فاروق الباز جيولوجي استكشف الفضاء وتضاريس السياسة المصرية

السبت 2015/01/31
الباز عالم الفضاء الذي يبشر بـ«ممر التنمية» في وادي النيل

لاشك أن علماء مصر الكبار على مساحة الكرة الأرضية مدينون لثورتي يناير ويونيو، فقد أعادت الثورتان الاعتبار لأسماء لها وقعها لدى العامة والخاصة، بعد أن كانت موضع إقصاء وتخوفات لا تنتهي من نظامين فقدا رشدهما.

رغم الهزائم التي مُنِيَتْ بها مصر بعد عراكها الثوري، الذي طال مداه، لازالت الطموحات منعقدة على أن تستفيق البلاد وتدرك مقتضيات المستقبل، من خلال إعادة النظر في موقع العلوم التجريبية على خارطة السياسة متجاوزة مناخات الفساد وسيطرة مافيا المال والسياسة على الفضاء العام، وربما تكون البداية الجادة في الخطوة التي اتخذها رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي بتشكيل المجلس الاستشاري العلمي، الذي ضم أكثر من عشرين من علماء مصر في تخصصات مختلفة، جاؤوا من أنحاء العالم.


مشاريع رجل الفضاء


كان اسم الدكتور فاروق الباز بين تلك الأسماء التي برزت ضمن أعضاء هذا المجلس، لكنه أيضا كان اسما مطروحا بقوة قبل وبعد الثورتين، غير أنه جاء في هذه المرة بينما تتقدمه مشروعات قومية كبري تبدو الدولة أكثر جدية في التعامل معها، بعكس تلك الصورة التي رسمها الرؤساء السابقون لأنفسهم كرجال علم، في الوقت الذي كانوا يرتكبون فيه خطايا متعددة في حق العلم والعلماء.

فقد كان الرئيس الراحل أنور السادات، أصدر قرارا جمهوريا بتعيين الباز مستشارا علميا له في نهاية سبعينات القرن الماضي، لكن لم نر ظلا لتلك الاستشارية على أرض الواقع، حتى رحيل السادات، ولم تخل حقبة الرئيس الأسبق حسني مبارك من تكريمات مماثلة لأسماء هؤلاء العلماء، مثل تكريمه للدكتور محمد البرادعي (نائب رئيس الجمهورية السابق، بعد ثورة 30 يونيو) والأديب نجيب محفوظ، أو لقاءاته المتكررة مع فاروق الباز نفسه، والعالم أحمد زويل، غير أن المحصلة لم تكن أكثر من محاولات بدت لكثيرين، كأنه قصد بها غسل عار السياسة بشرف العلم وعلمائه.


جدل ممر التنمية


ها هو الحضور الباذخ للجيولوجي فاروق الباز يتجدد، أشهر العارفين بتضاريس القمر، في عصرنا الحديث، لدرجة دفعت رواد الفضاء الذين تدربوا على يديه إلى تسميته بـ”الملك”، وكانوا بعد أن يعودوا من رحلاتهم الفضائية يتحدثون عن أنه يصف القمر كأنه كان معهم، وقد كانت تلك المعرفة الجيولوجية الواسعة للرجل الذي ترأس أشهر الوكالات الفضائية في العالم، ناسا الأميركية، وراء مشروع “ممر التنمية” بصحراء مصر الغربية، الذي طرحه في كتاب من أهم كتبه ثم تبناه الرئيس عبد الفتاح السيسي في برنامجه الانتخابي، وهو الآن قيد الدراسات التنفيذية، وكان المشروع قد أثار الكثير من اللغط، مثل ما أثار الكثير من الاستحسان.

طرح الباز مشروعه في واقع مأزوم على مستوي بنيته السياسية والمجتمعية ويستهدف، في عمقه، تخليص الوادي من أزمات التكدس المرعب الذي يهدد المستقبل على مستويات عدة. فالمشروع كما وصفه الباز في كتابه “ممر التعمير”، مشروع القرن الحادي والعشرين الذي بإمكانه أن يقضي على تكدس المدن ونحر الأرض الزراعية، وغيرها من المشكلات التي تهدد مستقبل مصر، وحسب وصفه، يمتد من مدينة الإسكندرية على ساحل البحر المتوسط شمالا حتى الحدود السودانية جنوبا، وسوف يوفر بمجرد البدء به 500 ألف فرصة عمل، كما يؤدي إلى خلخلة الكتلة السكانية حول وادي النيل، لاسيما أن التقديرات تشير إلى أن عدد سكان مصر سيبلغ مئة وخمسين مليونا بعد 30 عاما، في ظل استمرار مشكلات تجعل مستقبل البلاد أكثر ترديا.

