فادي يازجي المقيم في مجرة تحولاته

الأحد 2018/01/07
فادي يازجي فنان معاصر ذاهب إلى العالمية

هو الرسام الذي يقف في منطقة تقنية ملتبسة لا تنتسب إلى الرسم تماما. لم تكن المادة التي يستعملها وحدها هي السبب، بل وأيضا سلوكه الذي يتخطى السطح باعتباره حيزا نهائياً لما ينتج عن فعل الرسم.

خبزه الإلهي

قبل حوالي عشرين سنة، حين رأيت أول عمل له تكونت عبارة في رأسي ستكون بعد سنوات عنوانا لكتابي عنه وعن تجربته الفنية “خبز الآلهة”.

الرسام القادم من النحت وهو اختصاصه الأكاديمي لا يفكر في الرسم باعتباره مساحة للإلهام الصوري، فكائناته لا تقبل أن ترى صورتها ملساء في المرآة. لذلك تحضر مجسّدة من خلال طبقات من الأصباغ التي لا يلغي بعضها البعض الآخر بل يقف إلى جانبه مثلما تفعل تلك الكائنات الخرافية التي استعارها الفنان من مخيلة أزمنة سحيقة.

يوم كنت أتردد على مشغله الواقع في الحي اليهودي بدمشق القديمة كانت تسليني أسئلته الوجودية وتعذبني. دائما كنت أرى في لوحاته مسيرات جنائزية، الضياع عنوانها والتيه هو مجالها الحيوي.

“إلى أين نحن ذاهبون؟” سؤال ينتقل مثل عدوى من الإنسان إلى ديكته وخرافه وأرانبه وثعالبه ووحوشه التي استحضرها فادي يازجي من كوابيسه اليومية التي لا تزال تطل من عينيه كلما جلس متأملا.

كانت الحرب التي لم تقع بعد في سوريا نبوءته التي لم يجد لها تفسيرا. في عالمه الفني كما في العالم الذي يعيشه بطريقة استثنائية ليس هناك ما يدعو إلى الاطمئنان والثقة. غير أن ذلك لم يكن مدعاة لانهيار البنى الشكلية في ذلك العالم الذي يسعى إلى إخفاء هشاشته.

فمهما بالغ يازجي في تحطيم أشكاله فإنها تظل تحتفظ بقدر لافت من التماسك وهو ما ورثه من عادات النحات الذي لم يفارقه.

يازجي رسام ونحات. ولكنه في الحالين لا يصف ما يراه كما يفعل الرسامون ولا يحاكي أبخرة الحكايات التي تتشكل في أعماقه كما يفعل النحاتون.

من يتأمل رسومه ومنحوتاته لا بد أن يدرك أن كائناته لا تملك وقتا للوصف أو الكلام أو الإنصات.

الوضع البشري المربك والحائر يلهم يازجي القدرة على مواجهة الألم والهلع والذعر والفزع الإنساني وهو ما ميزه عن سواه من الفنانين العرب. ذلك لأن أسلوبه الفني وإن كان قريبا من التعبيرية الرمزية غير أنه لا يلتزم إيقاعا مدرسيا بعينه بسبب إخلاصه للسؤال الوجودي الذي تتعثر به كائناته

لقد ألهمه ذلك الوضع البشري المربك والحائر القدرة على مواجهة الألم والهلع والذعر والفزع الإنساني وهو ما ميّزه عن سواه من الفنانين العرب. ذلك لأن أسلوبه الفني وإن كان قريبا من التعبيرية الرمزية غير أنه لا يلتزم إيقاعا مدرسيا بعينه بسبب إخلاصه للسؤال الوجودي الذي تتعثر به كائناته.

فنه هو خلاصة تجربته في العيش في صحراء وجدت تلك الكائنات فيها معنى لتيهها الأبدي.

فن للإنسانية

ولد يازجي في اللاذقية عام 1966. أنهى دراسة النحت في كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1988. وبدأت مغامرته في الحياة كما في الفن حين اختار المشي في طريق موحشة وصعبة. لقد اكتشف مبكرا أن الفن لا يقبل منافسا لذلك تفرغ له في تجربة لم تكن مضمونة النتائج. ما لا توحي به رقته الشخصية أن يكون فادي مقبلا على شظف العيش بقوة الكادح الذي يسكنه.

يومها اكتشف صلابته وفي الوقت نفسه ذلك الفيض الهائل من الرؤى التي صار يحولها إلى أعمال فنية. لذلك لم تكن غزارة إنتاجه مفاجئة إلا لمَن يقدمون الإلهام على العمل. يازجي من جهته يؤمن بالعمل وحده طريقا للقبض على شعلة الإلهام ولأنه ليس رجل علاقات عامة فقد انصب جهده على قيمة ما ينجزه.

ما كان لفنه الصعب أن يُعرض في قاعات عرض راقية بنيويورك ولندن وباريس وبيروت وأبوظبي وقبلها كلها في دمشق لو لم يكن ذلك الفن يمثل لحظة فريدة من نوعها في تاريخ الوعي الجمالي العربي. مثل فنه لم يكن يازجي على المستوى الشخصي سهل القياد ولا تتشكل قناعاته إلا بصعوبة. يمكنني الحكم بيسر أن كائناته النافرة اكتسبت الكثير من صفاتها منه وربما اكتسب هو في ما بعد شيئا من صفاته منها.

