فاروق مردم بك: العالم العربي يحتاج إلى يسار متوافق مع واقعه

الجمعة 2015/02/13
فوز سيريزا في الانتخابات مرده برنامج إصلاحي يستهدف "الممكن لا المأمول"

فاروق مردم بك، اسم يعرفه عامة مثقفي العالم العربي في فرنسا، مثقف ومترجم يختار الكتب الهامة للترجمة إلى الفرنسية من التراث ومن الإصدارات الجديدة، منحاز لليسار، ويتميز بموقف ماركسي رافض للسياسات النيوليبرالية لكونها أدخلت البشرية في أزمات اقتصادية واجتماعية طالت الطبقات المفقّرة في كافة أنحاء العالم قاطبة، ويعتبرها سببا رئيسيا في الثورات العربية، وهي من أوصل اليونان إلى انتصار ائتلاف اليسار فيه، وقد تتوالى هذه الانتصارات في الجنوب الأوروبي وفي شرق أوروبا وربما في بعض دول الغرب. “العرب” أجرت معه هذا الحوار للنقاش حول مجمل هذه القضايا.

سألنا فاروق مردم بك عن السياسات النيوليبرالية الشهيرة، والتي بوشر تطبيقها منذ منتصف السبعينات، فأجاب: دعني أميّز بين العولمة والنيوليبرالية. فالعولمة نزعة طبيعية لرأس المال في سياق إعادة الإنتاج الموسّع. أما النيوليبرالية، فهي مرحلة جديدة من تاريخ الرأسمالية، تبعت أزمتها في السبعينات، بعد تعثّر السعي إلى معالجة التضخم وعجز الموازنة في الحلول ‘الكينزية’، وعدّلت بصورة جذرية السياسات الاقتصادية التي انتهجتها أغلب الدول الرأسمالية بعد الحرب العالمية الثانية خلال ثلاثين عاما.

وبخصوص العولمة النيوليبرالية أوضح فاروق قائلا: لا شك في أن العولمة الرأسمالية لم تكتمل ولم ينتشر مفهومها، ولا مفهوم العولمة البديلة الذي نادت به أحزاب وشخصيات تنتمي إلى اليسار الجذري أو إلى حركات “الخضر”، إلا بعد تغوّل النيوليبرالية خارج حدود الدول التي تبنتها حين أُطلقت الحرية للاستثمارات الخارجية في الصناعة والمبادلات التجارية والخدمات والتأمينات والمعاملات المصرفية، وحين تأكدت هيمنة الشركات المتعددة الجنسية والمؤسسات المالية العملاقة على الاقتصاد العالمي برعاية صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية.

نجاح اليسار في اليونان أعاد للسياسة معناها من حيث هي صراع بين برامج انتخابية وليست مجابهة بين أحزاب

وقد بلغ الجشع بهذه الشركات والمؤسسات مبلغا جعلها تُطالب بعقد اتفاقيات دولية تمنح استثماراتها وأرباحها حماية كاملة في كل الظروف، بالإضافة إلى حق مقاضاة الدول التي تتناقض تشريعاتها مع مبدأ حرية التجارة والتثمير.


النيوليبرالية واليونان


ما حدث في اليونان أثار اهتماما عالميا، فانتصار اليسار لم يكن متوقّعا لغير المهتمين به، ولكنه كان متوقّعا لليساريين ولليبراليين أيضا. ويرى فاروق مردم بك، أن أزمة الديون اليونانية كثيرا ما تُعزى إلى خلل بُنيوي من أهم أسبابه، حجم القطاع الاقتصادي غير الرسمي الذي يُقدّر بأكثر من ثلث الإنتاج الداخلي الخام- وبالتالي عجز الدولة عن تحصيل الضرائب- والفساد الإداري والموازنة العسكرية المرتفعة.

غير أنه لا بد لفهمها من التشديد:

أولا على ما جرّته الأزمة المالية العالمية في العام 2007، وبالأخص المبالغ الباهظة التي استدانتها الدولة لدعم المصارف، مما ضخّم حجم الدين العام.


وثانيا

على المنافسة غير المتكافئة في “الغابة” الأوروبية النيوليبرالية بين الاقتصاد اليوناني واقتصاد البلدان الأُخرى، وخاصة ألمانيا، وما أدّت إليه من عجز فادح في الميزان التجاري ضاعف حجم الديون الخارجية العامة والخاصة.


