فاروق شوشة عاشق العربية الجميلة يترجل

رحل قبل أيام الشاعر المصري فاروق شوشة الذي عرف عنه ارتباطه الحميم باللغة العربية وعمله المتواصل لأجل تعريف الأجيال العربية بإبداعات الشعر العربي عبر نشاط إذاعي وتلفزيوني لم يتوقف لعقود من الزمن.
الأحد 2016/10/16
كشاعر وذواق شعر سعى فاروق شوشة نحو تأسيس كلاسيكية جديدة

في قرية اسمها "الشعراء" بمحافظة دمياط المصرية، ولد فاروق شوشة، في التاسع من يناير في العام 1936، وقد كانت تلك القرية معروفة بشعراء الربابة، الذين كانوا يحكون السير الشعبية المليئة بالبطولات والانتصارات، على أنغام هذه الآلة الشعبية، والتي تربّت عليها أجيال من الطبقات الشعبية المصرية.

ووجد فاروق شوشة نفسه في بيت به مكتبة تحوي بعض دواوين الشعراء، وأهمها ديوان أحمد شوقي في طبعته الأولى التي تتميز بوجود مقدمة كتبها شوقي للشوقيات، فقرأ وعاش خياله الشعري الأول في تلك القرية بين الأشجار، ليحلم بأن يكون شاعرا.

بعد حصوله على الثانوية العامة التحق بكلية دار العلوم، الزاخرة أيامئذٍ بالشعراء والنقاد، ليكون أحد شعرائها المعروفين، المتميزين بسلامة اللغة وبالإلقاء المتميز، حتى تخرج في العام 1956، وحصل على دبلوم تربوي من جامعة عين شمس في العام 1957، تمهيدا للالتحاق ببعثة في أميركا للحصول على الدكتوراه في التربية، حيث كان ذلك حلمه ليعود أستاذًا جامعيا؛ وعمل مدرسًا للغة العربية بمدرسة النقراشي الثانوية النموذجية.

ولكن أحد أصدقائه في الدراسة التربوية كان يريد الالتحاق بالإذاعة المصرية، فذهب فاروق شوشة مع صديقه إلى الإذاعة، ووقع الاختيار على فاروق شوشة ليكون مذيعا بالإذاعة، وذهب صديقه إلى أميركا ليحصل على الدكتوراه في التربية، فتبادلا الحلمين والتحق فاروق شوشة بالإذاعة المصرية ليعمل فيها مقدما للبرامج، بدءًا من العام 1958.

كتب فاروق شوشة بعض القصائد والأغنيات باللهجة العامية، ولحنها الموسيقار رياض السنباطي وغناها مطربو ومطربات عصره في ستينات وسبعينات القرن العشرين

لكنه لم ينقطع تماما عن حلمه بأن يكون أستاذا جامعيا، فقد مارس مهنة التدريس بالجامعة، حيث كان أستاذًا لكورس الأدب العربي الكلاسيكي بالجامعة الأميركية بالقاهرة، وكان يقوم بتدريس مادة الإلقاء والتذوق الأدبي بكلية الإعلام بجامعة القاهرة.

كان الشعر التفعيلي قد بدأ مردوده يظهر في مصر منذ العام 1952، بتأثير المقدمة التي كانت الشاعرة نازك الملائكة قد كتبتها لديوانها “شظايا ورماد”، فانتصر الشعراء الشبان في مصر لهذه الطريقة الجديدة في الشعر العربي، بكتاباتهم وتنظيرهم لهذه الحركة الجديدة، والتحق فاروق شوشة بهذه الحركة منذ قصيدته التفعيلية الأولى “تاه في الزحام” التي كتبها في يناير العام 1956.

وكانت الندوات الشعرية في دار العلوم تكتظ بالشعراء الشبان من هذا الجيل الخمسيني، وكان أحمد عبدالمعطي حجازي وعبدالمنعم عواد يوسف من رواد هذه الندوات مع أنهما لم يكونا من أبناء هذه الكلية.

ثم توالت قصائده ودواوينه الشعرية التي كان قد بدأ إصدارها في ستينات القرن العشرين، بدءًا بديوانه الأول “إلى مسافرة” الذي صدر في العام 1966، وانتهاء بديوانه الحادي والعشرين “ينفجر الوقت” الذي صدر العام 2015.

ويصاحب هذا الإبداع الشعري مشروع نقدي كبير، بدأ بمجموعتين من المختارات الشعرية من الشعر العربي، كانت بعنوان “أحلى 20 قصيدة حبّ في الشعر العربي”، ثم الثانية “أحلى 20 قصيدة في الحبّ الإلهي”. لكنه كان يكتب بانتظام عن كثير من الدواوين الشعرية في جريدة “الأهرام” المصرية، أسبوعيا، ويجمع مقالاته في كتب لاحقا.

