فاس المغربية تحتفي بقيم التسامح على أنغام الموسيقى العريقة

الثلاثاء 2014/06/17
«روح فاس» تنطلق مع شطحات الليالي الصوفية لتعانق الوافد من الثقافات الأخرى في طقس تسوده الألفة الروحية والتحابب

فاس (المغرب) - المغرب، بتربته الحاضنة للتعدّد والتنوّع الثقافيّ، ما فتئ يُساهم بكافّة السّبل في دعم التلاحم بين الشعوب على قاعدة السموّ بالقيم الإنسانيّة الكونيّة. قيم كونيّة مزّقتها نزوات العنصريّة والاقتتال الطائفيّ ذو الأبعاد السياسيّة هنا وهناك، إلاّ أنّها حافظت على كونها الخيط الرابط بين جميع الأمم التي شُكّلت في جوهرها على الانفتاح والإيمان بضرورة السير على هدي التسامح والتعايش. هو المغرب من ثمّة لم يترك هديا يُعلي من خلاله هذه القيم النبيلة إلاّ وسلكه، وها هي الموسيقى اليوم، تحلّ في دياره، لتُمثّلُ هديا آخر ينبذُ من خلاله العنف ويحضّ على التآخي بين الجنسيّات والأعراق.

في هذا السياق، وإعلاء لهذه القيم الإنسانيّة الكونيّة واحتفاء بالتقارب والتعايش بين الشعوب والأمم من بوابة الفن والموسيقى، تحتضن مدينة فاس المغربيّة مهرجان الموسيقى العالميّة العريقة في دورته العشرين، والذي ستدوم فعالياته التي انطلقت يوم الجمعة الفارط إلى غاية الحادي والعشرين من هذا الشهر.

وستعيش الحاضرة العلمية للمملكة، وكما دأبت على ذلك منذ 20 سنة مضت على انطلاق هذا الحدث الثقافي والفني العالمي، على إيقاع الاحتفاء بالمقدس والمشترك بين الشعوب، وبقيم التسامح والإخاء ونبذ العنف، عبر سهرات فنية وأمسيات موسيقية يقدمها فنانون كبار من مختلف البلدان والجنسيات والأعراق يغنُّون للسلام، بغاية جعل القيم الروحية في خدمة الإنسان، بغض النظر عن الجنس واللون والمعتقد.

وستجوب دورة هذه السنة التي تنظم تحت شعار “منطق الطير .. عندما تسافر الثقافات ” مختلف الفضاءات الموسيقية والإيقاعية التي أبدعتها ثقافات العالم منذ فجر التاريخ، من خلال سهرات فنية ستحييها مجموعة من الرموز والموسيقيين الرواد، وذلك بالفضاءات التاريخية بالمدينة العتيقة كباب المكينة ودار عديل ودار المقري ودار التازي وغيرها من الساحات والفضاءات التي دأبت على احتضان هذه الحفلات.

من جهتهم، قال المنظمون إنّ الدورة الّتي تستلهم “منطق الطير” للشاعر الفارسي المتصوف فريد الدين عطار تتضمن بالإضافة إلى الموسيقى والفن ممثلا في نخبة من نجومه العالميين لقاءات فكرية وثقافية تصب كلها في “روح فاس”، التي تدعو إلى التسامح وحوار الحضارات.

لقاء موسيقي متعدد الثقافات يتميز بتركيب فريد يمزج بين الفنون من أجل خلق فضاء أرقى لحوار الحضارات

وكان عطار -الّذي عاش قبل تسعة قرون- قد ألّف منظومة “منطق الطير” في 4500 بيت، موضوعها بحث الطيور عن الطائر الوهمي “سيمرغ”. وفي هذا السياق، قال فوزي الصقلي، مدير المهرجان، “إنّها مغامرة لروح البشرية والسعي من أجل المعنى بلغات متعددة تضاء أحيانا ببعض النفحات النورانية الكونية”، قبل أن يتساءل: “هل يمكن لهذا الجمع أن يلتقي بنفس الأفق؟… هذا النداء هو جوهر مهرجان فاس”.

