فاضل العزاوي أيقونة شعرية في عراق محتمل

السبت 2014/05/10
العزاوي هو المسافر مجهول الإقامة ومتعدد الهويات مثل العراق تماما

هل كان فاضل العزاوي شاعرا أفضل منه روائيا أم العكس هو الصحيح؟ سيرته الشخصية تمتد بين فضاءين، كلاهما كانا قد شهدا حيوية نزعته المعاصرة وغزارة إنتاجه الأدبي وحرصه على أن يكون نموذجا للمثقف الحر المستقل.

هناك من يفضله روائيا أكثر من كونه شاعرا وهناك من لا يزال يعتبره الشاعر الاستثنائي الذي أحدث انقلابا كبيرا في بنية القصيدة الحديثة في العراق بعد أن انتقلت على أيدي روادها الخمسينيين (السياب والملائكة والبياتي والحيدري) إلى مسارها الجديد.

غير أنه من المؤكد أن فك ارتباط الروائي بالشاعر في حالة العزاوي سيكون أمرا صعبا.

فما كتبه العزواي من روايات ما كان يحدث تأثيره الخيالي لو أنه لم يصدر من مخيلة شاعر اتخذ منذ البدء من التمرد سياق حياة، ستكون دائما مفتوحة على طرق متشعبة، يقود بعضها إلى البعض الآخر لتشكل متاهة جمالية وفكرية، كان العزاوي نفسه حريصا على أن يحيطها بألغازه الشخصية، وهي أسلحته متقنة الصنع في مواجهة عالم غامض، تتصادم فيه الكلمات كما الوقائع لا لتصل إلى هدف بعينه، ولا لتقول الشيء نفسه في كل مرة، بل لتمحو من طريقها شيئا من العبث الذي يتخلل وجودنا كل لحظة عيش.

دائما كان لدى العزاوي المولود في مدينة كركوك عام 1940 شمال العراق ما يقوله عن الشعر، كما لو أنه اكتشافه الشخصي. أداته الصالحة دائما لتغيير الحياة والعالم معا. وهو ما دفعه إلى كتابة البيان الشعري الذي نشر في مجلة شعر 69، مذيلا بتواقيع ثلاثة شعراء من أبناء جيله إضافة إلى توقيعه.

كان ذلك البيان بتركيبته اللغوية الغامضة ورؤاه الفكرية الصادمة بمثابة إعلان عن قطيعة مزدوجة مع الإرث الشعري الحديث من جهة ومن جهة أخرى مع الواقع الذي كان يبشر يومها بالكثير من التحولات الثورية الإيجابية.

وإذا ما كان العزاوي قد انتمى في حينها، على الأقل فكريا إلى التيار اليساري فإن بيانه الشعري الذي أثار زوبعة كبيرة من النقاشات قد انتقل به إلى موقع، سيكون عسيرا على اليسار التقليدي النظر إليه بعين الرضى والاطمئنان والثقة.

شكل العزاوي نموذج المثقف المختلف مع الجميع، المتصالح مع نفسه ومع أدائه الفني ووظيفة المثقف كما تخيلها، فأصدر في العام 1969 روايته الغرائبية "مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة" التي تعبر عن حساسية ذاتية مطلقة فاعتبره الكثيرون عدوا للتراث وللالتزام الثوري بالمفهوم الحزبي الضيق


مخلوقات العزاوي الجميلة


لقد شكل العزاوي يومها نموذج المثقف المختلف مع الجميع، المتصالح مع نفسه ومع أدائه الفني ووظيفة المثقف كما تخيلها، وإذا ما عرفنا أنه كان قد أصدر في العام نفسه 1969 روايته الغرائبية “مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة” التي تعبر عن حساسية ذاتية مطلقة في مواجهة العالم يمكننا أن نقدر مسافة سوء الفهم التي وقع فيها سلوك العزاوي الكتابي حين اعتبره الكثيرون عدوا للتراث وللالتزام الثوري بالمفهوم الحزبي الضيق الذي كان سائدا في تلك المرحلة ولوظيفة الأدب في مجتمع كانت المشاريع والأفكار الحزبية تتجاذب أطرافه الهشة.

غير أن كل ذلك الشك لم يحبط همته، فظل ذلك الكائن المخلص للكتابة باعتبارها خلاصا. كان نموذجا فريدا من نوعه للكاتب المحترف في مجتمع لم يكن يعترف بالكتابة مهنة.

كان الشغف في الكتابة باعتبارها هواية قد أفسد الكثير من المواهب. لهذا فقد عمل العزاوي في الصحافة (كان مديرا تحرير في مجلة ألف باء الأسبوعية) باعتباره مخترع أساليب كتابية، كانت وسيلته لبث أفكاره المتمردة الموشاة دائما بزخرف رؤاه الخيالية التي كان يستمدها من ثقافة معاصرة، كان الكثيرون يفتقدون إليها.


آخر الملائكة


أعانه تمكنه من اللغة الإنكليزية وهو الذي درسها أكاديميا في جامعة بغداد على الاطلاع على الشعر الأميركي، وبالأخص شعر ألان غنسبرغ الذي لا يزال تأثيره واضحا على شعره حتى اليوم وأن تخطاه.

