فاروق مردم بك مثقف دمشقي مخلص لمدنية لم نرها بعد

السبت 2014/08/16
فاروق مردم بك رجل سياسة متمسك بماركسيته

ينتمي فاروق مردم بك إلى عائلة خرج منها شعراء وسياسيون من المشاهير؛ وينتمي إلى فضاء سياسي وحياتي عام يؤبد المجتمع ضمن سياق محدد مسبقاً، أي كمجتمع تقليدي، حيث القرية منفصلة عن المدنية، وبضع عائلات تتناوب على الحكم، وتعيد تأبيد المجتمع ذاته. ولكنه كذلك ينتمي إلى جيل يراقب ويعايش التغيير الكبير في البلاد العربية والعالم؛ أي هو من جيل ممتلئٍ بالماضي الذي يصل إلى زمن النبوة؛ فمنذ ذلك الوقت لم يحدث أي تغيير حقيقي، وفي الوقت نفسه هو جيلٌ يعيش الحاضر ويساهم في صناعته.


العصر المختلف


فاروق مردم بك ينتمي إلى عصر مختلف نوعياً؛ حيث الحداثة وقيم الفرد والعقل، وبروز دور الإنسان، بغض النظر عن البرجوازية التقليدية والصغيرة. الأخيرة حكمت ليس بسبب الحجة البائسة أن الانقلابات قطعت التاريخ الطبيعي، بل لأن القديمة (التقليدية) لم تمتلك مشروعاً تقدمياً للتاريخ، فكان لا بد من الثورة عليها وكانت الشمولية كشكل للحكم ولإخفاء سيطرة الطبقة البرجوازية الصغيرة، وجاءت تلك الشمولية تحت شعارات الاشتراكية والقومية، وهمشت العلمانية ودور الفرد والحداثة المجتمعية، و”قتلت” أيّ ملمح للديمقراطية. ساعدها في ذلك تبنيها لقضية فلسطين وموقفها الرافض للاحتلال الصهيوني لفلسطين، وجلاء الاستعمارات المتعددة من البلاد العربية، وتقدم المشروع الاشتراكي بعد الحرب العالمية الثانية في العالم، وكل ما حدث لاحقاً من ثورات في أميركا اللاتينية وفيتنام.


الثقافة المدينية الفرنسية


يحدّد فاروق حدثين بارزين لعبا دوراً رئيسياً في تفكيره؛ العدوان الثلاثي على مصر ونكسة حزيران. هاتان الحادثتان جعلتاه يعي خطر ما يحدث، والضعفَ الشديد الذي يكتنف مجتمعاتنا وعلى كافة الصعد. فهو كان قد درس في المعهد الفرنسي في دمشق ككل أبناء العائلات الثرية والمدينية، وكان المعهد يدرّس المنهاج الفرنسي، ودور فرنسا العظمى في تمدين العالم، ولكنه كان يدرس تاريخاً وعلماً آخر، كان يمده به مدرسوه الماركسيون؛ هنا بدأ يتشكل وعيه الجديد والذي يقترب من الماركسية، وأصبح صديق الحزب الشيوعي حين ذاك، وإن لم ينتمِ إليه.

يقول فاروق مردم بك للعرب: “إن العدوان الثلاثي سنة 1956هو بداية وعيي السياسي، وكنت في الثانية عشرة من العمر. الحدثان البارزان اللذان حددا مساري بعد سفري إلى فرنسا سنة 1965 هما هزيمة حزيران 1967 ثم ثورة 1968 الطلابية العمالية في فرنسا”، وفي حواراته عن أثر العائلة عليه وعلى شخصيته، يرفض ذلك، ويقول إنه كان يهتم بخليل مردم بك وجميل مردم بك لكونهما شخصيات بارزة وحسب.