وثالثا

على أن الأزمة تفاقمت في أواخر 2009 بسبب المضاربة الجنونية على الدين اليوناني، ثمّ على عقود تأمين العجز عن التسديد.

ورابعا

على أن الحكومات الأوروبية منذ أن قررت منح قرض لليونان بمبلغ 110 مليار يورو لمدة ثلاث سنوات بفائدة أدنى من فائدة السوق، مشترطة عليها اتباع سياسة تقشّفية صارمة، إنما كانت تقصد قبل كلّ شيء طمأنة الأسواق المالية على أساس المبدأ القائل بخصخصة الأرباح وتعميم الخسائر!

ما حدث في اليونان أثار اهتماما عالميا، فانتصار اليسار لم يكن متوقّعا لغير المهتمين به، ولكنه كان متوقّعا لليساريين ولليبراليين أيضا

يطول الحديث عن تاريخ سيريزا، أي تحالف اليسار الجذري، منذ تأسيسه في العام 2004 كجبهة تضم عدة أحزاب وتجمعات سياسية ثم تحوله إلى حزب في مايو 2012 برئاسة الكسيس تسيرباس.

ما يُهمّنا الآن، وفق مردم بك، هو أن سيريزا فاز بالانتخابات على أساس برنامج إصلاحي، يُمكن وصفه بأنه اشتراكي- ديمقراطي حقيقي، يستهدف “الممكن لا المأمول”، كما صرّح أحد قادته، وهو برنامج إنقاذ وليس برنامج قطيعة مع الرأسمالية. وهو يقوم على ثلاثة محاور:


- الأول

، شطب القسم الأكبر من الدين البالغ 177 بالمئة من الإنتاج الداخلي العام والاتفاق على مُهلة لتسديد الباقي من عوائد التنمية (هذا، مع التذكير بسابقة شطب الديون الألمانية سنة 1953، ومنها ديون باهظة مستحقة لليونان التي نُهبت نهبا أثناء الاحتلال النازي).


- الثاني

، حزمة من التدابير الاجتماعية لمصلحة العمال والعاطلين عن العمل والمتقاعدين الفقراء وجميع الذين همّشتهم سياسة التقشّف.


- الثالث

، إعادة بناء أجهزة الدولة الرثّة واعتماد مبدأي اللامركزية الإدارية والاستفتاء الشعبي.

ويفترض البرنامج أن بالإمكان تمويله من متأخرات الضرائب ومن صندوق التثبيت المالي ومن الصندوق الاجتماعي الأوروبي، ممّا يبدو صعب التحقيق، ولكنّي لا أظن أنّ قادة سيريزا من السذاجة أن يتصوروا بأنهم قادرون على جمع هذه الموارد دون معارك طاحنة مع المؤسسات الرسمية الأوروبية والدولية، ودون تعبئة شعبية واسعة.

بدأت المعركة في الحقيقة قبل أن تظهر نتيجة الانتخابات حين أكدت ميركل أن ألمانيا لن تُغيّر موقفها من الدين اليوناني، مهما كانت النتيجة، مظهرة عدم اكتراثها حتى بخروج اليونان من منطقة التعامل باليورو.

وقد لا يكون مبررها الأهم في هذا الموقف المتشنّج، على أهميّته، عشرات المليارات التي ستخسرها ألمانيا فيما إذا وافقت على مطالب حكومة سيريزا، وإنّما إيمانها العميق، مثلها مثل غيرها من القادة الألمان الليبراليين والاشتراكيين الديمقراطيين، بثالوث مقدس هو توازن الميزانية (تثبيت الأسعار) واستقلالية المصرف المركزي الأوروبي ورفض تمويل العجز نقدا.

وما أن فاز سيريزا حتى اتخذ المصرف المركزي الأوروبي في 5 فبراير قرارا بحرمان المصارف اليونانية من الاستدانة منه بالضمانات التي كان قد اتّفق عليها مع الحكومة السابقة، وهي أدنى من الضمانات المعمول بها، مما يُهدد اليونان بالاختناق المالي لانعدام السيولة.

ويُحذّر المصرف المركزي اليونان، بقراره هذا، من مغبّة رفض سياسة التقشّف المفروضة عليها تحت رقابة “الترويكا” (صندوق النقد الدولي واللجنة الأوروبية والمصرف المركزي الأوروبي)، ويسعى إلى حسم الأمر قبل انتهاء برنامج الدعم الأوروبي الثاني في 28 فبراير (ويتضمن المزيد من التقشّف مقابل تسديد باقي المعونة من قبل المصرف المركزي).

