فاضل السباعي آخر رواد القصة العرب يرحل في دمشق

معاصرة السباعي لكافة الحقب التي يمكن لأكبر الأحياء من الشهود العرب تذكّرها حاليا، من عهود الاستعمار الفرنسي وحتى دولة الاستقلال والانهيارات والحروب والتفكك وصولا إلى زمن الثورات ومآلاتها، لم تمنعه من أن ينقاد نحو الحلم بالتغيير.
الخميس 2020/12/03
كاتب ولد في بيت أثريّ وعاش يحلم بالمستقبل

على مدى سنوات، لم تكن تخلو أي رسالة متبادلة بين الكاتب الرائد فاضل السباعي وبيني، من ذكر لؤي كيالي. لا لأن كيالي كان رمزا للتجديد في الحركة التشكيلية السورية والعربية فحسب، وليس لأن السباعي كان يعرف أنني اخترت لوحة من لوحاته غلافا لأول كتاب صدر لي قبل ثلاثة عقود ويتحسّس شغفي بأعماله وسيرته. بل لأن السباعي وكيالي كانا صديقين وقريبين، عاشا تجربة واحدة وانتقلا من فضاء ثقافي كان ينمو في حلب، إلى فضاء ثقافي آخر شكّلته دمشق المركز.

بقي السباعي، طيلة حياته، وحتى رحيله الأسبوع الماضي في دمشق ذاتها التي عاد إليها من أميركا بعد العام 2011، ينظر إلى نفسه كمثقف متحلّل من كافة العقد التي أصابت وضربت أعراضها جسد الثقافة العربية، لاسيما الأبعاد المناطقية منها، والطائفية والعرقية. لم يكن هذا همّ السباعي. التاريخ وحده هو ما كان يشغله، الماضي ورجاله وتفاصيله. كيف لا وهو من أعاد كتابة تاريخ كثّر نعرفهم اليوم، وفق الطريقة التي قدمهم بها السباعي ذات يوم. ومن بينهم طارق بن زياد وموسى بن نصير وعمرو بن العاص وغيرهم.

ألم على نار هادئة

"ثم أزهر الحزن" رواية السباعي التي تعكس حنينه إلى الحلم العربي والأسرة، تم تحويلها إلى مسلسل تلفزيوني قدّمه المخرج علاء الدين كوكش تحت اسم “البيوت أسرار” في 24 حلقة.
"ثم أزهر الحزن" رواية السباعي التي تعكس حنينه إلى الحلم العربي والأسرة، تم تحويلها إلى مسلسل تلفزيوني قدّمه المخرج علاء الدين كوكش تحت اسم “البيوت أسرار” في 24 حلقة

يروي السباعي أنه رأى النور عام 1929 في بيت من بيوت والي حلب الأموي، أيام عمر بن عبدالعزيز في زقاق الزهراوي بحلب القديمة. ودرس في حلب ثم في مصر وتخرّج مطلع الخمسينات في كلية الحقوق في جامعة القاهرة، ليصبح محاميا في محاكم حلب.

كانت بداية السباعي من الشعر. ومنه انتقل إلى الرواية والقصة القصيرة. ورغم أنه كان غزير الإنتاج متعدّد المواهب، وسبق له أن أسهم في كل مفاصل الحراك الثقافي السوري، مرورا بتأسيس اتحاد الكتاب العرب في دمشق في العام 1969، إلا أن السباعي بقي يشعر بإصرار الطبقة المتحكمة في الوسط الثقافي على تهميشه.

جلب معه إلى دمشق في الخمسينات قصصا كتبها في حلب، وأصدرها في كتاب اختار له عنوان “الشوق واللقاء”. ثم تدفقت أعماله، وكان من أكثرها شهرة “ثم أزهر الحزن” و”ثريا” و”رياح كانون” و”الطبل”.

بقيت أعمال السباعي في تصاعد فني لافت، وفي تنوع في الاهتمامات والرؤى، من السير الذاتية إلى أدب الرحلة، لكنّ منعطفا حادا جعله يتوقف ويغيّر مساره. كان ذلك حين انتفضت فئات اجتماعية ونقابات سورية في وجه الاستبداد، بداية الثمانينات. حينها ظن السباعي أن مكانته الأدبية ستعفيه من أن يعامل مثله مثل أي سوري آخر، فاتخذ موقفا قاده إلى السجن والاعتقال.