بالطبع فاروق مردم بك المثقف واليساري الدقيق لا يزال يتبنى قضية العروبة وفلسطين، ويرفض العولمة واللبرلة، كما تُسوَّق وكأنها إله منقذ لكل مشكلات المجتمع، بينما هي سبب الثورات في كافة الدولة العربية. الحقيقة أنّ تمسكَ فارق بيساريته، لا سيما وأن كثيراً من يساريي الأمس، الشيوعيين القدماء أو اليسار الجديد، قد طلّقوا اليسار وذهبوا نحو الليبرالية، أمر لافت للانتباه، عدا عن تراجع كثير من أبناء العائلات التي “تمركست” عن ذلك نحو عائليتها ومدينيتها؛ وهنا يلتقي تياران ظهرا في سوريا بشكل رئيسي مع بداية الألفين، وحاولا تحليل ما جرى في سوريا وكيف يمكن إعادة سوريا إلى ما كانت عليه، أي إلى ما قبل 1963، وهذان التياران برز منهما بالتحديد اليسار “التائب” أوالمتلبرل، وكذلك أبناء تلك العائلات. يضاف إلى ذلك أن مردم بك يعيش في فرنسا التي شهدت ثورة الطلاب وأثرت فيه، ويعيش الزمن الذي سخر لاحقاً من تلك الثورة، ولكنه ظل أميناً لذاكرته ولنفسه، ولم يتقبل فكرة أن الرأسمالية نهاية التاريخ، وأن تلك الثورة لعبت دوراً مركزياً في تغيير فرنسا والعالم الأوروبي بصفة خاصة.

في فرنسا وجد مردم بك نفسه غارقاً في عالم الكتب والثقافة، فترك علم السياسة وذهب نحو الثقافة والتاريخ، وبرز كمترجم ومثقف، يدافع عن الثقافة العربية وعن قضايا اليسار. دفاعه عن الثقافة العربية كان من خلال عمله في ترجمة التراث العربي والشعر والأدب


الماركسية النقدية


في قراءتنا لتمسك فاروق مردم بك بماركسيته، نرى أن السبب يعود إلى زاوية القانون ولاحقاً علم السياسة ومن زاوية العلم والثقافة اللذين تلقاهما عبر مدرسيه في خمسينات القرن المنصرم، وبالتالي ماركسيته ثقافية ونقدية بامتياز، ومن الصعوبة بمكان أن يتراجع عنها؛ فظل محافظاً على رؤيته تلك.

في فرنسا وجد نفسه غارقاً في عالم الكتب والثقافة، فترك علم السياسة وذهب نحو الثقافة والتاريخ، وبرز بعدها كمترجم ومثقف يساري، يدافع عن الثقافة العربية وعن قضايا اليسار. دفاعه عن الثقافة العربية كان من خلال عمله في ترجمة التراث العربي والشعر والأدب، والدفاع عن مشروعه في الأوساط الثقافية والسياسية والعلمية. وبإصرار بالغ، استطاع التأثير في تشكيل وعيٍ فرنسيٍ لقطاع مجتمعي معقول، بتراثنا الثقافي وجديدنا الأدبي، محدثاً تغييراً هاماً لديهم في الفهم الاستشراقي للفرنسيين عن العرب وأنهم طوائف وأقليات و”شعوب متخلفة” تحتاج تمدينا وتأهيلا.

في قضايا اليسار، قام مع زميله الياس صنبر، بترجمة مجلة الدراسات الفلسطينية إلى الفرنسية، التي بدأ إصدارها عام 1981، وتوقّفت سنة 2008. وكانت تصدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، وهي مؤسسة مستقلة أنشئت سنة 1963. المجلة المحكمة علمياً والتي أخذت إسرائيل أرشيفها حين احتلت جزءاً من لبنان عام 1982، قد لعبت دوراً مركزياً في توضيح قضية فلسطين والاحتلال الصهيوني والصهيونية. قام فاروق بالإشراف على ترجمة هذه المجلة الهامة إلى الفرنسية، وطبع منها آلاف النسخ. انتظامه في ذلك واستمراريته لعبا دوراً في تشكيل وعي فرنسي يساري بقضية فلسطين؛ عمل فاروق في دار سندباد عام 1995، بعد شرائها من قبل دار “أكت سود”، و أما معهد العالم العربي، فقد عمل فيه مستشاراً ثقافياً ومديراً للمكتبة لمدة 5 سنوات بين 1989 و2008.


