرسم وجهه؟

8