وسيكون العرض الافتتاحي للمهرجان عبارة عن حفل فني يتخذ من شعار هذه الدورة “منطق الطير .. عندما تسافر الثقافات” موضوعا له، وهو عبارة عن لقاء موسيقي متعدد الثقافات سيتميز بتركيب فريد يمزج بين الأغاني والرقصات التراثية واللوحات المسرحية وفن السينما والكوريغرافيا والشعر وذلك من أجل تمثيل رحلة ثقافية ارتادها سبعة طيور سالكين الطريق الصعب للبحث الباطني على أمل لقاء ملكهم الطائر العجيب المسمى “السيمرغ”.

من جهة أخرى، ستحتفي دورة هذه السنة بالقارة الأفريقية في شخص الزعيم الأفريقي الراحل نيسلون مانديلا، أيقونة النضال ضد الميز العنصري، الذي سيخصص له المهرجان تكريما خاصا كرمز للنضال ضدّ الميز والتفرقة وكل ما يخدش إنسانية الإنسان.

سيخصص المهرجان تكريما خاصا لمانديلا كرمز للنضال ضدّ الميز والتفرقة وكل ما يخدش إنسانية الإنسان

هذا الاحتفاء سيبرز من خلال مجموعة من العروض الفنية والسهرات الموسيقية، من بينها العرض الفني الّذي تمتّع فيه عشاق الموسيقى العريقة، الأحد، بسهرة جمعت بين فنانين عملاقين هما يوسو ندور وجوني كليغ بفضاء (باب المكينة) التاريخي .

وإلى جانب السهرات الموسيقية سيتم تكريم روح الزعيم مانديلا من خلال مجموعة من اللقاءات والندوات التي ستقام في إطار منتدى فاس(روح للعولمة)، والتي ستتمحور حول شخصيته باعتباره أيقونة للنضال استطاع بصبره وحنكته أن يقود شعب جنوب أفريقيا إلى القضاء على سياسة الميز العنصري.

كما تقترح هذه الدورة التي تحتفي بعشرين سنة من المسار الاستثنائي لهذه التظاهرة الثقافية والفنية العالمية التي تكرس قيم التسامح والحوار والتبادل الثقافي، تنظيم “ليالٍ صوفية ” وسهرة أندلسية كبرى إلى جانب العديد من الأنشطة الفنية والثقافية الأخرى التي ستحتضنها عدة فضاءات بالمدينة.

كما يتضمن برنامج المهرجان أيضا ” ليالي المدينة “، التي تتيح سفرا حقيقيا عبر الموسيقى إلى قلب منازل ورياض فاس العتيقة فضلا عن معارض للرسم لفنانين مغاربة ومن العالم.

وموازاة مع الحفلات الموسيقية اليومية تقترح دورة هذه السنة أنشطة يومية وتظاهرات بيداغوجية وفنية لفائدة الأطفال والشباب تتضمن معارض فنية وعروضا موسيقية وأشكال فرجوية متنوعة.

ومن جهته سيتيح “منتدى فاس” الذي يعقد هذه السنة تحت شعار “ثقافات وهويات في تحول” للباحثين والمفكرين والأكاديميين وصناع القرار الذين دأبوا على الالتقاء في هذا الموعد السنوي التفكير في عدد من القضايا ذات الطابع الراهن. كما تجدُرُ الإشارة إلى أنّ مؤسسة “روح فاس”، التي تشرف على هذه التظاهرة، عملت على أن يعكس البرنامج الّذي تم إعداده شعار هذه الدورة الذي يكرس القاعدة التي يرتكز عليها مهرجان فاس للموسيقى العريقة، باعتباره يساهم في التقريب بين الشعوب والثقافات وجعل الفنون والقيم الروحية في خدمة التنمية البشرية والمجتمعية إعلاء لقيم التسامح والتحابب.

13