فاجعة السوريين

الاثنين 2013/08/26

«كل فتى هناك مسيح وكرامته إكليل شوك وكل فتاة جان دارك»

مليون طفل سوري لاجئ في أربع جهات الجوار الجغرافي للوطن السوري المحترق: العراق، الأردن، لبنان، تركيا وغيرها، وأربعة ملايين طفل في سوريا دمرت حياتهم، سبقهم إلى المقابر 7 آلاف طفل تتفسخ أجسادهم اليانعة في التراب السوري وتأكل الديدان أطرافهم الغضّة وعيونهم الذاهلة. «كلّنا نتشارك العار» قال مسؤول دولي. والعالم كله، بمنظماته الدولية الحقوقية والإنسانية، بدوله العربية ودوله الإسلامية، بدوله الشرقية ودوله الغربية، بشعوبه الحية وشعوبه المحتضرة، بأحزابه الصادقة وأحزابه الكاذبة، برجاله المفوّهين، وجموعه وجماعاته، بشعرائه وكتابه ومفكريه، بضميره الذي فاح منه الشعور بالذنب جراء الهولوكوست النازي، وبأرشيفه الإنساني المشبع بالدموع، وملفاته الضخمة عن الحضارة والإرهاب، هذا العالم الموصوف ظلما بأنه حر، يقف اليوم، عاجزاً عن إنقاذ شعب ثائر على الطغيان، جرّب فيه سفاح منحرف كل أسلحة الموت، على مدار عامين ونصف العام، تحت سمع العالم وبصره.

شعب عريق سكن قلب العالم القديم وعمّره بالفلسفة والفن والنحت والعمارة والشعر والزراعة والصناعة الأولى، وسكّ الأبجدية، وأرسل مراكبه إلى أقاصي العالم بالتجارة والمعرفة، وأتم واجباته الحضارية بأن أهدى البشرية ثلاثة أديان سماوية بكل ما تذخر به فلسفاتها وتعاليمها من مقولات الرحمة بالبشر، فكان له السهم الأكبر في أسطورة الإنسانية عن تأسيس العالم، وفي مغامرتها الأرضية ببناء الحياة. لكن كل هذا الكرم الإنساني للسوريين لم يشفع لهم عند الأمم التي اغتنت بمغامرتهم الحضارية، وها هم اليوم، يتعرضون لأبشع صور الإبادة، بينما العالم القوي الذي شرّع قضاته وفلاسفته المعاصرون وقوانينه الدولية تجريم أعمال الإبادة، وجهز سبلا عسكرية قادرة على وقفها متى شاء، هذا العالم ما يزال يقلّب حساباته بأنانية وخسّة لا يشبههما شيء سوى الجريمة. تلكؤه المفضوح شراكة صريحة في الجريمة.

أيها العالم العاجز المثقل الضمير أمام الأطفال السوريين الهاربين من الموت في أربع جهات الأرض، وأنت تضرب الأرقام بالأرقام وتستخلص النتائج، بحثا عن حلّ ليس لوقف الإبادة، وإنما لإيواء الناجين، غير آمل بالنجاح حتى في هذه المهمة، ماذا أيها العالم عن آلة الموت التي لم تتوقف يوما واحداً منذ أن ثار السوريون لأجل حريتهم؟ ماذا عن غرف العمليات الحربية الروسية والإيرانية الغازية، الناشطة على الأرض السورية، ماذا عن غرف صناعة الموت، ماذا عن صندوق العقارب والحيات والأفاعي؛ العصابات اللبنانية والعراقية الخارجة من جحور التاريخ، وقد سال السّم من لعابها، فتقاطرت لنجدة سفاح الشام، وزحفت من كل صوب في غزو مكشوف لأرض السوريين، وطفقت تقتل وتفتك وتدمر غير عابئة بما سنّ العالم من شرائع الرحمة وقيم الحضارة، ولا بالقوانين الدولية وحرمة الأراضي.

