فاتكا يخترق السرية المصرفية ويعدل خارطة العالم الاستثمارية

الثلاثاء 2014/09/23
وزراء مالية مجموعة العشرين شددوا على ضرورة مكافحة التهرب الضريبي

بيروت- يحقق القانون الأميركي “فاتكا’ تقدما ملحوظا في تضييق الخناق على التهرب الضريبي للأميركيين حول العالم لكنه طرح في الآن نفسه تحديا كبيرا أمام تلك الدول التي استفادت ولفترة طويلة من تدفق الودائع و الاستثمارات.

بعد أكثر من نصف قرن على تطبيق قانون “السرية المصرفية” التي ساهمت في ازدهار القطاع المصرفي والنمو المتقدم للاقتصاد الوطني ، بدأ لبنان برفع هذه “السرية” عن حسابات حاملي جوازات السفر الأميركية، تنفيذاً لقانون الامتثال الضريبي “فاتكا” الذي تفرض الولايات المتحدة بموجبه وبالقوة الاقتصادية، سيطرتها على القطاع المالي العالمي.

وأعلنت الإدارة الأميركية عن رضاها لتجاوب لبنان السريع في تطبيق قانون “فاتكا”، وأبدى دانيال غليزر نائب وزير الخزانة والمسؤول عن ملف العقوبات ومكافحة غسل الأموال، ارتياحه المطلق لعمل المصارف اللبنانية، مشيدا بدور أجهزة الرقابة لدى البنك المركزي، كما وصف المجلس الدولي للضرائب في واشنطن لبنان بأنه من الدول السباقة في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتطبيق القانون الأميركي.

وتشمل هذه الإجراءات تحديث المعلومات العائدة لزبائن المصارف، وأهمها توجيه سؤال رئيسي إذا كان العميل يحمل جواز سفر أميركيا أو البطاقة الخضراء، وفي حال الإيجاب، يبلغه المصرف المعني بأنه يخضع لقانون “فاتكا”، وعليه أن يوقع على نموذج إذن برفع “السرية المصرفية” عن حساباته، وإرسال المعلومات المفصلة إلى وزارة الخزانة الأميركية، وإذا رفض التوقيع، يضطر المصرف إلى إقفال حساباته ووقف التعامل معه، أما في حال أجاب العميل على السؤال بالنفي، أي أنه ليس أميركيا، وبما أن كل المعلومات سترسل إلى الإدارة الأميركية، وفي حال تبين أنه قدم مغالطات، وهو أميركي، عندها يحال ملفه إلى هيئة التحقيق الخاصة في البنك المركزي لتطبيق العقوبات بحق العميل المخالف، وتصل عقوبة عدم الإقرار المالي من دافعي الضرائب إلى نحو 100 ألف دولار أو نسبة 50 بالمئة من رصيد الحساب غير المصرح عنه، إضافة إلى العقوبات والغرامات التي يمكن أن تفرض لعدم دفع الضريبة المستحقة، وتختلف العقوبة بحق المصارف أو المؤسسات المالية المخالفة، حيث تصل إلى حجز 30 بالمئة من قيمة الأموال الناتجة من عملياتها في الولايات المتحدة.

التعاون الدولي

تعرضت سويسرا لهزة قوية، جراء الضغوط الأميركية قبل تطبيق قانون "فاتك" وبعده

وفي محاولة من البنك المركزي اللبناني للتخفيف من وطأة المس بالسرية المصرفية، أوضح محمد بعاصيري النائب الثالث لحاكم مصرف لبنان “أن السرية المصرفية يجب ألا تشكل حاجزاً أو عائقاً للتعاون الدولي، وأن تطبيق قانون “فاتكا” يطلب الحصول على إذن من العميل برفع السرية عن حساباته لمصلحة السلطات الضريبية الأميركية تحديداً.

ويرى بعاصيري أن العقوبة الأخطر من العقوبة المالية، تكمن في قدرة البنك الأميركي المراسل للمصرف صاحب المخالفة على وقف العمل معه، وعدم تسهيل عملياته المالية والمصرفية مع المؤسسات الأجنبية، فضلا عن ضغوط ونفوذ السلطات الأميركية للتأثير على درجات التقييم الائتماني على تلك المصارف”.

وهكذا يرى بعض المصرفيين في لبنان، أن تنفيذ المصارف لتعليمات قانون “فاتكا” لا يخرق السرية المصرفية، حيث يجري الطلب من العميل التوقيع على رفع السرية عن حساباته ، وهي لا تشكل خرقاً للسرية عملاً بأحكام المادة الثانية من قانون السرية المصرفية اللبناني الصادر في العام 1956.


