فاديا حداد ترسم بالأبيض والأسود بحرا خيالي الألوان

أن تدخل إلى صالة فنية لتشاهد معرضا للوحات يطغى عليها اللون الرمادي في يوم ماطر وعاصف، يعني أنك ستكون متأثرا بجوّ غائم تتفاعل فيه الأعمال الفنية الموجودة في الصالة مع ما يحيط بها من ظروف خارجية. هي لوحات الفنانة اللبنانية فاديا حداد التي عُرضت مؤخرا في صالة “أجيال” البيروتية والتي تصور كلها مشاهد طبيعية، منفذة بأسلوب تجريدي ساحر ومشغولة بحسية وقع المطر حين تتوالى زخّاته بالملايين على أسفلت الطريق وعلى أسطح الأبنية.
الخميس 2015/11/05
لا حزن في اللوحات وإن اتسمت بالأسود والأبيض

بيروت - ما على زائر معرض الفنانة اللبنانية فاديا حداد بصالة أجيال بالعاصمة اللبنانية بيروت المعنون بـ”مشاهد”، إلاّ أن يقترب وينظر إلى تفاصيل لوحاتها ليلحظ كيف استطاعت الفنانة أن تشتغل بحرفية كبيرة على مشاهد شفافة، وتعطي في الآن ذاته انطباعا بصريا مختلفا قوامه الخشونة الموشومة بقطرات من الألوان الأكريليكية.

قالت الفنانة التشكيلية اللبنانية فاديا حداد أنها حاولت، من خلال أعمالها الفنية الجديدة التي عُرضت مؤخرا في صالة “أجيال” البيروتية، أن تستعيد مشاهد الطفولة التي عرفتها قبل أن تغادر بيروت نهائيا بعد مرور عشر سنوات على اندلاع الحرب اللبنانية.

عن أصفى ذكرياتها، تقول الفنانة، “تتعلق بمناظر جبال لبنان وخصوصا تلك التي تظهر من شرفة منزل العائلة الكائن في بعبدات”. قد يكون ما “يحدث” في آفاق هذه الأعمال المشغولة جميعها بالأكريليك هو استعادة لذكريات الطفولة، ولكن ليس بقدر ما هو إمعان في تأطير النسيان كحالة لاعودة منها قدّر لها أن تكون كذلك. فالنسيان الذي وقعت تحت تأثيره الفنانة هو حضور في حدّ ذاته، وربما هو حضور طاغ وأشدّ وطأة من أية ذكرى جليّة لأي مشهد من مشاهد الماضي.

معالم لوحات الفنانة تبدو وكأنها تتحدّى وتخاطب خيال زائر المعرض قائلة “أنا النسيان وهذه هي أشكالي وأطيافي وتفاصيل وجودي، كذّبني إن استطعت ذلك!”.

النسيان الذي وقعت تحت تأثيره الفنانة، هو حضور طاغ وأشد وطأة من أي ذكرى جلية لأي مشهد من مشاهد الماضي

استحالة عودة الذاكرة في لوحات الفنانة هي الموضوع المطروح وليس محاولة الاتصال بماض أو مشاهد غابت عن النظر. لا حزن بالرغم من طغيان معظم تدرجات اللون الأسود والأبيض. لا حنين يندس في الأجواء التعبيرية للوحات، فقط ثمة هدوء يجتاحها وينسج خيوطه الواهنة والمُتراصة فيعمّق من هزيمة الذاكرة ولا سيما بعد مرور سنين طويلة وتجارب حياتية مختلفة عاشتها الفنانة بعيدة عن الوطن.

في جولة استطلاعية تعبر الفنانة سماء لوحاتها، وتستكشف وتتحرّى، فتتأكد من أصول وفصول غياب مدينة الطفولة، بيروت، لتعود لاحقا إلى ركنها الباريسي، حيث تقطن منذ الثمانينات سالمة من أية تفجعات لم تُصب بها، ولم تحفز ذاكرتها لتستيقظ فتتجلى في سبع وعشرين لوحة مختلفة الأحجام والأشكال.

تكتب الفنانة هذه الكلمات الهادئة هدوء لوحاتها “ينتمي لبنان إلى الماضي البعيد الذي تكاد ذاكرتي أن تفقده تماما. لقد صنعت ذاتي بمعزل عنه وهو بدوره صنع تاريخه بعيدا عني”.

لا أسى في لوحات فاديا حداد، فهي ربما أرادت أن تقدم للمُشاهد تجسيدا فنيا لفصول عبورها الخيالي والخاطف بمحاذاة مشاهد من الوطن الفقيد وليس المفقود. ليس بوطن مفقود لأنها تعرف الطريق إليه، وتستطيع المجيء إليه متى شاءت، لكنه وطن فقيد لزوال صورته المثالية في عين الطفلة التي كانت، صورة هشمتها الحرب ولا تزال فلولها تبعثر وتطيح بأدق تفاصيلها.

المُتمعن في مجمل لوحاتها سيجد نفسه متقمصا شخصية الفنانة في تحولها إلى طائر نورس يطير على مستوى منخفض وبسرعة هائلة بالقرب من المشاهد التجريدية التي ليست إلاّ خيالات لمدينة مندثرة، ولتلال مشرقية لا يزال نور شمس العصر يهجع إلى قممها.

الرسامة تقدم للمشاهد تجسيدا فنيا لفصول عبورها الخيالي والخاطف بمحاذاة مشاهد من الوطن الفقيد

أما ماهية المشاهد فهي حائرة ومُحيرة، لا هي لأطراف جبال، وارتسامات وديان ولا هي لأعالي قمم، وليست هي لبحار اسودّ لونها، ولا لرطوبة الفراغ بعد زخات المطر.

ولا هي أثر لمشاهد مدنية رصاصية اللون، بل إنها تلك المشاهد جميعها مجتمعة في كل لوحة من لوحاتها. كما الذاكرة التي تضيء للحظات صورا دون غيرها من الصور في ذهن الإنسان، كذلك تلمع ذكريات الفنانة في شحنات بصرية مختلفة لا تلبث أن تغيب، كما البرق حين لا يرافقه صوت الرعد المدوّي، ومن هنا المساحات اللونية ومختلفة الحدةّ التي تتألف منها لوحاتها.

المشاهد “الطبيعية” التي رسمتها فاديا حداد توقع الناظر إليها في حيرة أخرى غير تلك المتعلقة بماهيتها، فيتساءل إن كانت الفنانة هي التي تندفع اندفاع الطير أمام المشاهد، أم هي المشاهدة التي تركض أمامها وتعبر بلمح البصر؟ هذه الحيرة خلقت ديناميكية رائعة من دونها لكانت الأعمال “عادية” بأسودها وأبيضها مفتقرة لأية خصوصية.

تقول الفنانة أن الأسود والأبيض هما في تجاورهما وتداخلهما في أعمالها “بحر من الألوان”.

لا غرابة في قولها هذا والمشاهد بما تحمله من شحنات إيحائية، لقد كان يستحيل أن تصل إلى تعبيريتها هذه إن اختارت الفنانة لها ألوانا أخرى تعطيها نبضا حيويا بعيدا كل البعد عن معنى الفقدان المحوري في لوحاتها.

“مشاهد” هو عنوان لمعرض يحتضن مشاهد طبيعية تنفي حضورها، وهو أيضا عنوان للنسيان لحظة خلاصه من عقدة الذنب.

16