فاروق حسني: الأصولية تنتصر بتراجع الفنون وتنحسر بتقدمها

الفنان التشكيلي المصري أنشأ مؤسسة غير ربحية لرعاية الفكر والأدب والفن في لحظة مصرية وعربية استثنائية.
الجمعة 2019/06/21
مبادرة فاروق حسني تعد رمية حجر في مياه آسنة

دشّن فاروق حسني مؤخرا مؤسّسة للفنون والثقافة تحمل اسمه وتستهدف تشجيع المواهب الإبداعية واحتضانها ونشر ثقافة التحضر، ومن ثم مواجهة ثقافة الكراهية ودحض أفكار الإرهاب والتطرف الديني، عن هذه المبادرة وتصوراته للواقع التشكيلي المصري خاصة والعربي عامة كان لـ”العرب” لقاء مع الفنان التشكيلي ووزير الثقافة المصري الأسبق.

القاهرة – أطلق الفنان التشكيلي المصري، ووزير الثقافة الأسبق، فاروق حسني في الآونة الأخيرة “مؤسسة فاروق حسني للثقافة والفنون”، والتي تهدف إلى دعم الشباب عبر مجموعة من الأنشطة والجوائز في مجال التصوير والعمارة والمسرح، إضافة إلى متحف للفنون في مرسمه بالزمالك يضم أعمالا فنية لمختلف الفنانين.

وقال الفنان التشكيلي المصري في حواره مع “العرب”، “خصّصت منزلي بالساحل الشمالي ليكون مقرا يجلس فيه الفنانون بعض الوقت في أثناء تنفيذ أعمالهم الفنية والإبداعية على غرار الأكاديمية المصرية في روما التي قضيت فيها فترة من حياتي قبل أن أتولى مهام وزير الثقافة”.

ويؤكد وزير الثقافة المصري الأسبق أن المرحلة التي تعيشها مصر اليوم “توصف بالتقهقر أمام المد السلفي والتطرف، وخسرت في المعركة المجتمعية وانزوت في ركن بعيد عن العامة”، وهو يرى أن المعركة مع الإرهاب أكبر وأوسع وأخطر من حصرها في المواجهة الأمنية.

مبادرة مثيرة للجدل

الروائي صنع الله إبراهيم كان يهاجم النظام السياسي ويصفه بأنه قمعي، لكن النظام لم يتعرض له
الروائي صنع الله إبراهيم كان يهاجم النظام السياسي ويصفه بأنه قمعي، لكن النظام لم يتعرض له

عن هذه المبادرة يرى البعض أنها تسعى إلى إسباغ الصفة الرسمية، لأن صاحبها قام بإشهار المؤسسة التي تحمل اسمه كجمعية أهلية مصرية برقم 872 لسنة 2019، لكن الخطوة تأخرت كثيرا، فحسني تميز بطول إدارته لملف الثقافة في مصر (نحو 23 عاما) وخبراته المتراكمة في مواجهة التطرف بالفن والإبداع، فضلا عن كونه فنانا تشكيليا له جمهور واسع من المهتمين بالفنون. ومع ذلك فإن المؤسسة، ومجلس الأمناء الذي يضم مثقفين روّادا، يمكن اعتبارهما رمية حجر في مياه آسنة.

وأكد فاروق حسني لـ”العرب” أن التطرف يولد بسبب وجود فراغ في بنية المجتمع، والفن والثقافة هما اللذان يملآن ذلك الفراغ.

وفهم البعض مبادرة حسني على أنها تستهدف تخليد اسمه في مجال الفن، والبحث عن تكريم مجتمعي بعد خروجه من الوزارة عقب الإطاحة بنظام حسني مبارك عام 2011، في حين يرى آخرون أن ذلك من حقه، ومع التسليم بهذا الدافع فإن كل مبادرة لدعم وتشجيع الإبداع تمثل خصما من أفكار التعصب والتطرف.

“العرب” التقت بالفنان التشكيلي في مرسمه بحي الزمالك وسط القاهرة، والمزدحم بلوحات ومقتنيات فنية جميلة له ولفنانين عرب وأجانب، لتحاول استكشاف قراءته لدور الإبداع والثقافة في مواجهة التطرف.