الدور الثقافي


دوره الثقافي الكبير هذا لم يشفع له حين انتهت مدة صلاحية جواز سفره؛ فحُرم من تجديده، وبذلك لم يعد إلى سوريا ثانية. عدم تجديد الجواز كان “عقابا” على الاحتجاج على تدخل الجيش السوري في لبنان سنة 1976، ضد المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية.

إذاً رفض فاروق دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976، ووقع مع مثقفين آخرين بياناً بذلك، وهذا ما جعله خصماً للنظام، الذي يأنف من أية معارضة، ففي سوريا كان الكتاب بين سجين أو ملاحق أو مهجّر أو صامت عن السياسة. ذلك الدخول كان بإجماع الأنظمة العربية على دخول سوريا إلى لبنان وكان بموافقة أميركية كذلك.

فاروق مردم بك يُعرَّف في الثقافة بأنه ضمير الأمة؛ نعم من يترجم تراث الأمة ويبقى في هذا الحقل لعقود متتالية، ومن يرفض الاستبداد في بلده، ومن يرفض احتلال بلد عربي أخر، ومن ينصر ثورة الشعب منذ عام 2011، لا يمكن إلا أن يكون كما قلنا. وبخصوص موقفه من المجلس الوطني السوري؛ رأى أن هذا المجلس أسوأ تمثيل سياسي للثورة الشعبية، والذي لم يفهم أبداً معنى الثورة الشعبية، وقام بطلب التدخل العسكري والحماية والحظر الجوي، ولم يفكر للحظة هل هذه المسائل يمكن أن تحدث فعلاً؟ وكذلك هي مرفوضة أصلاً لكونها تتجاهل تطوير الثورة وضرورة توسّعها إلى كافة مناطق سوريا ومدنها الرئيسية كدمشق وحلب؛ عدا عن أن هذا المجلس انضوى تحته أسوأ جماعة سياسية في سوريا وهي الإخوان المسلمون، والذين لم يعترفوا بدورهم في طائفية الثمانينات وفي الحرب آنذاك.


المثقفون والإخوان


مؤخراً قام سمير النشار وكأنه يحاول الصحو من غلط يساري كارثي، بنشر نص يوضح فيه كل ما قامت به جماعة الإخوان من أدوار كارثية في السيطرة على المجلس، ودورها التخريبي في الثورة، ويوضح أنه وإعلانه كانا مغفلان تماماً، ولم يفهما خطورة هذه الجماعة. “مشكلتنا معها أنها لم تعترف بدورها في الثمانينات وكانت شريكة في الدماء، ولم تقل إنها تريد بناء دولة مدنية، وترفض تعارضها مع الشريعة، لتكون دولة مدنية على أسس الشريعة، أي دولة إسلامية تحت مسمى مدنية. ومن هناك الكلام الكثير لدى جماعة الإخوان عن عدم التعارض بين الشريعة والمواطنة والشريعة وحقوق الإنسان”.

فاروق مردم بك الراغب في انتصار الثورة، وربما بتأثير من المفكر برهان غليون اندفع للاهتمام بهذا المجلس، كما حصل مع كثير من الباحثين والكتاب في فرنسا، والذين عادوا أدراجهم لاحقاً إلى حقل الثقافة والسياسة ولكن بشكل مستقل، وطبعاً لم يتراجعوا عن موقفهم المناصر للشعب وكل حركة ثقافية وفكرية داعمة للثورة.

يوضح لنا فاروق مردم بك قائلاً: “رفضت المشاركة في المجلس الوطني ولم أشارك في أي اجتماع من اجتماعاته أو هيئة من هيئاته. وكتبت في الذكرى الأولى للثورة مقالة في مجلة أسبوعية فرنسية يسارية أشير فيها (دون طعن شخصي بأحد و دون تخوين أحد) إلى تقصيره وهشاشته. ولكني بالفعل كنت أعتقد أن الثورة بحاجة ماسة إلى من ينطق باسمها في الخارج وظننت لفترة قصيرة أن المجلس قد يصلح لهذه المهمة. أما موضوع التدخل الأجنبي فقد كان منذ البداية، القول بأن التناحر حوله في صفوف المعارضة في غير محله لسبب بسيط هو أن الدول الغربية لم تكن في هذا الوارد على الإطلاق، وقد انتهزت كل الفرص، لا للتدخل كما يقول النظام، و لكن للتملص حتى من التدخل غير المباشر عن طريق تسليح الجيش الحر”. وفي موضوع عسكرة الثورة، يقول فاروق مردم بك: “أعتقد أن العسكرة محتمة شئنا أو أبينا بسبب طبيعة النظام، والمشكلة أنها تمت بصورة عشوائية دون أي تصور استراتيجي ودون قيادة عمليات موحدة إلخ. أضيف أن الإخوان المسلمين برهنوا على أنهم لم يتعلموا شيئاً من تجاربهم لا في سوريا ولا في مصر مما جرّ الويلات عليهم.. وعلينا أيضاً”.