يروي السباعي مستحضرا أن جامعة حلب دعته إلى لقاء جمعه مع طلاب قسم اللغة العربية، تحدث خلال ساعتين عن تجربتيه القصصية والروائية، قال “سردت في نهايته قصة ألهبت أكف الطلاب حماسة بقدر ما أثارت عليّ من غضب السلطة، التي بادرت باعتقالي لحظة خروجي من الجامعة، ولم يُطلق سراحي إلا بمساعٍ من أصدقائي، بعد أن قضيت أيام عيد الميلاد عام 1980، في زنزانة رطبة في معتقل بالعاصمة دمشق، وصنفوني في عداد الخارجين عن القانون”. ومما وصفه السباعي عن تلك التجربة قوله “اقتادوني يومها إلى زنزانة منفردة في معتقل (باب مصلّى) في دمشق، نمتُ على البلاط ونحن في عزّ الشتاء، بطانيّة تحتي وملتحفًا بأخرى، وكانتا في غاية القذارة، بعد الإفراج عنّي قلت، في إحدى الإذاعات الناطقة بالعربية: كأنهم يريدون لسجين الرأي أن يموت من القهر والبرد والجراثيم. وقد خرجت من الاعتقال أحمل في صدري فكرة قصة، كتبتها، وحفظتها في أوراقي، إلى أن آن لي، بعد 12 عاما، أن أنشرها في كتاب”.

بعد تلك الحادثة استقال السباعي من كل عمل ربطه بالدولة والنظام ومؤسسات الثقافة السورية، وهو الذي كان اتحاد الكتاب يرفض نشر أعماله. حتى اضطر إلى تأسيس دار خاصة به للنشر سمّاها “إشبيلية” في تلك الأيام. وقد صدر عنها العديد من أعماله.

وبصورة تشبه أهل حلب، المتمسكين رغم توقهم للحداثة، بربط وثيق مع الأصالة والتراث. اشتغل السباعي على بناء ذلك الجسر بين الثقافة المعاصرة والماضي العربي، ولم يكتف بالتاريخ البعيد، حيث “أبطال العرب”. بل عمل على سلسلة “نوابغ العرب” قدم من خلالها عبدالرحمن الكواكبي، سليمان الباروني، عبدالحميد بن باديس، وإبراهيم هنانو وآخرين.

اللغة وأناقة الأبيض والأسود

بداياته تعود إلى الشعر الذي غادره سريعاً إلى السرد. ومع أنه أسهم في تأسيس اتحاد الكتاب العرب، إلا أن السباعي بقي يشعر بإصرار الطبقة المتحكمة في الوسط الثقافي على تهميشه
بداياته تعود إلى الشعر الذي غادره سريعاً إلى السرد. ومع أنه أسهم في تأسيس اتحاد الكتاب العرب، إلا أن السباعي بقي يشعر بإصرار الطبقة المتحكمة في الوسط الثقافي على تهميشه

لا مبالغة في القول إن اللغة التي سادت حتى وقت قريب، لدى كتاب الآداب بعموم تصنيفاتها، كانت تحافظ على قدر من الأناقة والانضباط، لم يعد موجودا اليوم. بل إن غالبية من يكتبون اليوم يعتمدون على المصحح اللغوي في سبك أعمالهم قبل دفعها إلى المطبعة. السباعي كان من ذلك الزمن. ولغته حملت الطابع ذاته الذي صبغ زمنا مهيبا عاشه بانغماس.

كتب عنه الناقد السوري عمر الدقاق، يصف علاقته باللغة، زاعما أنها “تتجاوز حد السلامة إلى الأناقة”. حتى أن الكثيرين اعتبروا اهتمام السباعي بلغة السرد عنده اهتماما أقرب إلى نحت اللغة عند الشعراء القدامى من أصحاب الحوليات والمعلقات، لما فيها من تجويد وصنعة دون تكلّف.

لكن من الذين كانوا يتحدثون تلك اللغة في أعمال السباعي، هنا المفارقة. كان أبطاله من عامة الناس، تعرّف إليهم من خلال عمله في سلك المحاماة. أولئك المتخاصمون أمام المحاكم أو أبناء الشارع والحياة، أو من طبقة المثقفين بتنوعاتها.

في “ثم أزهر الحزن” بدت الوحدة بين مصر وسوريا، همّ السباعي، وحنينه. وقد تم تحويلها إلى مسلسل إذاعي ثم تلفزيوني قدّمه المخرج علاء الدين كوكش تحت اسم “البيوت أسرار” في 24 حلقة. ويقول النقاد إن شهرة الرواية تعود لكونها صدرت في زمن المد القومي، ما تسبب بانتشارها أكثر من أعمال السباعي الهامة الباقية.