ولخص فاروق حسني رؤيته في أن تشجيع ومساندة الفنون بمختلف أنواعها يساهمان في ترسيخ ثقافة التسامح والتعايش، ويقلصان من التعصب والاستبداد الفكري، وما تواجهه بعض الدول من حوادث عنف وإرهاب ديني نتاج طبيعي لتدهور أوضاع الإبداع والثقافة والفنون فيها.

نقيض الإرهاب

قال فاروق حسني لـ”العرب” إن الفن نقيض الإرهاب، ويرتقي بالمجتمعات، ويُجدد دماءها، ويكتشف مكامن القوة فيها، والدول التي ينتعش فيها الإبداع تقل فيها حركة العنف والإرهاب، لذا فقد كان يسمي وزارة الثقافة عندما تولاها في مصر وزارة الحرب الثقافية، باعتبارها جبهة التصدي الأولى للإرهاب والفكر المتطرف.

وأوضح حسني أن مقولة أفلاطون “علموا أولادكم الفنون ثم أغلقوا السجون” في محلها تماما، لأن المجتمعات المحتفية بالفنون أقل تصدعا وأصعب تقبلا للفكر الأصولي، الذي ينشط بقوة في البيئات المنغلقة، ويتسع تأثيره في المجتمعات المخاصمة للفن والثقافة، وفيها يجدون أرضا خصبة لاستقطاب مناصرين ومتعاطفين.

ومع ذلك فإن ما يقوله حسني لا يمكن اعتباره -نظريّا وبصفة عامة- صحيحا مئة بالمئة، لأن هناك مجتمعات عديدة متحضرة تهتم بالفنون وتشجع الثقافة إلى أبعد مدى وتعاني في الوقت ذاته من الإرهاب الديني، وليس أدل على ذلك من أن مصر نفسها واجهت إرهابا متناميا خلال حقبتي الثمانينات والتسعينات عندما كان فاروق حسني وزيرا للثقافة، ويعمل على تشجيعها وتنميتها.

مبدعون عرب كثيرون يستحقون جائزة نوبل، غير أن ضعف حركة الترجمة من العربية أدى إلى تضاؤل فرص الكثير منهم

ولا يختلف المثقفون على ضرورة مشاركة الإبداع في تصوير الإرهاب كأحد نماذج القبح وعرضه وفضحه، بغض النظر عن درجة فاعلية هذه المشاركة، وحسبنا قول الشاعر التشيلي بابلو نيرودا “إذا فتحت النافذة صباحا، ورأيت قتيلا، ورأيت وردة.. أليس من المخجل أن أكتب شعرا عن الوردة”.

وتفاعلُ المبدعين ضد العنف والإرهاب، يؤكده ازدياد أعداد هؤلاء من شعراء وروائيين ونحاتين ورسامين وتشكيليين، ما يعني أن المجتمعات تقاوم أفكار الإرهاب وتنجذب أكثر نحو الفن.

وتكمن الأزمة الحالية في أن الكثير من المثقفين والمبدعين خارج حسابات الحكومات في مواجهة الإرهاب، ولفت حسني في حواره مع “العرب” إلى أن الحكومات العربية تمتلك إمكانيات مادية عظيمة ولديها محافل قادرة على التأثير، لكن ينقصها المبشرون.

وقال إن المبشرين يخترقون الجمود ويقاومونه ويصطدمون اصطداما مباشرا بالتخلف والرجعية، ولا يعني ذلك تسييسا للفن، إنما هو دور حقيقي ينبغي على المبدع أن يؤديه، مضيفا “المبدع مبشر يخترق الجمود ويقاومه ثُم يصطدم مباشرة بالتخلف والرجعية”.

وتخلط بعض البلدان بين تحفيز الإبداع لمواجهة الإرهاب، وبين تسييس الفن، لكن فاروق حسني يحذر من دخول الفن إلى السياسة، بمعنى حساب الفنان لصالح تيارات أو حكومات، مؤكدا أن السياسة تفسد الإبداع، وينبغي على مسؤولي الثقافة في الدول العربية التفرقة بين الثقافة والسياسة، وعدم الانصياع إلى الثانية على حساب الأولى.