فاروق مردم بك المثقف واليساري الدقيق لا يزال يتبنى قضية العروبة وفلسطين، ويرفض العولمة واللبرلة، كما تسوَّق وكأنها إله منقذ لكل مشكلات المجتمع، التي هي سبب الثورات في كافة الدول العربية


دمشق التي غادرها


دمشق التي غادرها فاروق لم تعد هي هي، ففي حواراته التي يحكي فيها عنها، يحكي عن مدينة لم نرَها نحن، وهو لم يرَ المدينة التي نعيش فيها نحن كذلك، وربما لا يفكر بالعودة إليها؛ وقد يُفاجأ بأنها مدينة مختلفة إن عاد إليها ذات يوم. مثله مثل المثقف والفنان الشهير يوسف عبدلكي حين عاد إلى سوريا، لم يذهب إلى القامشلي؛ خشي أن تتصدع صورتها التي يحملها في ذاكرته منذ عقود. فتلك المدن يمكن ملاحظتها هنا وهناك في دمشق وفي بقية المدن السورية، هذا إن بقي منها شيء بسبب حرب النظام ضد الشعب وبسبب فوضى السلاح لاحقاً، والتي راحت تأكل الأخضر واليابس وتبيد الحجر والبشر وتدمر كل شيء، ويخشى كثيرون هنا أن يخسر السوريون المدينة القديمة والحديثة إن بقي النظام مصراً على خياره الأمني.


أدب الثورة


يدافع فاروق عن أدب الثورة وأدب المثقفين السوريين في عقود الشمولية ويعمل على ترجمته، ويبحث عنه جيداً؛ يعتبر فارق أن وزارة الثقافة واتحاد الكتاب التابعين للسلطة، كانتا خاضعتين لأجهزة الأمن، وكانتا مؤسستين مجردتين من كل معنى ثقافي وفكري. هذا الوضع ساهم في عودة المحافظة الاجتماعية والتدين. ويضيف أن محاصرة كتّاب كسعدالله ونوس وياسين الحافظ والياس مرقص وبوعلي ياسين وصادق جلال العظم وآخرين أغلق الوعي العام على التطييف والأسلمة ومنعه من الحداثة.

النظام برأيه مارس كل ذلك بدقة وبعمل ممنهج من خلال وزارة التربية، حيث فصل التعليم عن الوعي، وحوّله إلى مجرد نصوص حفظية، وباحتجاز دور وزارة الثقافة ضمن أطر محددة، هيمن الوعي الديني على ساحة العقل؛ ومن لم يطع ويدخل ضمن هذه اللعبة الكارثية كان مصيره إما السجن أو الهروب إلى خارج البلاد. ويؤكد فاروق هنا: “إن الاستبداد وما يسمى بالصحوة الإسلامية يستكمل كل منهما الآخر. ولا يخفى أن الطرفين عملا معاً على تجهيل الشعب عبر مناهج التعليم وأسلمة المجتمع إسلاماً متزمتاً”. ويضيف: “كانت الأحزاب التقليدية في سوريا بعد الاستقلال أكثر علمانية من نظام حافظ الأسد ووريثه”.

لن ننصف الرجل، وربما ننطقه ببعض الأفكار، وهناك الكثير مما يتطلب التأني. هذا النص مهمته الإضاءة على نافذة جديدة للثقافة وإنارة عقولنا وذاكرتنا نحو شخصيات أفنت الكثير من نفسها وهي تجتهد لتقدم للثقافة وللناس وللحياة الكثير والكثير.

13