فاطمة البودي: الناشرات يخشين من نشر الكتب السياسية

الاثنين 2014/06/02
البودي: أنا حريصة على أن أستمر في خط الجرأة والفكر التنويري

فاطمة البودي، الطبيبة والأستاذة الجامعية، قررت التخلي عن حياتها الأكاديمية لتقتحم عالم الثقافة والنشر والتوزيع، وتؤسس وتدير دار نشر “العين” بتشجيع من كبار الكتاب والروائيين والمثقفين العرب، الدار التي حققت نجاحات هامة ليس على المستوى المصري فحسب بل وعلى المستوى العربي. “العرب” التقت بالبودي لتتحدث إليها عن عالم النشر وعن تجربتها الذاتية وعن الواقع الثقافي العربي اليوم وفي عديد من المحاور الأخرى، فكان هذا الحوار.

فاطمة البودي واحدة من الناشرين العرب القلائل الذين يضعون أمام أعينهم تحقيق هدف أن تكون كتبهم تنويرية قبل أن تكون ناجحة تجاريا، وهو ما يمثّل غايتها من مجمل إصدارات دارها حيث تؤصّل لقيم التنوير والبعد عن الغلو الديني ورفض كل احتيال ثقافي فكري باسم الدين أو باسم السياسة.


ناشرة جريئة


شدّدت البودي على أن مهنتها تحمل بعدا سياسيا تنويريا، فضلا عن حملها هموما تتعلق بالمهنة كتحسين نمط العلاقة بين الكاتب والناشر والتشاركية في حفظ حقوق المؤلف فضلا عن رغبتها العميقة في تأكيد دور المرأة لتحسين مناخات ومواصفات هذه المهنة عربيا.

وأعربت البودي عن أسفها لابتعاد غالبية الناشرات العربيات السيدات عن المجالات السياسية، تقول: “للأسف تحاول الناشرات العربيات الابتعاد عن الخوض في المجالات السياسية، وأنا لست منهن، أنا ناشرة جريئة، أركّز على التنوير قبل النشر، والبعد عن الغلو الديني، وليست لديّ أيّة محظورات أو خطوط حمراء، وقمت بنشر كتب تعارض جماعة الإخوان المسلمين وتنتقدهم وتعارض فكرهم بشدة في أوج نفوذهم وسلطتهم في مصر لأن هذه الكتب تعارض قناعاتي، فأنا لم ولن أحيد عن خط النشر التنويري ضدّ أيّ احتيال فكري وضدّ أي احتيال أو نصب باسم الدين أو باسم السياسة، أو حتى النصب باسم الثورة، وكل هذا مرفوض”.

النشر مهنة تحمل بعدا سياسيا تنويريا، فضلا عن حملها هموما تتعلق بعلاقة الكاتب مع الناشر

وتابعت قولها: “أنا حريصة على أن أستمرّ في الخط الخاص بي وأشدّد عليه، وما يساعدني في ذلك هو عدم وجود رقابة على النشر في مصر بالشكل المتعارف عليه في غالبية الدول العربية، أي لا يخضع النص إلى رقابة مسبقة، أحيانا عندما يكون النص مخالفا لرغبة السلطة لسبب ما، يتمّ التخلص منه بهدوء وبلا أثر، كأن يُسحب من المطبعة أو من المكتبات دون وجود أيّة ورقة تُثبت أو تدل على أن هذا الكتاب مُنع أو لم يُمنع، وما أراه الآن هو أن هناك تأثيرا على حركة بيع وتجارة الكتب من أثر الثورات العربية”.


فكر تنويري


ونفت البودي أن تكون متخصصة في نشر الروايات، وأشارت إلى أنها مع التنويع حيث قالت: «التوجه العام لدار النشر التي أديرها هو التنوير، ليس عبر الرواية فقط، فهناك كتاب حصل على جائزة الشيخ زايد للكتاب منذ ثلاثة أعوام، وهي من أرفع الجوائز العربية، وهو كتاب “التنشئة السياسية للطرق الصوفية بمصر” للكاتب عمار علي حسن، ونشرنا كتابا عن الجماعات الإسلامية يحمل عنوان “الدنيا أجمل من الجنة” للكاتب خالد البري».

وتضيف البودي قائلة: “كما نشرنا كتب حسين أحمد أمين وسيد ياسين وخالد خليفة وغيرهم، فضلا عن إنتاجات علمية على قدر كبير من الأهمية، ولكن شهرتنا في المجال الروائي يدل على تأثير الجوائز وتأثير الإعلام. الصورة العامة عن دار العين للنشر أخذت بأننا نهتم بنشر الكتب الأدبية فقط، لأن هذا المجال حققنا فيه نجاحات، لكننا في الحقيقة حققنا كذلك نجاحات في ميادين أخرى غير أن وسائل الإعلام لا تسلط الضوء على كل القضايا، وهذا ليس اتهاما لوسائل الإعلام بقدر ما هو الواقع".


نحت في الصخر

نحن ننحت في الصخر، وعمر الدار 14 سنة، وهو عمر قصير بالمقارنة لدور نشر تقارب أعمارها المئة عام، وتأتي الصعوبة الإضافية أيضا بأننا ننشر فكرا تنويريا، ومع هذا فقد حققنا الكثير في عالم النشر العربي


وفي ما إن كان وجود سيدة على رأس مؤسسة نشر وتأثير ذلك على نوعية الكتب المنشورة قالت البودي التي باتت تعتبر إحدى أهم الناشرات العربيات «على الغالب سينعكس وجودها على طريقة التعامل والتعاطي مع المؤلف أو الموزع، والمعارض أيضا، ففي الغرب تتولى السيدات 80 بالمئة من مهام النشر والتوزيع، أما في العالم العربي فقد بدأت المرأة تقتحم هذا المجال حديثا، عبر الوراثة عن الآباء المؤسسين بداية، وهو أمر لا ينطبق عليّ، فأنا المؤسسة للدار، وأمثل الجيل الأول فيها، وهذه هي الصعوبة في المسألة، فنحن ننحت في الصخر، وعمر الدار 14 سنة، وهو عمر قصير بالمقارنة لدور نشر تقارب أعمارها المئة عام، وتأتي الصعوبة الإضافية أيضا بأننا ننشر فكرا تنويريا، ومع هذا فقد حققنا الكثير في عالم النشر العربي، وحصدت كتبنا جوائز، ووصلت رواياتنا لأربع سنوات متتالية إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، وأحدثها هذا العام رواية الكاتب السوري خالد خليفة “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة”، والتي نفخر بأننا ناشروها، ومثل هذه النجاحات تجعل أيّ مجهود عضليا كان أوعصبيا يتلاشى أمامها».

وعن تأثير وجود سيدة على رأس مؤسسة ثقافية أو دار نشر عربية، تقول البودي، العضو في الكثير من الجهات والهيئات الثقافية العربية، والتي تجمع حولها أينما حلّت في المعارض العربية كوكبة من أهم الكتّاب والمثقفين “إن وجود المرأة على رأس دار نشر يُحسّن المهنة، فأنا مثلا لا أفصل بين كوني أمّا وكوني ناشرة، وأحب وأحترم الكتّاب الشباب كأبنائي ويحترمونني كأمّ، ونتعامل كأسرة واحدة، وبالتالي ينعكس سلوك المرأة الرقيق والحساس والشفاف على المهنة دون شك، بل حتى الناشرون الرجال يحاولون التعلم منا في هذا المجال، وأنا أزعم أن وجودي في هذه المهنة غيّر سلوك بعض الناشرين نحو الأفضل”.

15