فاروق مردم بك: على اليسار العربي أن يقرأ الفوز اليوناني بعيدا عن التمجيد والنقل وبما يتوافق مع الواقع العربي

كيف ستردّ حكومة سيريزا على هذا التحذير؟ عمّا ستسفر مباحثات تسيرباس ووزير ماليته في العواصم الأوروبية؟ هل ستنسحب اليونان أو تُجبر على الانسحاب من منطقة عملة اليورو؟ وهل يُمكن ذلك دون انهيار الاقتصاد اليوناني إلى الحضيض؟ ما هي آثار انسحابها على اقتصاديات الدول الأخرى المتعاملة باليورو؟ هل أخطأ قادة سيريزا بتمسّكهم بالعملة الأوروبية عوضا عن إعداد خطّة عملية للعودة إلى التعامل بالعملة الوطنية، الدراخما، بأقلّ الخسائر؟ كلّ هذه الأسئلة تُبيّن ضيق هامش المناورة أمام سيريزا في قضايا مصيرية لا تخص اليونان وحدها.

هناك توقعات تؤشر لتقدم واسع لليسار في الأعوام القادمة، وسيطال الأمر جنوب وشرق أوروبا بصفة خاصة.

ويقيّم فاروق مردم بك أهمية هذا النجاح عالميا قائلا إن كسر نجاح سيريزا في الانتخابات اليونانية قاعدة تداول السلطة في أوروبا بين اليمين النيوليبرالي والاشتراكية الديمقراطية المدجّنة، وصارت تجربته مرجعا لقطّاع واسع من اليساريين الذين يئسوا من الأحزاب اليسارية القديمة بجناحيها الثوري والإصلاحي، وهذا ما نراه في أسبانيا «حركة بوديموس»، وما لم نره حتى الآن في فرنسا، حيث لم تنشأ حركة شعبية مستقلة مماثلة وحيث يتخبط الحزب الشيوعي وحزب “الخضر” بين تحالفهما الانتخابي مع الحزب الاشتراكي الحاكم ومعارضتهما لسياسته الاقتصادية النيوليبرالية.

وأعاد نجاح سيريزا أيضا للسياسة معناها من حيث هي صراع بين برامج اقتصادية واجتماعية مختلفة وليست مجابهة بين أحزاب لا فرق بينها في الخيارات المصيرية، وتمتثل كلها لما تُمليه عليها الأسواق المالية.

لذلك، مهما كانت تحفّظات بعض اليساريين المشروعة عن رغبة سيريزا في التفاوض مع أصحاب الحل والعقد في الاتحاد الأوروبي، وأولهم ألمانيا، عوضا عن اتخاذ موقف سلبي نهائي من اليورو ومن الوحدة الأوروبية، لا يُمكن إلا أن نتمنّى له ولليونان تحقيق برنامجه. ففشلُه، إن فشل، يعني المضي أبعد فأبعد نحو استعباد اليونان وتصفية المكتسبات الاجتماعية التي انتزعتها شعوب أوروبا بنضالها السياسي والنقابي الطويل واستئساد الرأسمالية المالية أكثر من ذي قبل في سائر أنحاء العالم.

ومن الخطأ تحميل سيريزا ما لا قُدرة له على تحمله، كأن نفترض أنه سيتمكن وحده من تغيير القواعد التي بُنيت عليها الوحدة الأوروبية، فالأمر مرهون بنهضة يسارية عامة، على الأقل في بلدان أوروبا الجنوبية.

عن اليسار العربي والتجربة اليونانية

تحكيم روسيا في ما يتعلق بالأزمة السورية يشبه تحكيم الولايات المتحدة في الصراع مع إسرائيل

ليس سوى الغافل عن العصر وربما القابع في قوقعة خاصة به يمكن ألا يرى هزال اليسار العربي، هذا ما قاله فاروق مردم بك في حديثه لـ”لعرب”، حيث أكد على ضرورة أن يقرأ اليسار العربي الفوز اليوناني بعيدا عن التمجيد والنقل، وبما يتوافق مع الواقع العربي المميّز. وأوضح قائلا، إنه لا جدوى من المكابرة، فحالة اليسار في العالم العربي كله لا تسر الخاطر، والعالم العربي كله بحاجة إليه أكثر من أي وقت مضى!