أعانه تمكنه من اللغة الإنكليزية وهو الذي درسها أكاديميا في جامعة بغداد على الاطلاع على الشعر الأميركي، وبالأخص شعر ألان غنسبرغ الذي لا يزال تأثيره واضحا على شعره حتى اليوم

كان العزاوي في سلوكه الثقافي وأفكاره الجمالية وأدبه صادما، وحين غادر العراق منتصف السبعينات من أجل الدراسة في ألمانيا، لم يختف أثره، مثلما حدث للكثير من الأدباء الذين غادروا العراق اضطرارا أو طوعا. فإذا كانت كتبه الشعرية (سلاما ايتها الموجة، سلاما أيها البحر والاسفار والشجرة الشرقية) إضافة إلى روايتيه (مخلوقات فاضل العزاوي والقلعة الخامسة) اللتين صدرتا أثناء وجوده في العراق لتشير إلى أيقونة ظهوره الإشكالي، فإن ما أنجزه خارج العراق في سنوات غربته من أعمال أدبية قد أضفى على تلك الأيقونة جانبا أسطوريا.

كما كان تفانيه في الخلق الأدبي حكمة يستلهمها الكثير من أبناء الأجيال الأدبية اللاحقة في البرهنة على أن الظروف مهما كانت صعبة لن يكون في إمكانها أن تلجم جماح موهبة كبيرة.

فالعزواي هو كائن كتابة لم يتوقف عند حدود اللغة العربية، المولع بسحرها، الشغوف بترفها، وهو الذي كان يحلم دائما في اختراق حاجز اللغة، وصار يكتب قصائده باللغتين الإنكليزية والألمانية إضافة إلى العربية، فهل يمكننا القول أنه عثر على بيته الكوني الشفاف الذي يطل من شرفاته على العالم؟ غير أن نزعته الكونية لم تكن إلا جزءا من أبوابه التي كانت تؤدي بسلاسة إلى حياته الحقة.

وما روايتاه (الأسلاف وآخر الملائكة) إلا دليلا على أن عينه كانت دائما متجهة إلى أبحرة البئر الأولى.

كان ابن كركوك وهي مدينة أقليات متصالحة قد انفتح بكونه الصغير على الكون الواسع ليكتشف أن كونه الواسع كان نوعا من الارتجال التقني الذي يعيده إلى كونه الصغير. كانت كركوك مسرحا للغات التي تتداخل في ما بينها بألفة، كان الرضا بالآخر عنوانها وكان التسامح عنوانا لمرحلة لم تكن بعد قد تعرفت على مبدأ المواطنة.

قصيدة لفاضل العزاوي
الحفلة

لم يكن أحد غائبا.

قابيل يسن سكينه في المطبخ ونوح يتابع في الصالة نشرة الطقس في التلفزيون.

كلهم وصلوا بسياراتهم ثم اختفو في الزقاق الطويل ذاهبين إلى الحفلة.

هناك رأينا السيدة الحسناء ترقص في الحلبة عارضة مفاتنها علينا من وراء فستانها الشفاف.

جلسنا مع الضيوف جرعنا كؤوسنا حتى الثمالة.

في الليل عائدين إلى بيوتنا أعدنا إلى الأعمى عكازته الضائعة وإلى القاتل بلطته الدموية.

لقد كانت حفلة مثل أية حفلة أخرى.

لقد كتب العزاوي مذكراته ونشر أجزاء متفرقة منها في موقع كيكا الالكتروني غير أنه لم يجمعها، مثلما فعل في كتابه (الموجة الصاخبة) الذي أرخ فيه للتحولات الثقافية التي شهدها العراق أثناء عقد الستينات من القرن الماضي، وكان واحدا من أهم وأبرز دعاتها وصانعيها، كان هناك شيء منه في كل ما شهده العراق من تحولات أدبية، شيء منه سيظل فالتا مثل لغز.


شبح العزاوي


شبحه لا يزال يتنقل بين دفاتر الشعراء. بالنسبة إلى أجيال أدبية لم تتعرف عليه سيكون بمثابة الأب الغامض، المسافر مجهول الإقامة، ومتعدد الهويات مثل العراق تماما حين كانت كركوك بتنوعها الديني والقومي واللغوي مصدر فخر له.

لم تكن كركوك يومها منطقة متنازعا عليها، كانت مدينة عراقية تتميّز بتنوعها الحضاري.

لذلك حين حضر العزاوي ومعه ثلة من الأدباء الكركوكيين إلى بغداد احتفى الوسط الأدبي بهم باعتبارهم ظاهرة عراقية أصيلة. فزهدي الداوودي وأنور الغساني والأب يوسف سعيد وجليل القيسي وجان دمو وسركون بولص إضافة إلى العزاوي نفسه كانوا يمثلون ألوان قوس قزح المدينة التي وجدت في تمكن أبنائها من اللغة الإنكليزية بسبب وجود شركة النفط البريطانية مناسبة لإعلان عالميتها.

كانت (جماعة كركوك) وهو الاسم المجازي الذي أطلق عليهم بمثابة فتح في الحياة الثقافية العراقية. ولم يكن ذلك الاعتبار ليخطئ هدفه إلا في حدود نسبية، و كان فاضل العزاوي ظاهرة داخل تلك الظاهرة، ينافسه في ذلك سركون بولص (1944 ــ 2007) الذي ترك أثرا عميقا في القصيدة العربية الحديثة.

غير أن أثر العزاوي كان مختلفا من جهة ما ينطوي عليه الكائن الكتابي من تنوع في انشغالاته التي تتخطى الجانب الأدبي إلى الاهتمام بالجانب الإنساني، وهو ما دفع به إلى أن يكون وثيق الصلة بالحياة المباشرة لبشر لا يزال يقاسمهم مصائرهم بالرغم من غربته التي التهمت الكثير من حياته السابقة التي صارت مجرد أثر والكثير من أصدقائه الذين أخذهم الموت.لا يزال فاضل العزاوي أيقونة عراقية فريدة.

14