أول حوار مع نجيب محفوظ عبر أثير الإذاعة كان مع فاروق شوشة، لأن محفوظ كان مقاطعًا للإذاعة قبل ذلك الحوار

كما خصص بعض مقالاته للحديث عن أشخاص قابلهم وعرفهم، وجمعها في كتاب بعنوان “وجوه في الذاكرة”، بالإضافة إلى كتبه المعروفة الأخرى “لغتنا الجميلة”، “لغتنا الجميلة ومشكلات المعاصرة”، وسيرته الذاتية “عذابات العمر الجميل: سيرة شعرية”؛ التي كان قد كتبها على حلقات في مجلة “الشعر” القاهرية ثم جمعها في هذا الكتاب.

لقد كان فاروق شوشة يسعى لتأسيس كلاسيكية جديدة في الشعر، كما أخبر بذلك في كتابه “عذابات العمر الجميل”، وكان يسعى لهذا التأسيس إبداعيا ونقديا، وقد قام في تأسيسه هذا باستغلال كل خبرته باللغة وبالتراث القديم والمعاصر لتقديم قصيدة عربية، حتى لو كانت تستلهم التراث الغربي، فقام بالتجريب كثيرا، حيث قدم الشكلين العمودي والتفعيلي في قصيدة واحدة أحيانا، لكنه قدم الشكل التفعيلي بغزارة، وكتب ديوانا نثريا كاملاً.

وكانت غزارة إنتاجه الشعري نابعة من تنظيمه وإدارته للوقت الذي يحياه، رغم صعوبة استيعابنا لكيفية التوفيق بين كل أعماله والتزاماته وكتاباته.

ظل فاروق شوشة يُجري حوارات مع كبار المثقفين المصريين لإذاعة البرنامج الثاني (البرنامج الثقافي حاليا)، منذ التحق به في العام 1958، لدرجة أن أول حوار مع نجيب محفوظ عبر أثير الإذاعة كان مع فاروق شوشة، لأن محفوظ كان مقاطعًا للإذاعة قبل ذلك الحوار، مع أن الإذاعة المصرية نشأت مبكرًا في العام 1935، فجاء حواره في البرنامج الأرشيفي “مع الأدباء” الذي تحتفظ به الإذاعة المصرية منذ العام 1959 حتى الآن، وهو من أوائل حوارات فاروق شوشة الإذاعية.

ثم أعير للعمل بإذاعة الكويت رئيسًا لقسم المذيعين والقسم الأدبي لمدة عام، منذ العام 1963 وحتى العام 1964. وعاد ليعمل بالشبكة الرئيسية بالإذاعة المصرية، حتى صار رئيسا لهيئة الإذاعة المصرية في العام 1994 ووبقي في منصبه ذاك حتى العام 1997، حيث امتدت فترة رئاسته لما بعد سن التقاعد بعام.

فاروق شوشة شاعر بتاريخ إذاعي مديد

لغتنا الجميلة

حدثت نكسة العام 1967، وارتبك المواطن العربي الذي كان يلتف حول فكرة القومية العربية، وصار يلتقط الأخبار من جهات غير موثوق بها، ورأت الإذاعة المصرية أن تسهّل مهمة الاستماع للإذاعة المصرية، وليستمع خاصة إلى النشرة الجامعة في الحادية عشرة مساء كل يوم، ورأت أنه للتيسير على المواطن المصري والعربي عموما أن يفتح المذياع ليجد صوتا مميزًا يعرف به الإذاعة المصرية قبل بدء النشرة، ليحصل على الأخبار من مصدر مصري، فوقع الاختيار على فاروق شوشة ليقدم برنامجه اليومي “لغتنا الجميلة” بصوته المتميز ونبرته الهادئة والواثقة وتذوّقه الراقي لمفردات اللغة العربية وآدابها.

ففي مقدمة البرنامج تأتي موسيقى الرحبانية بصوت البزق الشهير، ثم يقول فاروق شوشة “لغتنا الجميلة”، فيأتي صوت عميد الأدب العربي طه حسين ليقول جملته الشهيرة “اللغة العربية يسر لا عسر”، ثم تُلقي الإذاعية الشهيرة صفية المهندس بيتا شهيرًا لشاعر النيل حافظ إبراهيم، من قصيدته “اللغة العربية تتحدث عن نفسها”، وبصوتها المألوف تقول:

أنا البحر في أحشائه الدر كامِنٌ

فهل ساءلوا الغواصَ عن صدفاتي

وهنا يقرأ فاروق شوشة بصوته العاشق لكل مفردة من مفردات العربية حلقة اليوم، فقد تكون عن شاعر عربي قديم أو حديث، فصار برنامجه محط أسماع كل عشاق اللغة العربية، بل كان هذا البرنامج مدرسة تعلّم فيها المستمعون كيفية التعامل الجمالي مع اللغة.

