فاتح المدرس رسام حكاياته المشبعة بالموسيقى

الأحد 2017/03/05
فاتح المدرس صانع هوية الرسم الحديث في سوريا

لندن - حين تُستعاد سيرة الرسم الحديث في سوريا فإن فاتح المدرس يقف وحده بالرغم من أنه كان محاطا دائما بالعمالقة.

محمود حماد ونصير شورى ولؤي كيالي ثلاثة رسامين تركوا أثرا عظيما يشير إليهم باعتبارهم مبتكري أساليب شخصية خلقت الجزء الأكبر من مقومات الحداثة الفنية في سوريا.

صانع الهوية المحلية

غير أن المحترف السوري ما كان من الممكن أن يكتمل في صورته النهائية لولا تجربة فاتح المدرس. لقد ألقت تلك التجربة بظلالها على الحقيقة التي تتعلق بالهوية السورية في الفن.

كان من الممكن أن يكون هناك فنّ سوري لو لم يظهر المدرس، غير أنه سيكون مختلفا تماما عمّا نعرفه اليوم.

لقد تم تسويق تجربة الرسام نقديا على أساس ما انطوت عليه من تماه مع الروح الشعبية السورية منظورا إليها من برج النخبوية العالي. فالمدرس لم يكن رساما شعبيا بالرغم من أنه رسم موضوعات شعبية.

ربما كان رفاق رحلته أهمّ منه غير أن الدور الريادي الذي لعبه في إنتاج الهوية السورية في الرسم قد كفل له الإقامة في عزلته أباً روحيا لتجارب عدد كبير من الرسامين الذين ألهمتهم رسومه أفكارا نهائية عن الروح السورية.

الرسام الذي كان فاتحا حوّله الاحتفاء الاستثنائي بتجربته إلى أيقونة نفعت وأضرت في الوقت نفسه. نفعت حين صنعت وهما شكليا شعر الكثيرون أنه انعكاس للمزاج الجمالي السوري وأضرت حين قيدت الكثيرين بالأشكال التي أنتجتها باعتبارها حلولا جمالية نهائية.

على العموم لم يكن فاتح مسؤولا عمّا جرى بسبب تتويجه رائدا للهوية السورية في الرسم الحديث. لقد عاش حياته كما أحب ورسم بحرية الشاب الذي استهوته حياة روما وباريس حيث درس. كتب الشعر فلقّب بشاعر الرسامين وكان قريبا من الشعراء فلقب برسّام الشعراء.

فاتح المدرس رسّام حكاياته المشبعة بالموسيقى

ولد فاتح عبدالقادر المدرس عام 1922 في قرية حريتا بالقرب من مدينة حلب من أب عربي وأم كردية. عاش طفولة شقية بعد مقتل والده. في سن الثامنة انتقل مع أمه للعيش في حلب، هناك حيث التحق بالمدرسة ليكتشف معلمه شريف بيرقدار موهبة الرسم لديه. تلك الموهبة التي قدمته رساما وهو لا يزال في المدرسة الثانوية. في مطلع أربعينات القرن الماضي غادر المدرس حلب إلى لبنان ليدرس اللغة الإنكليزية في الجامعة الأميركية فكان وجوده هناك فرصة للتعرف على أدباء تلك المرحلة وفي مقدمتهم مارون عبود.

حين عاد إلى حلب مدرسا للغة الإنكليزية والتربية الفنية بدأت مشاركاته في الحياة الثقافية من خلال قيامه بنشر أشعاره وقصصه في المجلات وهو ما فتح أمامه الباب للمساهمة في الحراك الثقافي الذي كانت تغلب عليه الرغبة في التغيير والانتقال إلى الحداثة. في تلك المرحلة تعرّف على الشاعر أدونيس لتستمر صداقتهما طويلا وينتجا في السنوات الأخيرة من عمر المدرس كتابا نادرا هو عبارة عن حوار طويل دار بينهما بإشراف قاعة الأتاسي.

عام 1952 شارك في المعرض الرسمي الذي أقيم بدمشق ونال الجائزة الأولى عن لوحته “كفر جنة” التي بهرت النقاد بنزعتها الطليعية وكان المدرس قبلها قد بدأ بعرض لوحاته في واجهات المكتبات في شارع بارون بحلب. تلك اللوحات التي اعتبرها المارة سريالية لخروجها على المألوف البصري في فن الرسم كانت البداية لمشروع المدرس في تحرير الرسم السوري من هيمنة الأساليب التقليدية.

