فاتن حمامة تسدل الستار على "عصر السينما"

الأحد 2015/01/18
فاتنة كوجه القمر ووديعة كحمامة

لندن- حل خبر كالصاعقة على سماء القاهرة مساء السبت. أتصور أن السماء أظلمت وغابت عنها النجوم، وتوقفت حركة الكواكب في الأفلاك، مع تأكد وفاة أسطورة الشاشة العربية فاتن حمامة، التي عاشت 84 عاما، وكان وجودها في وسطنا، قد أصبح خلال السنوات العشر الأخيرة على الأقل، وجودا رمزيا، يرمز لعصر كامل، هو بحق "عصر السينما"، أي عندما كان للفيلم سحر خاص، وكانت الأسرة من الطبقة الوسطى، يمكنها الذهاب الى دار العرض السينمائي لمشاهدة الفيلم، دون أن تشعر بالتردد أو الخجل.

فقد كانت فاتن حمامة هناك، إبنة الطبقة الوسطى، التي نجحت في الاستيلاء على قلوب الملايين، تمنحهم قوة وصلابة، وتمد الفتاة ثم المرأة بوجه خاص، بعزيمة وعزم على التمرد على ذلك النموذج القديم للفتاة أو المرأة المستسلمة، التي تقنع بما قسم لها من ركن منزو في البيت!

رحلت فاتن حمامة عن عالمنا بعد أن تركت تراثا سينمائي كبيرا يقترب من مائة فيلم ومسلسلين للتليفزيون.

وقد حفرت مكانا عميقا لها في ذاكرة كل عشاق السينما في العالم العربي، ونالت من التكريم والحفاوة وحب الجماهير ما لم تحظ به ممثلة أخرى منذ أن ظهرت في أول أفلامها وهي لاتزال بعد، طفلة في التاسعة من عمرها وهو فيلم "يوم سعيد" (1940) أمام الموسيقار محمد عبد الوهاب ومن اخراج محمد كريم، أحد رواد الفيلم المصري.

تدرجت أدوار فاتن حمامة وتنوعت، ما بين الدراما والميلودراما والكوميديا الاجتماعية والفيلم السياسي والفيلم البوليسي والدراما النفسية وفيلم الجريمة، ومثلت دور الطالبة والفتاة المتمردة والفتاة المظلومة- ضحية المجتمع، ابنة الباشا، وابنة الطبقة الفقيرة التي لا تجد ثمن الدواء تعالج به مرضها القاتل. الصعيدية والفلاحة، المحامية وسيدة المجتمع، الأرملة والأم والزوجة والحبيبة. واستطاعت بموهبتها الكبيرة في التمثيل الذي درسته في المعهد العالي لفن التمثيل بالقاهرة، أن تؤدي أدوارها المختلفة بشكل مؤثر، وخصوصا في الأفلام التي حملت صفة الواقعية، ومنها فيلمان من أفضل ما قدمته السينما المصرية من أفلام في تاريخها "دعاء الكروان" المقتبس من رواية لطه حسين عام 1959 الذي قامت فيه بدور "آمنة" الفتاة الصعيدية الساذجة التي تذهب قصدا للعمل كخادمة في بيت المهندس القادم من المدينة، لكي تنتقم منه لمقتل شقيقتها التي سبق أن غرر بها، على يدي خالها، لكنه مشاعرها تخونها فتقع في هوى المهندس (أحمد مظهر).

أما الفيلم الثاني فهو فيلم "الحرام" عام 1965 الذي أخرجه هنري بركات، عن رواية يوسف إدريس، وفيه أدت ببراعة دور زوجة عامل التراحيل الزراعي الفقير التي تغتصب وتحمل سفاحا، ويتعين عليها أن تدفع ثمن خطيئة لم ترتكبها.

كانت فاتن حمامة محافظة سياسيا، ولم تكن راضية عن التحولات التي وقعت في زمن الرئيس جمال عبد الناصر، أي ما عرف بـ "التحولات الاشتراكية"، وخصوصا تأميم المصانع ومصادرة الاراضي والاعتقالات، كما أنها تحدثت كثيرا عما تعرضت له من مضايقات من قبل جهاز المخابرات العامة في زمن صلاح نصر، وكيف أنها رفضت التعاون مع الجهاز ودبرت خطة للهرب من مصر، فقضت الفترة من 1966 الى 1971، متنقلة بين مصر ولبنان. ولم ترجع الى مصر الا في عام 1971 بعد وفاة عبد الناصر.

وكانت قصة الحب الرومانسية الملتهبة بينها وبين الممثل عمر الشريف عندما اشتركا معا في فيلم "صراع في الوادي" عام 1954 ثم زواجهما في العام التالي، إحدى القصص التي داعبت خيال ملايين الفتيات في مصر والعالم العربي، وكانت مثالا للحب النبيل الذي كثيرا ما جسدته الأفلام التي لعبت فاتن حمامة بطولتها.

ولكن كأن القصة كانت يجب أن تنتهي أيضا على الطريقة الميلودرامية التي اشتهرت بها الأفلام الرومانسية التي مثلتها فاتن في الخمسينيات، فقد انتهت بشكل درامي عندما غادر عمر الشريف مصر للعمل في فيلم "لورنس العرب" وهجرها لسنوات طويلة، فلم يكن هناك مناص من الانفصال، وان ظلت تربطهما علاقة صداقة حتى اليوم الأخير في حياة فاتن.

اتجهت فاتن في السنوات العشرين التي سبقت توقفها عن تمثيل الأفلام بعد فيلمها الأخير "أرض الأحلام" عام 1993 الذي أخرجه داود عبد السيد، إلى تمثيل أدوار تحمل رسالة اجتماعية بارزة، منها فيلمها الشهير الذي أخرجه سعيد مروزق "أريد حلا" (1975)، و"لا عزاء للسيدات" (1979)، و"ليلة القبض على فاطمة" (1984)، و"يوم حلو ويوم مر" (1988).

وربما لو أنها أرادت أن تتحول إلى الاخراج السينمائي لأصبحت من المخرجين المرموقين في مصر، فقد تعلمت منذ نعومة أظافرها، على يدي كبار المخرجين المصريين، وعملت معهم جميعا في عدد من أهم أفلامهم وأهم الأفلام في تاريخ السينما المصرية: يوسف شاهين، حسن الإمام، كمال الشيخ، بركات، عزالدين ذوالفقار، حلمي حليم، صلاح أبو سيف، سعيد مروزق، حسين كمال، داود عبد السيد، خيري بشارة... وغيرهم كثيرون من كل الأجيال.

وكانت الراحلة معروفة بثقافتها الرفيعة، واهتمامها الكبير باختيار أدوارها، وكانت تصبغ على الفيلم شخصيتها من خلال الدور الذي تلعبه، وقد ساهمت دون شك، في تغيير صورة المرأة العربية على الشاشة، من الفتاة الضحية المقهورة، أو الشخصية الهامشية، إلى سيدة تتحمل المسؤولية ولا تقل قوة عن الرجل.

ستظل صورة فاتن حمامة بأوجهها المتعددة في ذاكرة عشاق السينما.

1