فاطمة الحناوي تجعل الزمان والمكان في حالة خصام

حاولت الكاتبة الإماراتية فاطمة الحناوي في مجموعتها القصصية “قمر”، الصادرة عن مجلة رافد، الصادرة عن دائرة الثقافة والإعلام بحكومة الشارقة، أن تقدم للقارئ العربي حالة من الحنين إلى الماضي مستندة في هذا على ذاكرته الحساسة تجاه مفهومي “الدار” و”الوطن”.
الثلاثاء 2015/07/14
برود عاطفي وإنساني صار يسود العلاقات القائمة بين البشر

مجموعة “قمر” لفاطمة الحناوي مجموعة من القصص القصيرة والطويلة جاءت في 79 صفحة من القطع الصغير، اقتصرت على “أربع حركات”، “في الطريق”، “العروس”، “صوت الياسمينة البيضاء”، “الزيارة أخيرة”، “موت الياسمينة”، “العرس”، “طيور الجنة”، و”المرآة”، و”قمر” التي حملت المجموعة اسمها.

وبالرجوع إلى أحداث ليست بالجديدة لدى المتلقي، أبرزت الفكرة التي تسعى إلى إيصالها، وهي في مضمونها عدة أفكار جاءت في مقدمتها إشكالية الوطن البديل، متجلية في وقائع أسقطتها على مستوى العائلة وعلاقة أفرادها مع بعضهم البعض، خاصة تجاه الوالدة / الأم.

الياسمينة كشجرة تستوطن أرض الدار، كانت رمزا هاما في عدة قصص، حتى أنها أنسنتها وجعلتها شخصية محورية تتبادل أطراف الحوار مع “قمر” – الشخصية الرئيسية – وتتماهى معها حتى الأقصى إلى درجة أنها تموت بموتها، والعكس صحيح. وهنا نعود إلى ما ذكرناه حول حساسية الذاكرة العربية التي تطرقت الحناوي إليها. فللياسمين وخاصة في بلاد الشام، جذوره الضاربة في البيوت وفي أرواح ساكنيها وعابريها. ومنه ثمة إشارة واضحة إلى تغير الزمن وتبدله، وإلى البرود العاطفي والإنساني الذي صار يسود العلاقات القائمة بين البشر، حتى بين أولئك الذين تجمعهم صلة قوية هي الدم، وانعكس على شكل الحياة وأبنيتها.

وقد جاء في قصة “موت الياسمينة”: ماتت الياسمينة يوم ماتت قمر.. بل ماتت قمر يوم ماتت الياسمينة. وأصبحت الدار خاوية على عروشها.. والياسمينة لم تعد تعطي لأن الحجر والجص لعبا دورا بطوليا في إزاحتها من الوجود.. لكنها ماتت وبموتها كانت المعاول تهدم آخر حجر في البيت العربي الذي مات مع صاحبته التي لطالما خشيت عليه من غدر الزمان، آثر أن يفسح للجدد مجالا أن يصعدوا للأعلى، وأن يمتطوا المصعد بدلا من المشي في الدهليز الطويل صاحب الذكريات.

ومن مناخ بلاد الشام إلى دولة الإمارات، هكذا تنوعت قصص المجموعة في أجوائها وبيئاتها، مع المحافظة على البيت الكبير فضاء للأحداث، ففي قصة “العرس” حيث للشاب حمد ذاكرته المأساوية مع البيت القديم، تبرز الكاتبة مفردات قليلة جدا كانت السبب في معرفتنا أن الأجواء الحالية تقع في الإمارات أو دول الخليج، منها “رقصة العيالة” واسم “حمد”، ولولاهما لكنا استقبلنا الأحداث كاستمرارية للتي سبقتها.

اختارت الحناوي أن تختم بقصة قصيرة هي “المرآة”، وفيها أيضا جعلت للزمن آثاره القاسية، فجاءتنا هذه النهاية: نظرت إلى المرآة. وحاولت أن تزيح مخلفات الزمن التي فوق خديها. أخذت تشدها يمينا ويسارا ولكن هيهات! زاغت عيناها عن النظر إلى نفسها لترى شبحا هرما يمد لسانه عابثا بكل حركة من حركاتها.

14