يازجي مثل كائناته يعرف أن هويته الكونية تكفي للتعريف به

لقد وضع الرجل نفسه في خلاف مع فكرة الهوّية السورية للفن. وهو ما كان مزعجا بالنسبة لأتباع تلك الفكرة المتوارثة عن فن سوري بأبعاد شكلية وفكرية متفق عليها. حيوية يازجي وانتشار فنه هما ظاهرتان تقعان خارج ما هو مسموح به بالعودة إلى تلك النظرية.

هناك مسحة إنسانية في فن يازجي حاول الكثيرون تضييق الخناق عليها من خلال ربطها بالأحداث التي تشهدها بلاده اليوم. وهو ما لا يمكن نفيه غير أنه لا يمثل الحقيقة كاملة. فادي يازجي هو فنان إنساني النزعة وهو ما يجعله في موضع المدافع عن قضايا الإنسان في كل مكان. المواطن السوري الذي يسكن يازجي هو ليس هويته المطلقة، وهو ما يسر لفنه أن يكون عالميا.

كنزه الخيالي

من الطين إلى المعادن النفيسة نقل فادي يازجي أصابعه الحساسة كمَن يعزف على لوحة مفاتيح البيانو عينها. تربطه بالمواد المختلفة علاقة ساحرة، هي من بقايا افتنان الإنسان بالطبيعة الحية وهو ما يقرب فنه من مفهوم الفن الخام الذي اخترعه الفرنسي جان دوبوفيه.

غير أن ما يميز فن يازجي يكمن في تلك الأصرة التي تجمع اليومي بالأسطوري كما لو أنهما الشيء نفسه. هناك نوع من الانسجام الكوني الذي تتفاعل من خلاله الأشياء بعضها مع البعض الآخر لتنتقل من حيزها الاستعمالي البسيط إلى حيز، تكتسب من خلاله هالة اللقى النادرة. كل شيء تمسه يدا الفنان يتحول إلى لقية. ومن تلك اللقى يتألف قاموس يازجي الذي هو كنزه الخيالي.

أتذكر منحوتاته التي استلهم من خلالها “الملعقة والسكين والشوكة”.

لقد وهب الفنان تلك الأدوات الاستعمالية الجاهزة شيئا من خيال الطبيعة حين تجعلها تزهر وتورق وتتبرعم وتثمر. لعبة يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. وهي لعبة فيها الكثير من الإلهام المرح غير أن يازجي وهو صاحب مخيلة واسعة لا يطيق البقاء في مكان بعينه. وهو ما يدفعه إلى الانتقال إلى مناطق جديدة تاركا وراءه مناطق لا تزال نضرة.

فادي يازجي القادم من النحت وهو اختصاصه الأكاديمي لا يفكر في الرسم باعتباره مساحة للإلهام الصوري، فكائناته لا تقبل أن ترى صورتها ملساء في المرآة. لذلك تحضر مجسدة من خلال طبقات من الأصباغ التي لا يلغي بعضها البعض الآخر

عادته التي لن يتخلى عنها وهي سر تجدده الإبداعي الذي أنقذه من الوقوع في فخ المعنى الشائع لمفهوم الأسلوب الذي يعتمد على تكرار المفردات نفسها. لا يكرر يازجي ما رسمه في وقت سابق وإن مد يده إلى المفردات نفسها فإن تلك المفردات ستظهر كما لو أنها لم تُستعمل من قبل بسبب طريقة الفنان المتجددة في النظر والتفكير تأمّليا. عادة صارت بمثابة أسلوب.

هوية كونية للكائن

يملك يازجي كل مؤهلات الفنان العالمي. إنه ينتمي إلى ذلك النوع من الفنانين الذين يتألف معجمهم التصويري من مفردات وجودية ثبتت في الوجدان والعقل البشريين باعتبارها تلخيصا للوضع البشري في مختلف تحولاته. وإذا ما كان مولعا في العودة إلى التماثيل والأفاريز التي أنجزت في وادي الرافدين عبر حضاراته فلأنها تمثل بالنسبة إليه خلاصات لوعي الإنسان الجمالي في واحدة من أهم ذرى تفوقه.

لم يكن قصده من وراء ذلك التماهي أن يعلن عن هويته. كائناته المعذبة بهروبها وخوفها وذعرها ويأسها لا تكترث بسؤال الهوية الذي ظل زمنا طويلا يلح على ما سمّي بـ”المحترف السوري”.

يازجي مثل كائناته يعرف أن هويته الكونية تكفي للتعريف به ولكنها لا تكفي لدفع الكارثة. وهو سؤاله الذي ينفتح به على حقول شاسعة من التجارب التي يليق بالإنسان المعاصر أن يعيشها. فادي يازجي رسام معاصر بكل ما ينطوي عليه مفهوم المعاصرة من معان.

9