الباز يصف في كتابه «ممر التعمير»، مشروع القرن الحادي والعشرين الذي بإمكانه أن يقضي على تكدس المدن ونحر الأرض الزراعية، وغيرها من المشكلات التي تهدد مستقبل مصر، ليمتد من الإسكندرية شمالا حتى الحدود السودانية جنوبا

حسب تقديرات الباز يبلغ طول الممر 1200 كيلومتر ويقطعه عرضيا 12 طريقا طولها بين عشرة كيلومترات و80 كيلومترا لربط الممر المقترح بالمدن المصرية المكدسة، ويربط الممر المقترح ربطا عضويا بين المدن المصرية كالقاهرة وطنطا والمنيا والأقصر، التي يرى الباز أن بها هضبة ممتازة يمكن استثمارها في إقامة فندق يطل على أكبر موقع للآثار في العالم. أكد الباز في كتابه “ممر التعمير”، الذي غيرت الحكومة اسمه إلى “ممر التنمية”، أن تكون تلك المنطقة من أفضل المناطق جذبا للسياح، لكن ما لم يقله الباز أن هذا المشروع تم تقديمه إبان نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، وناقشه الرجل مع رئيس الوزراء آنذاك أحمد نظيف، قبل ثورة يناير بنحو عامين.


فوق السياسة


كان طريق الباز مفتوحا على الرئاسة المصرية بحكم موقع شقيقه الراحل “أسامة الباز” الذي كان الشخصية الوحيدة التي شغلت منصب مستشار الرئيس للشؤون السياسية في عصر مبارك، وكان محل ثقته لسنوات طويلة انتهت بشكل غير رسمي قبل ثورة يناير بأعوام قليلة، بسبب تصريحات لأسامة الباز رأت الرئاسة أنها قفز على مسألة توريث الحكم، حيث كان صرح في لقاء مع كتاب مصر باتحادهم أنه “لا توريث للحكم في مصر مهما كانت الأسباب”، وهو كلام رأت فيه الرئاسة تجاوزا يحول دون فرص توريث الحكم لجمال مبارك، الأمر الذي انعكس في الفتور الذي اعتري علاقة فاروق الباز برئاسة مبارك في الأشهر الأخيرة، حتى تخلي شقيقه عمليا عن منصبه.

أما فاروق الباز الذي عصمه العلم من الانزلاق في مدارج السياسة، فقد احتفظ بمكانته العلمية، وتعامل مع نفسه معظم الوقت باعتباره فوق السياسة، فالعلم رسالة متجردة من الغرض بطبيعتها، غير أن تلك القيمة المتجردة للباز كعالم لم تعصمه على المستوى الشخصي من انتقادات حادة وساخرة في بعض الأحيان، كذلك لم تعصم أفكاره من النقد، فمشروعه الجوهري عن ممر التنمية لم يسلم من النقد على المستوى الموضوعي، حيث رأى العديد من العلماء أن كافة مشاريع التنمية، التي ذهبت إلى الصحراء الغربية فشلت فشلا ذريعا، بسبب نقص المياه الجوفية، ومناخات التصحر الصعبة، وثمة مثال حي على مشروع إنشاء الوادي الجديد في الحقبة الناصرية، حيث كان مستهدفا زراعة ثلاثة ملايين فدان في تلك المنطقة، لكن المساحة الفعلية المزروعة الآن، لا تتجاوز أربعين ألف فدان.

مشروع ممر التنمية يحار بين حسابات المؤسسة العسكرية وتقديرات الباز السياسية

كان الدكتور رشدي سعيد وهو واحد من أبرز الجيولوجيين المصريين، قد وجه انتقادات حادة لهذا المشروع، مذكرا بالفشل الذي لحق بمشروع توشكي جنوبي البلاد، والذي لا تزال الاتهامات توجه إلى الحكومات المتعاقبة، بسبب ما أهدرت فيه من أموال، قبل دراسة العائد منه، ومع ذلك ثمة أمل لدى الكثيرين أن يكون هذا المشروع أحد قوارب الإنقاذ لمستقبل مصر.

أسئلة شائكة

فاروق الباز الذي ولد في محافظة الدقهلية عام 1938 واحد من أكثر علماء مصر تقلدا لمناصب علمية رفيعة ترتبط بإنجازاته العلمية، فقد شغل أكثر من خمسة مناصب كبرى، كان آخرها منصب مدير مركز تطبيقات الاستشعار عن بعد، في جامعة بوسطن بالولايات المتحدة الأميركية، وقبل ذلك كان نائبا لرئيس مركز العلوم والتكنولوجيا في مؤسسة آيتك لأجهزة التصوير بمدينة لكسنغتون، بولاية ماساتشوستش، فضلا عن اشتراكه في تقييم برنامج الوكالة الوطنية للطيران والفضاء ناسا للرحلات المدارية للقمر.

ورغم كل ذلك، فإن الكثير من الأسئلة الشائكة تحيط بالدكتور فاروق الباز، فثمة مشكلات تواجه الآن مشروع ممر التنمية، كذلك مشروع المثلث الذهبي المحيط بمنطقة البحر الأحمر، بسبب رفض الدكتور الباز تسليم صور الأقمار الصناعية تحت تأثير تعليمات أميركية، مخافة أن تتم زراعة مساحات كبيرة من الأراضي المستصلحة بالقمح، ما يعزز فكرة استقلال القرار الوطني في مواجهة أزمة اعتماد مصر في مصدر غذائها الرئيسي على الخارج.

