فاتح المدرس.. شاعر اللون يعود إلى مرسمه بعد سبع عجاف

لوحات عصام درويش حملت توجسات شخوص أعياهم الخوف، وكأن الدهشة قد استحوذت على كل ما يملكونه من وعي.
الجمعة 2018/03/02
عصام درويش يحتفي بالأمل رغم الألم

دمشق - كان مرسم التشكيلي السوري الراحل فاتح المدرس (1922-1999) في قلب مدينة دمشق، القريب من ساحة النجمة، معقلا لأهل الفن لفترة طويلة من الزمن، ولا يكاد فنان سوري في الرسم أو الموسيقى أو الشعر إلاّ وكان زائرا له.

وفي مرسم المدرس تلاقى المبدعون السوريون والعرب، لكي يتناقشوا ويتفاعلوا مع ما كانوا يقدّمونه في فنون الشعر والأدب والرسم والتصوير والسينما والمسرح وغيرها.

مرسم المدرس كان قبلة حقيقية لكل المبدعين السورين، لذلك حرصت زوجته السيدة شكران، بعد رحليه، على أن يكون صالة لتقديم الفن الأصيل الذي عمل على ترسيخه المدرس على امتداد عمره، فاستقبلت الصالة العشرات من المعارض الفنية المختلفة، ولكنها توقّفت عن العمل منذ نهاية عام 2011، نتيجة الأحداث التي شهدتها سوريا، فغابت عن الفعاليات التي كانت تؤمنها لمدة تقارب السبع سنوات، إلاّ أنها عاودت نشاطها مُجدّدا، عبر إقامة معرض فني جديد قدّم فيه الفنان عصام درويش والفنانة رانيا المدرس تجربة جديدة في فن التشكيل، حيث عرض درويش أربعة عشر لوحة وعرضت المدرس ثلاثة عشر أخريات.

وتلقى الوسط الثقافي السوري هذه المبادرة بالكثير من الترحاب، نظرا لخصوصية المكان وصاحبه، وفي رصد لبعض الانطباعات عن المعرض من قبل الشغوفين بالفن التشكيلي السوري، عبّر الجميع عن مدى سرورهم بهذه الخطوة التي تكرّس اسم فاتح المدرس كرمز من الرموز الفنية لسوريا، مما يثبت مُجدّدا أن الحياة ما زالت تنبض بالفن والجمال، وأن في دمشق حيزا للفن الراقي والفرح، رغم الآلام والمآسي التي تعيشها سوريا.   

وعصام درويش، القادم من تاريخ حافل في الحياة التشكيلية السورية، سواء في رسم اللوحات، أو مساهمته في العروض من خلال صالته الشهيرة “عشتار”، وكذلك عبر كتاباته الصحافية عن الفن التشكيلي، قدّم في معرضه الثنائي الأخير مع رانيا المدرس لوحات حملت توجسات شخوص أعياهم القلق والخوف، وكأن الدهشة قد استحوذت على كل ما يملكونه من وعي، في متابعة ما يحدث من آلام، فظهرت في عيونهم عبرات الخوف من مصير يبدو مشوّشا في تفاصيل العديد من الأحداث والمنعرجات التاريخية السياسية والاجتماعية، في وطن كان أهله يرومون هدوء العيش، كما غيرهم في هذا العالم.

في عام 1959، زار الفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر، معرضه للرسم في روما، وأقتنى له ثلاث لوحات، كما اقتنت لوحاته العديد من المتاحف العالمية والشخصيات النافذة في الفن على مستوى العالم، نتحدث هنا عن  فاتح المدرس، إحدى أهم الشخصيات الفنية السورية المؤسسة في عالم التشكيل، والذي رحل عن عالمنا في العام 1999، لكن آثاره الفنية باقية إلى الخلود سواء عبر رسومه أو مرسمه الذي أعيد افتتاحه مجددا

وفي الوجوه التي كانت موجودة في المعرض، والتي رسمت خلال سنوات الأزمة، رغبة في العيش وليست رغبة في الخوف، وما قدّمه المعرض ما هو إلاّ نظرة آنية قلقة في انتظار غد أفضل، على حد قول عصام درويش.

وفي الجانب الآخر، كانت اللوحات التي رسمتها رانيا المدرس تحمل الكثير من السمو في المشاعر وتقديم جرعة أكبر من الهدوء والسكينة، حيث ظهرت الوجوه بمساحات ضوء أكبر، وحضرت الألوان الفاتحة التي نشرت المزيد من التفاؤل، فالألوان ظهرت في ترانيم خاصة بها مشكّلة هالات من الفرح مع تضافرها في أشلاء بسمات متناثرة هنا وهناك، وكأنها تحيل المتلقي إلى مساحات حية من الفرح.

وأكد القيمون على الصالة أنها ستقوم خلال الفترة القادمة ببرمجة العديد من المعارض الفنية للعديد من الأسماء، لكي تبقى بخصوصيتها مثار نشاط دائم، يقدّم الفن الأصيل والجميل في تنويعات مختلفة الاتجاهات، لكي تؤكد مدينة دمشق أنها مصرّة على الحياة رغم قساوة الحرب.

ويعد التشكيلي الراحل فاتح المدرس أول من أدخل السريالية إلى الفن السوري، وكانت حياته الشخصية جزءا من توجهه السريالي، ومن ضمن تجليات ذلك أنه حاز على شهادة الدكتوراه في الفن من أهم معاهد أوروبا (إيطالية وفرنسة) قبل أن ينال شهادة الباكالوريا في وطنه سوريا، التي تقدّم لها ونالها بعد تحصله على شهادات دراسية أعلى في أوروبا (تقدم للثانوية العامة عام 1967).

.وكان الراحل إلى جانب كونه فنانا تشكيليا، موسيقيا، وكاتبا للقصة القصيرة، فكتب “عود النعنع” و”خيرو العوج” اللتين انتقلتا إلى السينما لاحقا. وقدّم أيضا إبداعات في الشعر، فنشر مع الشاعر شريف خزندار عدة مطبوعات، وشارك عام 1962 مع زميليه محمود دعدوش وعبدالعزيز علون في نشر أول بيان فني للفلسفة الجمالية عن الفن العربي.

وشارك فاتح المدرس في الكثير من المعارض الفنية داخل سوريا وعلى مستوى العالم بكل من بيروت وباريس ومونتريال وبون وواشنطن ودبي وموسكو ولندن وغيرها من العواصم العالمية.

17