حظي ابن حلب بفرصة ترجمة أعماله، دون أن يسعى إلى ذلك مثلما يفعل غيره، فقد نقلت قصصه إلى العشرات من اللغات العالمية ومن بينها الفرنسية والإنجليزية والألمانية والروسية والفارسية والتركية وغيرها. وصدر كتابه “بدر الزمان” بالإسبانية في برشلونة عام 1999، وكتابه “حزن حتى الموت” مترجما إلى الفرنسية بباريس عام 2002.

وصفة السباعي

أعمال السباعي تنتشر في الثقافات العالمية، دون أن يسعى هو إلى ذلك، وقد نقلت قصصه إلى العشرات من اللغات ومن بينها الفرنسية والإنجليزية والألمانية والروسية والفارسية والتركية
أعمال السباعي تنتشر في الثقافات العالمية، دون أن يسعى هو إلى ذلك، وقد نقلت قصصه إلى العشرات من اللغات ومن بينها الفرنسية والإنجليزية والألمانية والروسية والفارسية والتركية

عاصر السباعي كافة الحقب التي يمكن لأكبر الأحياء من الشهود العرب تذكّرها حاليا، من عهود الاستعمار الفرنسي وحتى دولة الاستقلال والحلم العربي والحروب والانهيارات والتفكك وصولا إلى زمن الثورات ومآلاتها. وكان من غير المتوقع من شخص أثقلته السنوات مثله، أن ينقاد نحو التغيير، بقدر ما يتشبّث بالثبات على ما كان من استقرار.

لم يفعل كما فعل غيره، بل قدّم وصفة مختلفة، بعودته إلى دمشق وتمسّكه بمطلب التغيير والإصلاح. واستمراره في الكتابة عن هويّة العرب وأهل الشرق عموما ودفاعه عن قيمهم الجمالية والأخلاقية.

في العام 2013 كتب السباعي “أعترف بأنه لم يكن للفنان المبدع لؤي كيالي في السياسة بصرٌ نافذ. ولقد كان، في تردّده على المنتديات الليلية، يلتقي أولئك الضباطَ الشباب، الذين اعتقدوا في أيامهم الذهبية أنّ القدر قد بعثهم ليُنقذوا الأمة، فقَلَبوا، قبل أن يطيح بهم (انقلابٌ) تلا أو (تصحيحٌ) كما سمّوه تخفيفا، فكان منهم مَن تشرّد، ومنهم مَن اعتُقل، ومنهم مَن صُفّي جسديّا. بعض هؤلاء أحبّوا لؤي المبدع، لأنهم رأوا في لوحاته نزولا إلى القاع. لم يكن لؤي بعثيّا، بل إنّ الحزب، قالوا، رفض طلب انتسابه بحجة أنه (ذو منبت برجوازي)! ولعلّي لا أبعد عن الحقيقة إذا زعمت أنهم استطاعوا أن يؤثّروا في قلبه الطفولي وإبداعه الباذخ ومكانته العالية، فكسَروه، واقعًا فريسةً لذلك المرض الذي يصيب (النفس) فيَصدَعها كما تفعل الصدمة في آنية الكريستال. أعني الفُصام. وكنت قد التحقت بوظيفتي الرسمية بدمشق، منتقلا من مدينتي حلب، التي هي مدينة لؤي، في شهر فبراير 1966، ونزلت في بيته، بيت نسيبي عمّي حسين إسحاق الكيالي، أبو لؤي”.

ومرّت السنوات على ذلك السرد الروائي الحميم، غير أن مصير أحلام السباعي لم يختلف كثيرا عن مصير قرينه لؤي كيالي، الذي احترق في مرسمه مع لوحاته. وبقي في عالم الخلود واحدا من أيقونات الفن والمعرفة محصّنا من اهتراءات الأزمنة.

حوار بجوار بحرة دمشقية

قصة قصيرة مما خصّ به السباعي صحيفة "العرب"

لم يكن قد آن للسكاكين أن تعمل، يوم جرى هذا اللقاء بيني وبين الشابة “رجاء”، وقد رجوت أن تساعدني في “فهرسة” مكتبتي التي اختلطت فيها الكتب حتى لم أعد أعرف الكتاب الذي أطلب أين يقيم! بجوار البِركة (البحرة) الدمشقية، كان لا بدّ من أن يمتدّ الحديث، ونحن في “الانتفاضة” لم يمض على بدايتها إلا أشهر قليلة، فعبّرت ضيفتي، وهي مسيحية، عن مخاوف من أن تمتدّ إليها، إليهم، يد الغدر والإجرام، “وعندئذ – قالت – نغادر الوطن، ولكن إلى أين!”.