وكشف أنه كان سعيدا باعتبار نفسه في مهمة عمل لخدمة الثقافة لا الحكومة، وفي سبيل ذلك كرّم، عندما كان وزيرا، الكثير من المبدعين المعارضين للحكومة في ذلك الوقت، مثل الأديب صنع الله إبراهيم، والناقدة نعمات فؤاد والشاعر فاروق جويدة.

وروى حسني لـ“العرب” أن الروائي صنع الله إبراهيم كان يهاجم النظام السياسي وقتها ويصفه بأنه قمعي، لكن النظام لم يتعرض له ولم يطلب أحد حذف اسمه من الفائزين بجوائز الدولة.

فورة الفن التشكيلي

بعض مقتنيات متحف فاروق حسني
بعض مقتنيات متحف فاروق حسني

إذا كان البعض لاحظ فورة في الاهتمام بالفن التشكيلي خلال السنوات الأخيرة، فإن ذلك إرهاص من إرهاصات تمرد المجتمع على الفكر الديني المنغلق الذي يُحرم الرسم ويكبت مشاعر الإنسان ويقمع أحاسيسه.

وأوضح فاروق حسني لـ“العرب” أن الفن التشكيلي الآن أكثر ازدهارا مما مضى، لأن هناك شبابا كثيرين مقبلين على هذا الفن، متذكرا أنه عندما تولى الوزارة لم يكن لدى المجتمع المصري أدنى اهتمام بالفنانين التشكيليين رغم وجود أسماء كبيرة بينهم، وعن ذلك يقول “لم يكن هُناك نشاط للفنون التشكيلية، وكان الفنانون الكبار يمارسون إبداعاتهم في عوالم مغلقة”. وتابع “بدأنا التجربة وفتحنا النوافذ وشجعنا المعارض واحتفينا بها، والناس ينتقون ويكونون انطباعات وتصورات ورؤى، ولديهم أسس للتقييم”.

وكان كثيرون لا يفهمون التجريد ويتصورون أنه فن عشوائي، وعدم توصلهم إلى فهم فكرة اللوحة يعني أنه فن معقد، فضلا عن أن هناك مُدّعين قدموا أنفسهم باعتبارهم تجريديين، وليس لديهم إبداع حقيقي، ما أثّر بشكل كبير في درجة تقبل المجتمع لهذا الفن.

وقال حسني لـ“العرب” إن البعض يتصور ضرورة أن يفهم وصفا أو فكرة أو حكاية، لكن الفن التجريدي يهتم بالمشاعر، ويعبر عن أحاسيس الفنان، ويتفاعل مع المتلقي، والتجريد وجدان وإن كان للمتلقي فكر مسبق فإنه سيصطدم بالفن والإبداع نفسه، إنه فن له مقومات، وكل لوحة لها قانون ومحددات للجمال والموهبة.

ورأى وزير الثقافة الأسبق أن التجريد كفن سيأخذ وقتا للذيوع والسيادة، لكنه سيسود حتما مثلما هو سائد الآن في أوروبا، وهو الذي اطلع بالفعل على تجارب مبهرة لفنانين من أجيال مختلفة وفي الكثير من الدول، ولفت إلى وجود فنانين لهم ذائقة وقدرات عالمية في دول شمال أفريقيا بشكل خاص، فضلا عن آخرين التقاهم وتعرف على أعمالهم في العراق وفلسطين ولبنان، وبعض دول الخليج.

الفنان التشكيلي المصري يرى أن المبدع مبشر يخترق الجمود ويقاومه ثم يصطدم مباشرة بالتخلف والرجعية

وأكد حسني أن ما أثار بهجته وجود موجة اهتمام غير مسبوقة من المجتمع الخليجي بالفنون التشكيلية، فهناك حرص شديد على شراء واقتناء اللوحات، ما خلق سوقا مشجعة للفنانين العرب.

وشارك فاروق حسني ببعض لوحاته في مزادات كريستي بدبي ثلاث مرات، ورغم بيْعِ لوحات عديدة له، فإنه أكد اعتزامه عدم المشاركة مرة أخرى، لأنه يقيم معارض خاصة، وفكرة المزادات تتناسب أكثر مع مقتنيات الناس لأعمال فنانين راحلين توقف إبداعهم، وأشار لـ“العرب” إلى أنه سيقيم متحفا خاصا يضم لوحات وأعمالا عظيمة له وللكثير من الفنانين العرب والأجانب الذين حرص على اقتناء بعض أعمالهم.