المصارف العربية


إذا كان لبنان سباقاً إلى التعاون الدولي، وهو جزء من الوطن العربي، فإن المصارف العربية ليست أقل منه حماسة، وقد أنجزت تسجيلها بنجاح من خلال البوابة الالكترونية للقانون الأميركي على موقع مكتب الإيرادات الضريبية على الانترنت، في حين أعلنت عدد من الحكومات الخليجية والعربية مثل البحرين والسعودية عن توقيع اتفاقات ثنائية مع الحكومة الأميركية لتطبيق القانون، وقد ظهرت المصارف الخليجية على أول قائمة أصدرها مكتب الإيرادات مطلع يوليو 2014 للمؤسسات المالية الأجنبية المشاركة في برنامج قانون “فاتكا”، ما يعكس مدى التطور المالي والتقني الذي حققته البلدان الخليجية في مجال الخدمات المصرفية والمالية ومواكبتها لمختلف التطورات النقدية والمالية العالمية.

وسبق أن طبقت هذا النموذج دول كثيرة مثل بريطانيا وأيرلندا وألمانيا وأسبانيا والنرويج وأيسلندا وسويسرا والمكسيك والدانمارك، وهناك 60 دولة تفاوض للدخول فيه، وهو يتطلب أن تؤدي الحكومات المحلية دوراً أكبر في تطبيق القانون من خلال توقيعها بدلا من المصارف اتفاقات التعاون مع الحكومة الأميركية.


تغيير خارطة الاستثمار

محمد بعاصيري: السرية المصرفية يجب ألا تشكل حاجزاً أو عائقاً للتعاون الدولي


وعلى الرغم من التزام الدول العربية والمصارف العاملة لديها بكشف “السرية المصرفية” عن حسابـات الأميركيين في الخـارج عن طريق إذن فـردي مـن العميل المعني، فهي تواجه قلقاً كبيراً من مخاطر تداعيات الضربة الموجعة التي تلقتها أهم ميزة يتغنى بها كثير من دول العالم التي تعتمد عليها لجذب رؤوس الأموال، الأمر الذي قد يؤدي إلى تغييرات كبيرة في تنقل الودائع وخارطة الاستثمارات العربية والعالمية.

ولعل لبنان هو أول المتضررين من اختراق “سريته المصرفية” التي بدأ تطبيقها في العام 1956، وساهمت في تقدمه وازدهاره المصرفي والاقتصادي طوال السنوات الماضية، حتى تمكن من استقطاب أموال ساهمت بمضاعفة ودائع جهازه المصرفي إلى 140 مليار دولار، وحجم موجوداتها إلى 160 مليار دولار، أي ما يعادل نحو أربعة أضعاف حجم اقتصاده البالغ 40 مليار دولار.

أما بالنسبة لسويسرا والتي جعلتها “السرية المصرفية” ملاذا ضريبياً بامتياز لسنوات طويلة، فتعرضت لهزة قوية ، جراء الضغوط الأميركية قبل تطبيق قانون “فاتكا” وبعده، وقد تراجعت القيمة الإجمالية لأموال رجال الأعمال الأجانب المودعة في المصارف السويسرية إلى 200 مليار فرنك فقط ، من نحو 800 مليار فرنك كانت قبل خمس سنوات.

وإذا كان قانون “فاتكا” سيكون له مفعول إيجابي على صندوق الضرائب الأميركي وقد تأتي بإيرادات تقدر بأكثر من 800 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة، فإن بعض الدراسات أشارت إلى أنه قد يكلف القطاع الخاص الأميركي مبالغ كبيرة تتجاوز هذا الرقم المقدر استيفاء لدى مصلحة الضرائب، مع التأكيد على أن تراجع الاستثمار المباشر في الولايات المتحدة والذي يمثل تراكم 3.7 تريليون دولار، سوف يتأثر سلباً بنمو الاقتصاد وجذب الشركات الأجنبية للاستثمار داخل أميركا.

ومع استعداد الآلاف من حاملي جوازات السفر الأميركية ، للتنازل عن جنسيتهم تهرباً من قانون “فاتكا”، تجدر الإشارة إلى أن ذلك لا يسقط عنهم الضرائب المستحقة عليهم حتى تاريخ تنازلهم عن الجنسية الأميركية، بل سيطلب منهم دفع كل المستحقات إضافة إلى الفوائد والغرامات.

10