قبل سفره إلى روما للدراسة عام 1956 ألّف المدرس كتابا من ثلاثة أجزاء هو “موجز تاريخ الفنون الجميلة” صدر عام 1954. في روما اختار أن يدرس في محترف الفنان جنتليني متأثرا بأسلوبه الذي يمزج التعبيرية بالرؤى الماورائية من خلال تكوينات معمارية يشد الإيقاع الموسيقي بعضها إلى البعض الآخر. وهو الأسلوب الذي استفاد منه المدرس في صياغة أسلوبه الشخصي الذي اكتسب في ما بعد طابعا محليا. وعن طريق الصدفة تعرّف المدرس هناك على الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الذي اقتنى عددا من رسومه.

من أين يأتي الإيقاع

عام 1960 نال المدرس الجائزة الأولى في معرض التخرج الذي أقامته أكاديمية الفنون الجميلة بروما وعاد بعدها إلى دمشق حيث عُيّن معيدا في كلية الفنون الجميلة هناك.

بعد سنوات التحق المدرس بأكاديمية الفنون الجميلة بباريس ليتابع دراسته وليحصل على شهادة الدكتوراه عام 1972 ويعود إلى دمشق أستاذا للدراسات العليا.

لا نعت يليق بإبداع المدرس ويفصح عنه إلا الأسطوري

بالرغم من انشغاله بالرسم إنتاجا وتدريسا وتنظيرا فإن المدرس لم ينقطع عن ممارسة الكتابة الأدبية. ففي عام 1962 أصدر مع شريف خزندار ديوان “القمر الشرقي على شاطئ الغرب” باللغتين العربية والفرنسية. كما أخرجت السينما السورية ثلاث قصص له بعنوان “العار” عام 1973. كما صدرت له مجموعة قصصية بعنوان “عود النعنع” عام 1981. وعام 1985 اشترك مع صديقه حسين راجي في تأليف كتاب شعري بعنوان “الزمن السيء”. وتعكس كتاباته نزعته السريالية التي لم تظهر في رسومه التي تمزج بين التجريد والتشخيص.

أسطورة الحياة المتاحة

يقول أدونيس في وصف صاحبه “لا نعت يليق بإبداع المدرس ويفصح عنه إلا الأسطوري” ما معنى ذلك؟ يمزج الشاعر السوري الرؤيا بالأشكال ليخلص إلى معجزة تصويرية نجح المدرس في اجتراحها من غير أن يستند إلى مرجعية فنية محلية. كل الموضوعات التي رسمها المدرس ذات طابع محلي. وليس هناك ما يشير في أشكاله إلى تأثره بفنان غربي بعينه. هناك ما يذكّر في رسومه بالطابع العام لتجارب عدد من الرسامين الغربيين الذين أعجب بهم في شبابه وشيّد عالمه بطريقة انتقائية تنسجم مع مزاجه من خلاصات تلك التجارب ليخرج بتجربة صافية ونقية من الشوائب.

هذا فنان هضم ما تعلمه وما رآه وما أدهشه ليؤلف عالمه من مواد لا يمكن إنكار محليتها. وهو في ذلك كان حريصا على بناء لوحته على قواعد فنية حديثة تركن طريقة النظر التقليدية جانبا لتبدأ من لحظة تتحول فيها المرئيات إلى عجينة أصباغ. من تلك العجينة كان فاتح يستخرج أشكاله البشرية التي تظل مقيمة في نسيجها بكل ما يحتويه من خيوط خشنة. كل رسوم فاتح هي استعادات لعالم بصري نختلف في مرجعيته. فالبعض يعيده إلى أصول ريفية وهو ما يوهم بالحكم الذي يتداوله الكثيرون والمتعلق بقرب رسوم المدرس من رسوم الأطفال. أما البعض الثاني فإنه ينظر إلى ذلك العالم من جهة ما ينطوي عليه من شحنة خيالية.

معنى الأسطوري هنا يكمن في قدرة فاتح على تخيل ما كان رآه في طفولته. لقد وهب الرسام المرئيات الميسرة قوة خيالية أخرجتها من حدود مجالها الواقعي.

“أرسم لأدرك مَن أنا” يقول فاتح. بالنسبة إليه فإن متعة الرسم لا تنفصل عن التفكير فيه ومن خلاله. كان الأدب حاضرا في كل رسومه التي لم تخش أن تصيب الحكايات جمالياتها بأيّ نوع من الضرر. فالحكايات التي تنطوي عليها رسوم المدرس ليست من النوع الجاهز الذي يمكن أن يكتفي بذاته بمعزل عن الرسم.

حكايات فاتح تذهب إلى الجوهر مثل رسومه. وهي حكايات مشدودة متوترة ومحكومة بلغة بصرية لا تشذ عن قواعدها.

وبالرغم من غزارته في الإنتاج فإن المدرس لم يكرّر في رسومه إلا الإيقاعات التي شغف بموسيقاها وهو الذي عُرف بولعه في أن يكون عازفا للبيانو. ما من شيء رسمه فاتح لا يذكرنا به شخصيا. كان فاتح المدرس رسّام حكاياته المشبعة بالموسيقى.

10