فارس الذي ترك أزهاره في بيروت

الأربعاء 2015/07/15

أنا هنا، جالسة في بيتي، أمام نباتات سعيدة، ترقد خلف نافذة تطل على شارع هادئ. أستمع لموسيقى من كل نوع ولون. عربية، وفارسية، وأجنبية، والقهوة أمامي على الطاولة. في المساء الصيفي أنتظر صديقتي، والعالم في سلام! كل شيء في سلام إلى أن أفتح الفيسبوك، ليحطم هذه السعادات الهشة التي أسعد نفسي بها كل يوم، كأي كائن ساذج. مرة أخرى أتيقن أن الشعور بالسعادة مربوط بخيط رفيع، ولست أنا من أستطيع التحكم به، لست أنا الأقوى، بل هو الألم.

أفتح الفيسبوك، وأرى صديقتي في لبنان وضعت صورتك على صفحتها، مبتسما كما لو كانت هناك ملائكة، وكما لو أنها كانت تبتسم؛ ماسكا بيدك ورودك الشهيرة، وقد كتبت صديقتي أعلى صورتك أن “فارس مات”. لا أعرف ماذا علي أن أفعل. البكاء أصبح بدوره فعلا ساذجا. أضع صورتك على صفحتي، ثم أتراجع عمّا فعلت وأحذفها. تصل صديقتي، وأخبرها عنك. أريها صورتك، ثم أضعها ثانية على صفحتي. تائهة، ذاهلة، ودائخة.

تكتب لي صديقة أخرى لا تعرف العربية، ولم تفهم ماذا حدث: “مريم، من هو هذا الطفل؟ مات؟ هل كنت تعرفينه؟” هل كنت أعرفك؟ وماذا تجدي الآن المعرفة وماذا يفعل الجهل؟

يعلقون تحت صورتك “الله يرحمه”. كيف تكون معنيا بهذه العبارة يا فارس؟ ماذا فعلت أيها الصغير ليرحمك الله؟ سوى أنك تأنقت، انتقيت ثيابا تحبها مما لديك، فارتديتها، صففت شعرك، أخذت ورودك، وجئت إلى “شارع الحمرا” لتبيع الورود إليهم. هم الذين يكتبون الآن عنك؛ العشاق الذين اشتروا منك الورود لحبيباتهم، فابتسمن؛ النساء اللواتي وضعت كل واحدة منهن وردة من ورودك في صالة بيتها؛ والعابرون، من وهبتهم ابتسامتك الزاهية تلك، وبريق عينيك، فواصلوا طريقهم على رصيف “الحمرا” ليدخلوا نفق النسيان.

الألم الأكبر يا صديقي، هو أن أيدينا كلنا ملطخة بدمائك؛عربا وفرسا وأجانب، أصحاب كل هذه الإيقاعات والأغاني التي كانت تطربني اليوم منذ الصباح، كلنا مسؤولون ومذنبون. ولا أعرف الآن أنا الجالسة أمام شارعنا الهادئ ماذا علي أن أفعل. ماذا يمكن أن نفعل حين تموت الكلمة المشرقة التي لا بد منها لتضيء لنا حياتنا، قصائدنا، وأرواحنا الكئيبة؟ ونكون نحن من دفعها على طريق الزوال والموت؟

فعلنا ما فعلنا يا فارس، ثم انشغلنا بسعاداتنا، وهمومنا البائسة، حين ابتعدت أنت عن بلدك وأهلك، وعزمت على أن تزيح الوجع من قلبك الصغير، فابتسمت للحياة، اقتحمت قسوتها بورودك، وأدخلتَ أشعّتها إلى قلوبنا المظلمة. والآن، نحن من يطلب الرحمة، والغفران، والنور منك. نطلب، وأنت المبتعد عنا، ترانا من ذلك البعيد، وتلك الابتسامة مازالت على شفتيك.

ابتعد عنا، وارحل أيها الصغير الجميل. لا عالمنا ولا نحن استحققناك. فاحمل ورودك وارحل عنا. قد يأخذك الموت إلى حياة لا موت فيها، لا أديان ولا قتل ودماء في سبيلها؛ لا أراض يتقاتلون من أجلها، لا جنود، لا بنادق، ولا صواريخ؛ لا لحى طويلة تخاف منها، ولا رجال وسيمون بقلوب قاسية.

قد يكون هناك هواء فقط؛ ألوان، وأرواح، ورياح خفيفة. وذلك العالم سيحتفي بك، أنت وإخوتك، أحسن منا. ستراهم جميعا، من أتوا من بلدك الجريح، ومن غيره، ستسخرون منا، وتضحكون. أما نحن، فحتى بعد أن نموت، سوف تهيم أرواحنا في عالم رمادي حزين، نبحث عنك وعقوبتنا ألا نجدك إلى الأبد.

شاعرة ومترجمة من إيران

14