فاسبندر رائد الموجة الألمانية الجديدة سبق عصره بعدة عقود

الاثنين 2014/05/19
فيلم "الخوف يأكل الروح" علاقة حب ووحدة

برلين – على الرغم من مرور أكثر من ثلاثين عاما على موجة السينما الألمانية الجديدة إلاّ أنها ما تزال حيّة حتى يومنا هذا. فأفلام معاصرة من قبيل “اركضي يا لولا اركضي” لتوم تايكور، و”وداعا لينين” لفولفانغ بيكير و”السقوط” لأوليفير هيرسبيغل تذكرِّنا بأفلام روّاد الموجة الألمانية الجديدة وعلى رأسهم رينر فيرنر فاسبندر.

فاسبندر بمعية كل من ألكساندر كلوغ، فولكر شولندروف، هيلما ساندرز برامز، مارغريتا فون تروتا، فارنر هيرزوغ وبقية المخرجين الألمان تميّزوا بنفَسهم الإبداعي، وطرحوا بشجاعة نادرة قضايا حسّاسة ومثيرة للجدل إلى درجة دفعت بالاعتقاد أنهم لم يتركوا شيئا للأجيال الإخراجية اللاحقة.

بعد أن طوت الحرب العالمية الثانية صفحتها الكئيبة والمروّعة، شعر المخرجون الألمان أنهم بحاجة لأن يلقوا حجرا كبيرا في بحيرة السينما تحديدا، كي يحرِّكوا المياه الساكنة ويُحدثوا فيها نوعا من التغيير الذي قد يجذب أكبر عدد من المتلقين من محبّي الفن السابع.

وبالفعل أصدر بعض هؤلاء السينمائيين الشباب آنذاك بيانا تمحور على جُملتين لا غير وهما: “أن السينما القديمة ميتة، ونحن نؤمن بالسينما الجديدة”، وكان على رأس هؤلاء الشباب ألكساندر كلوغ، إدغار ريتز، بيتر شاموني وباقة أخرى من الأسماء التي لمعت لاحقا في المشهد السينمائي الألماني. وعلى الرغم من أهمية الأسماء الإخراجية التي ورد ذكرها توا إلاّ أن رينر فيرنر فاسبندر له حضور مميز، ونكهة خاصة.

يُوصف فاسبندر غالبا بعشرة ألقاب تتقدم اسمه، فهو مخرج، وكاتب سيناريو، وممثل، ومصور، ومؤلف موسيقي، ومصمِّم، ومونتير، ومنتج، ومدير مسرح، و”الولد الشقيّ” الذي يحمل مفاجآته معه أينما حلّ أو ارتحل.

لا تكمن، بطبيعة الحال، جرأته في شقاوته أو في وضع الآخرين في مواقف محرجة، وإنما في جنونه المشابه تماما لجنون الفنان السريالي سلفادور دالي مع الأخذ بنظر الاعتبار أن الألمان كانوا يصفونه بـ”ضمير الأمة”، لكنهم كانوا “يتحاملون عليه في الوقت ذاته” لأن العديد من أفلامه كانت “تتقصى القيم الروحية، والعزلة الإنسانية للمواطنين الألمان الذين يعيشون في مجتمع يفتقر إلى التوازن الروحي”.

تكمن جرأة فاسبندر في سلوكه، وشخصيته، وعالمه الداخلي الذي ينطوي على غرابة واضحة، كما تتجسّد في رؤيته الفنية والإبداعية، ورفضه للمشهد الثقافي المتشبث بمنظومة القيم والقوالب الفنية القديمة التي لا تستجيب لروح العصر.

أنجز فاسبندر أربعين فيلما روائيا طويلا نذكر منها “الخوف يأكل الروح”، “زواج ماريان براون”، “برلين ميدان ألكساندر”، “مونيكا فوس”، “الحب أبرد من الموت”، “تاجر الفصول الأربعة” وغيرها من الأفلام المثيرة للجدل. فقد اختار فاسبندر في فيلم “الخوف يأكل الروح” موضوعا شائكا يتمحور حول ردة الفعل العنيفة للعائلة من جهة، وللمجتمع من جهة أخرى على امرأة وحيدة، بيضاء البشرة، وطاعنة في السن، لأنها تزوجت من شاب مغربي مهاجر، أسمر اللون. وعلى الرغم من أن الوحدة هي التي جمعتهما قبل كل شيء إلاّ أن المجتمع كان معاديا لهما ورافضا لهذه العلاقة العاطفية التي نشأت بين السيدة الألمانية والمهاجر المغربي.

لا يخرج فيلم “مارثا” عن موضوع سادية الرجل ومازوشية المرأة، وهي الزوجة التي تحملته على مضض على الرغم من الآثار القاسية التي تركها على جسدها، بعد أن نجح في الهيمنة على حياتها كليا، وصار يفرض عليها نوع الحِمية التي يجب أن تمارسها، والموسيقى التي تستمع إليها، وإلى كيفية العزلة التي يقترحها بنفسه حتى أفضى بها إلى الشلل النفسي الدائم.

كان فاسبندر مولعا بالدراما النفسية، لذلك أنجز فيلم “الخوف من الخوف” الذي يروي هو الآخر قصة ربة بيت من الطبقة المتوسطة التي تضطر إلى أن تسجن نفسها في بيت كئيب جدا مع زوج قلق، ومرتبك نفسيا الأمر الذي يدفعها إلى إدمان الفاليوم والإفراط في تناول المشروبات الروحية، لأنها بدأت تعاني من الحصر النفسي، وتخشى أن تنحدر صوب الجنون.

أما فيلم “كوريل” فيسرد قصة شخص وسيم، لكنه لص ومحتال وقد أُحبِط في علاقته المثلية مع أخيه. فهذا الكائن المنحرف يخون حتى الناس الذين يحبهم ولا يجد ضيرا في أن يقدّم لهم في المقابل الموت. لقد أثار هذا الفيلم جدلا طويلا، ليس بسبب حريته فقط، وإنما لتصويره المثلية الجنسية والجريمة في آن معا.

يعترف الجميع بأن فاسبندر كان حاضرا في الصحافة الألمانية بسبب تصريحاته الاستفزازية أيضا والقضايا المثيرة للجدل التي يعالجها في أفلامه. وعلى الرغم من المراجعات النقدية المتباينة التي كان يكتبها النقاد المحليون إلا أن الصحافة الأجنبية كانت تشير إليه بوصفه مخرجا كبيرا تدخّل في ذائـقة الناس وطرح عليهم ما لم يتوقعوه.

16