واستعرض حسني في لقائه مع “العرب” الكثير من مقتنياته الخاصة، شارحا جمالها، مفصلا خصائص كل مدرسة من مدارس فن الرسم والنحت، وكيف تؤثر تلك الأعمال في وجدان الإنسان وتحضه على الخير والرقي والجمال، وبدت لوحاته المبكرة ناطقة بتحولات وتطورات شخصيته الفنية، وجاءت اللوحة الأولى وصفا للمراكب في حي الأنفوشي بمدينة الإسكندرية والتي رسمها وعمره 16 عاما، كما بدت لوحاته التجريدية المبكرة خلال النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي مفعمة بالحماس والحيوية والديناميكية المتوافقة مع جيل الشباب، والرغبة في التطور، والثورة على القوالب القديمة.

ومن بين اللوحات بدت بعض المقتنيات الخاصة مبهرة، خاصة المنحوتات التي أبدعها مثالون عظام مثل محمود مختار وآدم حنين، وساهمت مقتنيات خزفية في استكمال عناصر البهجة والجمال في مرسم الفنان، المجاور لبيته.

ويقضي فاروق حسني جل وقته في مرسمه الخاص، في عمل دؤوب، ويجلس أمام ألوانه وأدواته مستمعا إلى موسيقى هادئة، ومحلقا بوجدانه ومشاعره مترجما مكنون روحه إبداعا يخاطب نفوس وأرواح وأفئدة أناس من أزمنة متتالية.

جيل الرواد العظام

التجريد وجدان أو لا يكون
لتجريد وجدان أو لا يكون

خلص فاروق حسني إلى أن الدول العربية تحتاج إلى تربية الأجيال الجديدة على احترام الفن وحريته، لأن ذلك يساهم في تحسن أحاسيس ومشاعر الناس بشكل عام، وهو تربى على احترام المبدعين الرواد الذين أسسوا إرهاصات الحداثة في الفنون والثقافة والفكر.

وكشف أنه استفاد كفنان من أدباء ومفكرين مهمين ساهموا في تشكيل وعيه وذائقته مثل نيتشه وهيغل وبرنارد شو وأوسكار وايلد، كما استفاد من كلاسيكيات عديدة طورت رؤاه الفنية.

وذكر لـ“العرب” أنه استمتع بتجارب وأفكار مفكرين كبار مثل طه حسين وعباس محمود العقاد وزكي نجيب محمود، موضحا أن الفكر والخيال جناحا نمو الإبداع وبناء المهارات الفنية والإبداعية المتنوعة. وكان محظوظا بمحاوراته مع الكثير من الأدباء والمفكرين المهمين، وفي ظنه أن هناك مبدعين عربا كثيرين يستحقون جائزة نوبل، غير أن ضعف حركة الترجمة من العربية أدى إلى تضاؤل فرص الكثير من المبدعين المهمين، وعن ذلك يقول “إن شاعرا مثل أدونيس يستحق عن جدارة نوبل، كما يستحقها أمين معلوف، وغيرهما من الأدباء والمبدعين العرب”.

وفاروق حسني فنان تشكيلي مصري، من مواليد الإسكندرية على البحر المتوسط، حصل على بكالوريوس الفنون من جامعتها، وشارك في بعثة فنية في باريس، وتولى إدارة أكاديمية الفنون بروما، ثم تم اختياره وزيرا للثقافة المصرية عام 1987.

وترشح حسني لمنصب مدير عام منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) سنة 2009، وخاض خمس جولات أمام 8 مرشحين آخرين، ليحصل على 27 صوتا مقابل 31 صوتا للبلغارية إيرينا بوكوفا، وبعد خروجه من وزارة الثقافة المصرية تفرغ تماما للفن وأقام عدة معارض فنية للوحاته في القاهرة والكثير من المدن الخليجية، وقد لاقت هذه المعارض اهتماما كبيرا من النقاد، وكان حريصا على الابتعاد عن السياسة وتجنب الخوض في دهاليزها الحالية.

17