فادي شماس يجعل للصمت صوتا أساسه الألوان

الفنان اللبناني يشيّد جسرا ما بين الفن التزييني والفن المعنيّ بمجتمعه.
الأربعاء 2021/07/07
شخوص بلا ملامح تهيم على وجهها في فضاء المدينة الفسيح

الفن الموازي للواقع المعيش غالبا ما يكون أجمل منه أو على الأقل أخف وطأة. وهناك من الفنانين من تميّزت نصوصهم البصرية بعمق المعاني وتجلياتها الفنية المُبتكرة في لوحات متعدّدة في تعبيرها التشكيلي، ومنهم من اعتمد فنا أكثر مباشرة غالبا ما يُطلق عليه عنوان “الفن التزييني”. أما البعض الآخر فيشيّد فنه جسرا ما بين الفن التزييني وذلك المُثقل بالمعاني والمعنيّ بمجتمعه، والفنان اللبناني فادي شماس واحد من هؤلاء.

في أوج أزمة غير مسبوقة يعيشها لبنان ولا ينقصها، لا سمح الله، إلاّ اهتزاز أمني واسع ينشر الفنان التشكيلي اللبناني فادي شماس لوحاته المُتعدّدة الأحجام المشغولة بالألوان المائية وبالأكريليك على صفحته الفيسبوكية.

منها لوحات جديدة ومنها سابقة، ولكن لا يمكن وصف الأخيرة “بقديمة”، لأنها تنطق بنبرة ووتيرة واحدة نادرا ما تخرج عنهما فتحدّد ظروفا مختلفة (شخصية أو عامة) لإنجاز هذا العمل أو ذاك.

عالم مواز

أعمال الفنان اللبناني خارجة، من عالم طازج، إذا صحّ التعبير، كمعظم لوحاته التي لا تعترف بسياق التسلسل الزمني. تستضيف لوحاته الزمن بمختلف محطاته في لوحة واحدة فيتجاور الماضي والحاضر والمستقبل بكل بساطة، لأن تجاورهم أمر عادي وهو من أهم خاصيات العيش اللبناني، وكذلك هو من أهم خصائص أعمال الفنان.

والأهم من ذلك أن شماس لا يدّعي تحميل نصه أفكارا فلسفية أو سياسية أو غيرها من الأفكار الشائكة والتي تتحمّل التأويل، بل يقدّم نصه الجميل بنصاعة آسرة كمن يقول “هذا هو لبنان.. هذه هي بيروت بكل تناقضاتها تحت سماء هي دائمة الزرقة”.

الفنان اللبناني يستضيف الزمن بمختلف محطاته في لوحة واحدة، فيتجاور الماضي والحاضر والمستقبل معا

وذلك دون أن يفترض تصريحه البصري هذا أي تحايل على الوضع المتأزم عبر إقصاء البشاعات التي بدأت باجتياح لبنان بشكل عام وبيروت بشكل خاص منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، لاسيما في ظل غياب مدوّي لتنظيم مدني معظم همه جعل بيروت مدينة “معاصرة / عالمية”، على الأقل بهيئتها وإن جرى ذلك على حساب خصوصيتها. خصوصية شكّلت شهرتها، وذلك منذ الأربعينات وصولا إلى بداية سبعينات القرن الماضي.

لوحاته تعطي الناظر إليها فرصة راحة من الاحتقان المعيشي المُزمن. تأخذ المُشاهد العام والمُشاهد اللبناني بشكل خاص إلى عالم مواز، هو حتما أجمل وأقل وطأة.

من النافل ذكره أنه من السهل العبور بالنسبة إلى المُشاهد اللبناني إلى هذا العالم، إلى هذه الضفة الثانية التي في حقل نظره هي دوما مؤهلة لأن تكون غير ما هي ومفتوحة على شتى الاحتمالات، الجيّدة منها والسيّئة.

لم تغادر هذه الخاصية، أي قدرة اللبناني على العبور اليسير إلى الضفة الثانية سرابا كانت أم حقيقة. والفنان من هذا المنظار هو لبناني وبامتياز.

