فاتنة روبنز

الاثنين 2016/01/04

بيتر بول روبنز الفلامنكي الذي عاش مقربا من بلاطات ملوك أوروبا كان لغزارة إنتاجه الفني أشبه بالورشة، يملّ المرء من رؤية لوحاته، بالرغم من مهارته التي ينافس من خلالها معلمي الصنعة الكبار.

أتذكر أنني رأيت عددا من لوحاته ذات الأحجام الكبيرة فشعرت يومها بالضجر، أضجرني تعاليه وهزمتني قدرته الفائقة على الرسم، لم يكن ذلك سببا مقنعا لكي لا أحبه، غير أنني أقنعت نفسي بصواب مزاجها.

فصرت كلما رأيت لوحة له أتحاشى الاقتراب منها، “لقد رأيت ما يكفي منه” كانت مجرد حجة لتبرير موقف صبياني. فروبنز (1577 /1640) هو واحد من أهم الرسامين في التاريخ، فما أنتجه من رسوم يشكل مدرسة في الإنشاء التصويري والتقنية التي تلهم الأشكال تفوقا لافتا في التعبير.

في زيارتي الأخيرة لـ”ناشيونال غاليري” بلندن كنت في طريقي لرؤية عدد من لوحات الهولندي رامبرانت، وما يمكن أن أقوى على رؤيته من لوحات عصر الباروك، حين فوجئت بلوحة مضيئة تمثل سيدة بقبعة تكاد تطير، جذبتني تلك اللوحة إليها من بعيد، فمشيت إليها مسحورا بعد أن نومتني مغناطيسيا؛ السيدة واللوحة كانتا جميلتين.

ومع ذلك الجمال لم يكن مصدرا لكل ذلك النور الذي يشع من كل جزء في اللوحة، كما من كل جزء مكشوف في جسد تلك السيدة. مَن أكسب الآخر نضارته، اللوحة أم السيدة؟ لا يزال هناك شيء ساخن كالحليب يطلق فقاعات براءته في الفضاء. “سوازانا لندن” قرأت اسمها لكي أخاطبها به في أحلامي، غير أن اسم رسامها هو الذي صدمني؛ كان هو، ابن انتفيربن روبنز وليس أحدا سواه.

هي أخت زوجته، ابنة تاجر الحرير التي تزوجت في العام نفسه (1622) الذي وقفت فيه أمام روبنز موديلا، وبعد خمس سنوات كانت اللوحة جاهزة.

لقد أعاد روبنز خلق سوازانا، المرأة المجهولة صارت فاتنة كل العصور، بسببها صار عليّ أن أعتذر من روبنز، فما من أحد يمكنه أن يخلق سوازانا أخرى إلاّ الله.

كاتب من العراق

16