فاضل خليل، موت المسرح

الخميس 2017/10/12

ما من مسرحي عراقي وفنان إلا وقد مرّ بفاضل خليل، الشيوعيون رواد الفنون وأول من تعاملوا مع المسرح مرّوا عليه في “مسرح الفن الحديث” عضوا في مسرحهم، الذي كان يجمعهم ويقدموا رؤاهم فيه.

والبعثيون مروا عليه في أكاديمية الفنون الجميلة كونه عميدها. والمسرح القومي ممثلا في الفرقة القومية وقاعات مسرح الرشيد والوطني في قلب بغداد نجما من نجومها فقد نال الجوائز ممثلاّ ومخرجا فيها، والتلفزيونيون مروا عليه في بلوتوهات الإذاعة والتلفزيون من خلال العشرات من الأعمال الدرامية لربع قرن خلت، والرياضيون مرّوا عليه من خلال ترؤسه رابطة نادي الزوراء الفريق الكروي الأشهر في العراق.

والتشكيليون مرّوا عليه في ناديهم جمعية التشكيليين في بغداد وكأنهم قد عبّروا عن إعجابهم بأسلوبه في تلقي لوحاتهم وتذوق الطعام بإطلاق أكلة اسمها فاضل خليل كل مثقفي بغداد يعرفونها، ابتكرها هو.

وأنا اعتدت أن أمر عليه بين الحين والحين قاطعا طريقا طويلا من رئاسة الجامعة في الجادرية حتى الباب المعظم مقره وهو عميد الفنون الجميلة مفتعلا مداولة معه، كي أتزود بطاقة لا أعرفها من حواراتي معه، وأخرج ممتلئا بالحكايات التي لا تملْ عن بغداد وفنونها وشخوصها يرويها فاضل خليل دون توقف أو وجل.

كان فاضل خليل أستاذا ومعلما فذا في قدرة إلهام معيته، والحوار معهم، بلا توقف، يعرف طبقاتهم ومواهبهم وموازينهم، وقدراتهم ويسعى لإرضائهم بالحوار والجدل، فنال محبة واحترام الجميع.

تغير حال الناس بعد سقوط بغداد العام 2003 وجُرد العميد فاضل خليل من كل مناصبه وظل يتفقد بغداد وكأنها ضائعة مشيا على الأقدام حتى وصوله إلى بيته في الأعظمية، يمر على المقبرة الملكية قرب بيته ويبكي حرقة على العراق الذي تغيرت قيمه وأعرافه وشخوصه، بلا عمل ظل شهورا حتى أعاده زملاؤه عنوة إلى الكلية أستاذا لمادة المسرح، لم يكابر فاضل خليل بل عاد بطاقة محبته وعلمه، ولصداقاته مع زملائه من الأساتذة الذين صار بعضهم أندادا وآخرون خصوما، لكونهم مختلفين معه سياسيا، بالرغم من كونه قد عاملهم بمنتهى المحبة والتقدير، حين كان عميدهم، عاد فنانا وأستاذا عراقيا، بقلبه الذي يمتلئ حزنا على الناس وكيف تحولت أخلاقها، كيف ادعت وزايدت وركبت الأمواج، وصارت مُضطهدة فجأة، وهي قد تخرجت من بين يديه، تحمّل كثيرا لأنه يحبهم أصدقاء أو خصوما ينظر إليهم كضحايا جميعا يؤمن أن الفن رسالة والعراق تعود على الأزمات التي تلد أخرى.

لكن قلبه الجنوبي انفجر أخيرا تألما من الوشاة والدعاة، والأدعياء، الذين ما انفكوا يناصبونه العداء، ما انفك محلقا في فضاءات أعماله الفنية يمتلئ حبورا بنجاحات طلابه حتى لحظات موته. إن أزمة فاضل خليل تلخص بكونه يعتقد أن الحياة مسرح ما انفك ينتقل في أدواره فيها من المسرح الهزلي في السبعينات إلى مسرح العبث في الثمانينات وانتهى تراجيديا.

قتله الدور الذي مثله وكأنه يوليوس قيصر في مسرحية شكسبير، لكن قلبه لن يقاوم الخيانات والطعنات حتى خرّ صريعا أخيرا وهو يتمنى لوطنه أن يشفى، ويقاوم هذا السيل العارم من الصراعات دون جدوى.

24