غياب العنصر البشري

تتجاور في لوحات الفنان شماس المنازل التراثية والمعاصرة إلى جانب تلك المُتصدّعة بفعل مرور الزمن أو الحرب الأهلية. تعايش في سلام تحت زرقة سماء تصرّ في لوحاته على تماسك من دونه ستنزلق أثاره الفنية من غير شك إلى معالم زمن معاصر، فقط تتأجّج فيه التناقضات وتتمظهر أزمات العيش اللبناني التي لا يمكن أن تعلن عن ذاتها إلاّ ورافقها التنازع الداخلي.

غير أنه يجب الإشارة إلى أن الفنان في لوحاته يُعلن ميله العاطفي إلى الجانب التراثي من المنازل والمُنشآت على حساب تلك المعاصرة التي غزت سماء بيروت، ويعبّر عن ذلك فنيا من خلال إبرازه لتلك المنازل باللون والتفاصيل، بينما تبدو المباني الجديدة في العديد من لوحاته وكأنها قيد البناء أو هي مجرّد حضور يؤطّر المدينة ولا تُعرف أو تُعرّف به.

ربما ما يُضعف نص فادي شماس هو أن منازله تشبه في أحيان كثيرة رسومات يخطّها مهندس معماري بكل علم ودراية وبكثير من البرودة تجاه المشهد المرسوم، لتبدو مجرّد هياكل بنائية وأشكال هندسية ناصعة أكثر منها منازل يسكنها أو غادرها أصحابها.

يغيب العنصر البشري في تلك اللوحات. ولا يغفل الفنان عن ذلك إذ يعلّق، على أحد أعماله التي تصوّر شارعا تظهر فيه أبنية تراثية وبضعة أشجار إلى جانب سيارتين مركونتين على حافة الطريق، بهذه الكلمات “حتى أفقر الأحياء هي غنية بأهلها، وحتى أغنى الأحياء هي فقيرة إن غاب الناس عنها”!

وفي موضع آخر على صفحته ينشر الفنان لوحة لبيروت يُبرز فيها منزلان تراثيان تحيط بهما منشآت معاصرة “مينيمالية” بالأسود والأبيض. ويلحق بصورة اللوحة مقطع من أغنية “قومي يا بيروت” لماجدة الرومي من كلمات الشاعر السوري الراحل نزار قباني التي تصف قوة المشاعر تجاه بيروت. وقد يكون هذا هو أسلوب الفنان في التعبير عن عاطفته تجاه المدينة: أن يرسمها بدقة وأن يُؤرشف مشاهدها للتاريخ.

يغيب الإنسان في معظم لوحات الفنان. وإن حضر فيحضر وهو غائب روحيا وفكريا عمّا يحيط به من بشر وأبنية وأشجار على السواء. كل من هؤلاء الأفراد وهم مواطنون عاديون غارقون في شؤونهم الخاصة منفصلون عمّا يُسعد أو يؤلم الآخر/ الشريك في الوطن.

من هذه اللوحات نذكر تلك التي يواكب صورتها الفنان بكلمات للأغنية الشهيرة “صوت الصمت” ومن كلماتها “ناس تتكلم دون أن تحكي.. ناس تسمع دون أن تصغي”، حيث يسير أفراد على الكورنيش البحري من دون ملامح وجوه، كل واحد منهم غير غارق في عالمه الخاص، بل يسير إلى وجهة معيّنة دون الكثير من التفكير.

وينشر الفنان هذه اللوحة مُجدّدا مضيفا إليها هامته، ولكن من دون أن نرى وجهه. هو أيضا يسير في اللوحة إلى وجهة محدّدة. وهو أيضا من أهل المدينة، ولكن يختلف عنهم بأنه رصد هذا “الغياب” في لوحته.

وفادي شماس من خريجي مدرسة بيروت للفنون سنة 1985، وله مشاركات عديدة في معارض جماعية داخل لبنان وخارجه.

16