اليسار العربي يدفع ثمن التجارب “الاشتراكية” الفاشلة، ثمن تحالفات جزء منه مع الأنظمة المستبدة، وجزء آخر مع الشعبوية القومية أو الدينية، وثمن إصرار جزء ثالث وكبير، على اجترار الشعارات والإقامة الهانئة في قوقعته العقائدية والتنظيمية الضيّقة، ثمن انجرار جزء رابع وكبير أيضا، إلى ليبرالية باهتة يعتقد أنها “روح العصر”.

ولذلك يبدو لفاروق مردم بك أن تجربة سيريزا في اليونان وبوديموس في أسبانيا، رغم خصوصيتها في كلي البلدين، تستحق الدراسة المعمقة من قبل اليساريين العرب المنخرطين في معركة التغيير الديمقراطي السياسي والاجتماعي، لا لتقليدها (ليس في اليونان ولا في أسبانيا ما يُشبه من قريب أو بعيد بشار الأسد وداعش وحزب الله)، بل للاستفادة من بعض دروسها.

لقد استطاع سيريزا وبوديموس، من جهة أولى، تجاوز المسعى المعتاد و”الفاشل” إلى تحالف “على الورق” بين شراذم يسارية متناحرة ومعزولة عن حركة المجتمع. واستطاعا، من جهة ثانية، بممارستهما السياسية وليس بالتنظير الأيديولوجي، المساهمة مساهمة فريدة في نفض الغبار عن “المخيال” اليساري، وذلك في بلدين عانيا من العسف الفاشي. أليس هذا هو السرّ، أو أحد الأسرار، في قدرتهما على استقطاب قطّاع واسع من الجيل الشاب غير المسيس سابقا، والذي يتمتع بحساسية ديمقراطية وأخلاقية عالية ويُعاني من البطالة وانسداد الأفق ويتطلع إلى التغيير؟


الأزمة السورية

لا حل في سوريا ولا حياة لها إلا بتدخل دولي حاسم


الحديث عن الاستفادة من تجربة اليسار الأوروبي، يحيل إلى الحديث عن الأزمات العربية، وبالتحديد الوضع السوري الذي يزداد تعقيدا، حيث يرى فاروق مردم بك، أن المسألة السورية مستعصية لأسباب كثيرة أهمها أنها ليست سورية فحسب، ولا حاجة للخوض من جديد في التفاصيل الإيرانية السعودية الإسرائيلية الروسية الأميركية، إلخ.

ونعرف أيضا أن المبادرات والمداولات الإقليمية والدولية، بشأنها لن تثني الطغمة الحاكمة في دمشق عن الاستمرار في اتّباع سياسة الأرض المحروقة ولا داعش عن ارتكاب المزيد من الفظائع، لا أمراء الحرب الآخرين عن القتل والاقتتال.

أما الكلام على مفاوضات برعاية روسيا بين ما يوصف بالنظام وما يوصف بالمعارضة، فقد تبيّن بعد مهزلة موسكو الأخيرة، حتى لأكثر الواهمين في صفوف المعارضة إياها، أن بشار الأسد لا ينوي التفاوض مع أحد ما لم يُجبره على ذلك الولي الفقيه، ولن يفعل، وأن تحكيم روسيا في الموضوع يُشبه تحكيم الولايات المتحدة في الصراع مع إسرائيل!

ويخلص المفكرّ السوري فاروق مردم بك، حواره مع “العرب”، مؤكدا على أن لا حل في سوريا ولا حياة لها إلا بتنحية بشار الأسد وعصبته. ولن يُنحّيه، شئنا أو أبينا، إلا تدخل دولي حاسم، وهو ما يجدر بنا، بعد أن اختبرنا طوال أربع سنين مداخل السياسة الدولية ومخارجها، أن لا نتوقّعه على المدى القريب عل الأقل.

ولكنّ موعدنا المؤجّل لا يُعفينا من ثلاث مهمات: أولها الإغاثة بجميع أشكالها، إعالة وطبابة وتعليما وتأهيلا، والثانية التغطية الإعلامية، والثالثة التحضير على الصعيدين السياسي والثقافي لما بعد مرحلة بشار الأسد. هذا أجدى وأوفى لقضيتنا من النميمة والتنابذ حينا، ومن التندّر أحيانا أخرى بأخبار الائتلاف ومن انضمّ إليه ومن انشق عنه.

12