تصاعد فني لافت لأعمال السباعي
تصاعد فني لافت لأعمال السباعي

لم تكن رجاء من أنصار النظام، ولكنها تأثّرت بطروحاته كما تأثر بعض الطيّبين من الناس. كانت تمارس عملها شريكةً في مكتب سياحي، ومع بدء الانتفاضة توقّفت “السياحة” وأغلق المكتب، فذهبت تعمل في مكتب المحامي “سالم”، صديقي من أيام الدراسة في “ثانوية المأمون بحلب”، “سكرتيرة” ناجحة تُجيد اللغات والعمل على أجهزة الإنترنت المختلفة، ولكن شغله، هو الآخر، بدأ يخفّ، فكان أن صَحِبها إليّ في أصيل يوم أملاً في أن أستفيد من خبرتها، وما كان يعرف ما يتملّك قلبها من خوف السكاكين!

سألتها: هل وقع، في التاريخ الحديث، أن قام المسلمون بذبح الأقليات، يا رجاء؟ إنّ أبشع ما كان هو الذي وقع في العام 1840 وما قبله في جبل لبنان، قام به فريق لا يَعتدّ كثيرا بانتمائه إلى الإسلام والمسلمين.

ثمّ قلّبي صفحات التاريخ القريب، كيف أنّ حلب، مدينتي، اللؤلؤة في تاج الإمبراطورية العثمانية، كانت موئلا للجاليات الأوروبية، تقيم وتتعاطى التجارة والأعمال القنصلية، فلما انقضى الزمن العثماني ظلوا في حلب، وأسماء أسرهم ما تزال تُنبئ عن أصولهم الأوروبية. وهل أذكّرك بعام 1915، كيف استقبل أهالي حلب – وكان تعدادهم نحو مئة ألف – قوافل اللاجئين الأرمن، مئة ألف منهم استوعبتهم المدينة، وظلّ التدفّق من ناحية والمغادرة من ناحية أخرى، إلى أن بقي ما أعرفه، وأنا فتى في أربعينات القرن الماضي، ما يشكّل خُمس السكان، ساهموا في بناء المجتمع بخبراتهم ومهاراتهم في الصناعات ومهنهم العلمية التي جاؤوا بها، ولم يُعرف، لا في أيام الانتداب الفرنسي ولا في ظلّ الاستقلال، أنّ السكاكين أشهِرت!

وسوف أظلّ أذكر ما قرأت في كتاب ألّفه أكاديمي يوناني اسمه “بابادوبولوس” والعنوان “تاريخ كنيسة أنطاكية”، من أنّ حياة المسيحيين في ظلّ الدولة الإسلامية على امتداد عصورها، لم يَشُبها ما كان يقع للأقليات في أوروبا في القرون الوسطى! قلت هذا وقلت أشياء كثيرة، ونحن – سالم ورجاء – جلوسٌ، في حديقة بيتي في “شارع نوري باشا”، تحت عريشة الياسمين، بجوار بِركة، لم تكفّ عن غناء ترسله نافورتُها، من تساقط حبّات الماء، فكأنها الدُّرّ، قبل أن تنداح في سطح البركة…

قدّمتُ إلى رجاء بعض مؤلفاتي. كتابٌ طبيّ على شكل مجلد، استرعى انتباهها، تخلّيت لها عنه – كسبًا لودّها – وقد لاحظت أنّ حياءها منعها من طلبه. انتظرت في اليوم التالي حضورها. في الموعد رنّ الهاتف، صوت رجل يُبلغني: “رجاء تعتذر اليوم عن الحضور!”… واستمر الغياب.

وأما السكاكين، فقد أُشرِعت فعلا. ولكنها جاءتنا من الغرب، من طائفيّين يذبحون أطفالنا وهم يتشفَّون!. ومن الشرق جاءت أيضا، من غرباء آخرين، يُقطّعون الأعناق والأيدي. وظلّت الكتب في بيتي دون فهرسة، تنتظر أن أعود من اغتراب طرأ عليّ، وأن ألتقي بـ”رجاء” أخرى لا تخاف السكاكين.

تنوع في الاهتمامات والرؤى
تنوع في الاهتمامات والرؤى

 

12