فاتورة السؤال الأخير

السبت 2017/10/28

لم يعد مجلس الحانة مثل ذاك الذي نقشه ناظم عودة بباب كتابنا “خمسون حانة وحانة” فلا نواسيّات ولا عباسيات ولا رنين كؤوس مدوزنات على سلّم القاسم المشترك الأعظم أم كلثوم. لقد صار المكان كما حلبة صراع ديكة الرهان التي لا تدري بأي نقرة تموت.

حديث السياسة المتعب للقلب هو أعلى من حديث الأدب والفن الجميل، وقد يحل بينهما قليلا ضجيج الكرة المجنونة وثنائية ريال مدريد وبرشلونة، فهذا يصف كريستيانو رونالدو بالبطة العرجاء وميسي بالجن الأزرق، فيرد عليه جليسه الثائر الذي كان حميما قبل قليل بأن رأيك مشين وأخطل ومستل من هتافات المتظاهرين الانفصاليين في كاتالونيا.

أما جليسي الذي يدعبل الكلام على نياته ويكتب عشرين قصيدة فيسبوكية كل ساعة، فلقد اندهش وتعجب عندما أخبرته بأن الرقابة المصرية كانت منعت عرض الفيلم الهائل “شيء من الخوف” فوصل الخبر للزعيم الراحل جمال عبدالناصر الذي شاهد الشريط وأمر بإطلاق سراحه بدور السينما.

كنت سعيدا جدا لأن مائدتنا لم تتلوث حتى اللحظة بخبل السياسة، لكن المشهد لم يطل كثيرا حتى سحب سميري نفسا عميقا أجهز فيه على ثلاثة أرباع السيكارة، ومع أول سطر كلام دلقه، شعرت بأنني ذاهب لا محالة صوب خيارين أولهما مر والثاني مزعج مثل شعرة نائمة بالبلعوم، لن تتزحزح حتى لو بلعت خلفها عشرة أرغفة من خبز التنور الوطني الحار.

كان عليَّ أن أضحي بنصف مزاجي وأنا أنصت إليه مثل تلميذ غبي بائر في الصف السادس الابتدائي، وهو يقرأ طوفانا من ثرثراته التي يسميها شعرا.

عند انتصاف السهرة حدث انقلاب مذهل، وصديقي الذي خلعت عليه قميص الغباء وظننته ثرثارا بليدا، صار الآن فيلسوفا يضرب الفكرة بالفكرة ويرسم السند البائن فوق جسد النظرية المفترضة، فتتعجب لخزينه وتندم لأنك لم تعرفه جيدا، ومما قاله بشغف إن العالم يتبدل وأنه يكاد يسمع الآن خطوات ميخائيل غورباتشوف محطم الإمبراطورية السوفييتية، وهي تمشي مع طقطقة حذاء دونالد ترامب، وما هي إلا عشرية من السنوات أو أقل منها حتى يصحو العالم المجنون على مناظر تلفزيونية تظهر تساقط نجمات كثيرات من علم أميركا الثقيل.

فرحت كثيرا بهذا الاستنتاج وقلت إن الأرض ستتطهر من إمبراطورية شر عظيم. قبل انطفاء قناديل الحانة الباهتة، سألني جليسي إن كان بمستطاعي دفع فاتورة الحساب.

سؤال مروّع كأنه ظهيرة موت الحمزة بفيلم الرسالة.

24