الأمم المتحدة أعلنت أن 7 آلاف طفل قتلوا في سوريا، دون أن تخبرنا ما إذا كان نظام الأسد هو من قتلهم، أم أنهم قتلوا على أيدي أهلهم. العالم حائر بملايين اللاجئين السوريين الذين دمّر نظام الأسد كل مقومات حياتهم، تحت سمع وبصر العالم معذب الضمير لأجلهم، لكن العالم غير مستعجل لوقف الجريمة، لأنه غير مكترث حقا بأرواح السوريين، الذين تتباكى المنظمات الدولية ورجالات الأمم ونسائها وكل خارج على الناس بخطاب أو حوار أو مقال أو بيان أو جملة مقصودة أو عابرة، لأجلهم، ولأجل سوريا المنكوبة نكبة أحيت في خيال بنيها أساطير الموت الغابر والأخبار المتواترة عن فظائع الأولين.

هاهو وحش الهولوكوست يفتتح أوشفيتز القرن الواحد والعشرين في دمشق برعاية إقليمية ودولية، إيرانية روسية، وصمت أممي هو شراكة كاملة. لكن العالم في غيبوبة، لكأنه هو الآخر ضربه غاز من نوع ما وسرى في بدنه داء البلادة وسم الأنانية، فلم يبق عنده للبشر وهم يواجهون مصارعهم سوى كلمات العزاء.

ليس ثمة ما يُسوّغ هذا الصمت العالمي على الجريمة، وتلك المراوغة الماكرة، سوى موت الضمير، لأن اكتراث الأمم، القوية في المحطات الفارقة من التاريخ، إنما يترجم أفعالا. والعالم لا يملك نحو السوريين سوى الأقوال.

والأدهى، هي تلك الهرطقة اللاأخلاقية التي تسمح لزعماء الدول الكبرى، في تبريرهم لمسلكهم المريب، أن يشككوا، عبر تصريحاتهم وبياناتهم، بواقعة الموت الكيمياوي، ولكن أهو نوم هذا للجثامين تحت كاميرات الأرض، أم موت؟ أيعقل أن يكون شيئا آخر غير الموت هذا الذي يخيم على مئات الجثامين التي راح السوريون يستخرجونها من البيوت ويحملونها إلى المقابر الجماعية، بينما العالم كله يرى أكداسا لأطفال ونساء وقد ودعوا أنفاسهم، من دون حتى خدش في أجسادهم، فهم بشر اختطفهم الموت وهم نائمون.

لا ترجمة على الأرض ولا في برزخ بين الأرض والسماء، لكل تلك البيانات الشفوية والمكتوبة والمرئية المطيّرة عبر أثير الأمم، حول التراجيديا السورية، وقد تقهقر العالم أمس وراء خطوطه المتقهقرة أمام زحف الجريمة، وقد ضرب الكيماوي بساتين دمشق فصرع المئات وأصاب الآلاف.

تجاوز القتلة كل الخطوط الحمراء التي رسمتها الدول الكبرى، وعبرت الجريمة كل الحواجز التي يمكن للعقل البشري أن يقيمها، أو يتخيلها، وسقطت خطوط الفكر والشعور والأخلاق والممكن والمستحيل، حتى بات السوريون في فواجعهم لا يصدر عنهم من ردود أفعال سوى مشاعر السخرية وإعلانات الشفقة على عالمهم المشلول إزاء مأساتهم التي لم يعد لها من نظير.

السوريون مصابهم بعالمهم كبير، السوريون فاجعتهم بعالمهم كبيرة، السوريون ودعوا الخوف منذ أن كشفوا صدورهم للرصاص لأجل كلمة الحرية، حملوا دمهم الجماعي على أكفهم، ونزلوا من كهوف الظلام الذي سمح له العالم بأن يطبق عليهم لنصف قرن، لكن شمس الحرية التي وهّجوا نورها بدمائهم أمدتهم بطاقة أسطورية جعلت من كل فتى شامي مسيحاً، وكرامته إكليل شوك، ومن كل فتاة جان دارك، لن يعود السوريون من كرامتهم التي امتلكوها، ولا من حريتهم التي كتبوها بأبجدية دمهم الجماعي.

9