إذا صحت هذه المعلومات، فإن ثمة شروطا أميركية تلاحق الكثير من المشروعات القومية في مصر، وعلى رأسها مشروع ممر التنمية نفسه، بهدف السيطرة علىه وتوجيهه بطريقة، تخدم المصالح الأميركية، وتحقق واشنطن بالاقتصاد ما فشلت في تحقيقه بالسياسة، فالمعلومات التي حصلت عليها “العرب” قالت أن فاروق الباز عرض على الحكومة المصرية إيجاد مصادر تمويل أميركية للمشروع الكبير في الصحراء الغربية، وإنجازه خلال فترة وجيزة، شريطة أن تتملك شركات أميركية مساحات كبيرة من الأراضي التي سوف يقام عليها المشروع، لكن الرئيس السيسي رفض هذا الاقتراح، لأنه يؤثر على استقلالية القرار الوطني، وفي ظل مماطلة الباز في تسليم الخرائط التي تبين أماكن المياه الجوفية بدقة للجيش المصري، بدأت الهيئة الهندسية التابعة للمؤسسة العسكرية رحلة البحث بنفسها عن أماكن المياه، لتنفيذ المشروع بعيدا عن فاروق الباز.

العالم المصري تقرب من رؤساء كثيرين وأنجز 540 ورقة علمية وحصل على 31 جائزة عالمية وقدم أكبر مشروع قومي لمصر


بين العلم والخرافة


الواقع أن القيمة العلمية الرفيعة للدكتور الباز، تتجاوز المساحة التي ارتبطت بمناصبه العلمية، فهو مؤلف لعدد من الكتب المهمة التي بلغت اثني عشر كتابا من بينها، مذكرات الباز حول أشهر رحلة إلى القمر، وقد طبع هذا الكتاب أكثر من عشرين طبعة وصدر بعنوان “أبولو فوق القمر”، فيما يتعلق بالشأن المصري أصدر كتاب “الصحراء والأراضي الجافة”، وكذلك “حرب البيئة”، بالإضافة إلى أنه يشارك في المجلس الاستشاري لعدة مجلات علمية عالمية.

رغبة الدكتور فاروق الباز في السنوات الأخيرة في التحول إلى شخصية شعبية، قد تكون أفقدته الكثير من منطق التجرد العلمي وأوقعته في أخطاء لا يمكن تصورها، بالنسبة لعالم في حجمه، وهي أخطاء شاركه فيها الإعلام أحيانا، ربما ساعد على هذا تلك القصة التي لا يكف الباز عن تكرارها حول التميمة التي تضمنت سورة الفاتحة والتي قام بوضعها في مركبة الفضاء “أبولو” لتصحب الرواد الخائفين من ذلك المجهول الذاهبين إليه طائعين.

الغريب أن الباز قال إن سورة الفاتحة كانت سببا في نجاح الرحلة، ما يعني إسقاطه قيمة العلم، والذي يعد أعلى تجليات العقل الإنساني. مثل هذه الإجابات والحكايات قد تجد أصداء واسعة لدى العامة، لكنها في النهاية كانت ضد المنطق العلمي، الذي يقوم على فرضيات عالية التجريد، وقد يرى البعض أن الأمر مرتبط برغبة الباز في الاحتفاء المسرف بماضيه المصري والعربي والاحتفاظ بميوله الصوفية، يشمل ذلك التباسات تاريخية ودينية وسياسية، ولم يسلم الرجل من النقد المسرف عندما توقف عندها، لاسيما حديثه الدائم عن أن والده كان شيخا أزهريا وأن العلوم الشرعية كانت أحد أسباب تفوقه. كل هذا يبدو معه حديث اللاعقل المستند إلى العلوم الإنسانية غريبا، في مواجهة عالم الجيولوجيا العالمي، الذي تربى في الحدائق الفيثاغورية.

حصل فاروق الباز على ما يقرب من 31 جائزة، منها جائزة إنجاز أبولو بالميدالية المميزة للعلوم وجائزة تدريب فريق العمل من ناسا وجائزة فريق علم القمريات وجائزة فريق العمل في مشروع أبولو الأميركي السوفييتي وجائزة ميريت من الدرجة الأولى من الرئيس السادات، وكل هذه الجوائز جزء من التقدير المنطقي لعالم قدم أكثر من 540 ورقة علمية، وهذا الرقم في ميزان العلم يعتبر شديد الضخامة، وإشارة قاطعة إلى أننا أمام عالم من طراز رفيع، ترك بصماته الواضحة لزمن طويل قادم في مدونات تاريخ العلم، حتى لو أحاطت به اتهامات بشأن ولائه لأميركا أولا.

13