وكان هذا البرنامج هو جواز سفر فاروق شوشة أينما حلّ في أي ّبلد، وجواز المرور إلى قلوب الأشقاء العرب، فالجميع يرحّب بصاحب برنامج “لغتنا الجميلة”. واستمر هذا البرنامج اليومي حتى وفاته، مما يعني أن آلافًا مؤلفة من حلقات هذا البرنامج أعدها وسجلها فاروق شوشة.

وحصل هذا البرنامج على شهادة تقدير من مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وعلى الجائزة الأولى في مهرجان الإذاعة في العام 1979، وعلي الجائزة الأولي أيضًا في مهرجان الإذاعة والتلفزيون في العام 1998.

كما كلفه التلفزيون المصري بتقديم البرنامج الأسبوعي “أمسية ثقافية”، فكان يقدّم على شاشة القناة الثانية هذا البرنامج، مستضيفًا قامات الفكر والإبداع، محاورا ومناقشا ومؤسسًا لفن الحوار، حتى كان نموذجًا للإعلاميين في الأسئلة وفي الحفاظ على الهدوء والعمق والتوصيل للمتلقي.

كان برنامج "لغتنا الجميلة هو جواز سفر فاروق شوشة أينما حلّ في أي ّبلد، وجواز المرور إلى قلوب الأشقاء العرب، فالجميع يرحّب بصاحب البرنامج

بين البارزين

كان عشقه للغة العربية مصدر حبّ الجميع لهذا الشاعر العاشق، فكان يكتب مقالاً شهريا ثابتًا في مجلة “العربي” الكويتية واسعة الانتشار، فهو يمارس عشقه الأول أينما كتب وأينما تحدث، حتى اختاره مجمع اللغة العربية بالقاهرة عضوًا به، ثم اختاره أمينًا عامًّا للمجمع، ولاتحاد المجامع العربية.

وكان يحظى باحترام علماء المجمع وتقديرهم، لأنه كان حاضرًا دائما، وهو يرأس لجنتي الأدب والإعلام، أو هو في مجلس المجمع أو في مؤتمراته، فكان الجميع يرى حرصه وأمانته العلمية ونزاهته في التعامل خلال جلسات المجمع أو لجانه.

كانت هذه الشخصية المزدحمة بالأعمال والمناصب والإنجازات الأدبية والنقدية والعلمية حاضرة في كل ما يُسند إليها، بالإضافة إلى الندوات الشعرية التي كانت تخصص له أو التي يحضرها مع شعراء آخرين، بل إننا حين كنا ندعوه إلى ندوة من الندوات ونحضر في موعد الندوة نكتشف أنه موجود قبلنا جميعا، وحين تبدأ الندوة نجد كأن هناك كائنا ملائكيا يتحدث بطلاقة غير معهودة، في حين أن طاقاتنا جميعا كانت قد تبددت في العمل.

يضاف إلى ذلك أنه كان عضوا بلجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، فكان عضوا فعالاً لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ناقشها بطريقته التي تجذب إليه القلوب قبل الآذان. وقد حصل على جائزة الدولة التشجيعية في العام 1986، وعلى جائزة الشاعر اليوناني “كفافيس″ الدولية في العام 1994، وعلى جائزة محمد حسن فقي، التي تمنحها مؤسسة يماني؛ في العام 1995، وعلى جائزة الدولة التقديرية في الأدب في العام 1997، ثم على جائزة النيل في العام 2016، وهي أكبر جائزة مصرية تمنحها الدولة.

المغني

كتب فاروق شوشة بعض القصائد والأغنيات باللهجة العامية؛ ولحنها الموسيقار رياض السنباطي وغناها مطربو ومطربات عصره في ستينات وسبعينات القرن العشرين، بل صار متميزا في هذا المجال الغنائي وانتخبه أعضاء جمعية المؤلفين والملحنين في مصر رئيسًا للجمعية.

كما انتخبه أعضاء اتحاد الكتاب المصريين رئيسًا للاتحاد؛ لأنهم وجدوا فيه قامة أدبية رفيعة تمثلهم، ونموذجًا في الإدارة الثقافية والخدمية، بحيث أن صفاته تؤهله لخدمة الثقافة والمثقفين.

بل إنه كان يفكر في يوم من الأيام في إنشاء جماعة كان يحلو له أن يسمّيها “حزب أصدقاء النجاح”، لأنه كان يسعد دائما بأيّ خبر جميل لأيّ إنسان مثقف، كإصدار كتاب أو الحصول على جائزة كبرى أو اعتلاء منصب، بل كان يحرص على أن يكون أول المهنئين.

كاتب من مصر

14