فاطمة الزهراء المنصوري مغربية تقلب المعادلات في وجه السياسة التقليدية

عمدة مراكش السابقة تنخرط في اللعبة السياسية انخراطا تاما، لكنها تشهر أسلحة المناورة والتكتيك، في أوقات كانت لا تعرف فيها السياسة العربية التقليدية إلا سياسة الصدام والارتطام بالحائط.
الخميس 2019/06/20
فاطمة الزهراء المنصوري تخوض بدهاء معركة كسر عظم مع رئيس حزبها

تتسم هذه المرحلة من عمر السياسة في المغرب بما يمكن وصفه بـ“لعنة الشقاق” التي تضرب اليوم وبقوة جسد أحزاب عديدة، من بينها حزب الأصالة والمعاصرة الذي انخرطت في صفوفه سيدة هذا المقال منذ ما يقارب عشر سنوات وتدرجت بين أحضانه وتفاعلت سلبا وإيجابا مع رؤسائه المتساقطين الواحد تلو الآخر، آخرهم الأمين العام الحالي حكيم بنشماس الذي أشهرت في وجهه مدفع التمرد وورقة العصيان ضد قراراته.

إنها المحامية والسياسية فاطمة الزهراء المنصوري، مراكشية المنشأ، والتي ولدت عام 1976، وعاشت في أكناف أسرة درج والدها في أسلاك الخدمة المخزنية فتشربت أصول التعاطي مع منعطفات السياسة ودهاليز القانون والإدارة، بعدما تلقت تعليمها في المدارس الفرنسية بمراكش، ودرست القانون بفرنسا وقامت بتأسيس شركة محاماة متخصصة في قانون المعاملات العقارية والتجارية.

عمدة مراكش

عندما انتخبت المنصوري عمدة لمدينة مراكش عن الأصالة والمعاصرة في الانتخابات الجماعية لسنة 2009، قالت آنذاك أن سر نجاحها يكمن في عفوية خطابها وواقعيتها السياسية. وبعد ذلك بسبع سنوات تم اختيارها انتخابيا على رأس المجلس الوطني للحزب، بمناسبة المؤتمر الوطني الثالث، وها هي تختبر تلك الواقعية بشكل قوي بعدما خرجت من دائرة العفوية أو السذاجة السياسية إلى شراستها مع طموح التمكن من مفاصل الحزب.

في ذروة صعودها اعتبرت المنصوري أن النساء بحاجة إلى إثبات الكثير من الأمور. فقدرتهن على العمل، حسب قولها، كبيرة. و”نحن نتحدث عن نصف الطاقة الإبداعية في البلاد تقريبا فلماذا نحرم أنفسنا من هذه الإمكانية الهائلة”.

وحتى تتفرغ لعملها السياسي ضحت بزواجها رغم أنها أكدت في مناسبات عديدة أن طلاقها كان بسبب خلافات زوجية ولا علاقة له بالسياسة، ومن يصدق قول السياسي؟ ولوضع حد لتناسل الإشاعة قطعت بالقول إن “هذا واقع عائلي، وأي امرأة متزوجة يمكن أن تصادف في طريقها خلافات داخل الأسرة مع زوجها”.

صراع الطموح والشرعية

المنصوري تصعق رئيس تنظيمها السياسي بنشماس، خلال شهر يونيو الجاري، بإعلان بطلان قراراته، لأنها لا تتوفر على أي أساس قانوني، حسب قولها
المنصوري تصعق رئيس تنظيمها السياسي بنشماس، خلال شهر يونيو الجاري، بإعلان بطلان قراراته، لأنها لا تتوفر على أي أساس قانوني، حسب قولها

نصبت المنصوري نفسها وصية على تقييم قرارات رئيسها، لكونها رئيسة المجلس الوطني الذي هو أعلى هيئة داخل الحزب، بعد المؤتمر الوطني. ففي الثاني عشر من يونيو الجاري صعقت المنصوري رئيس تنظيمها السياسي بنشماس، ببطلان قراراته لأنها لا تتوفر على أي أساس قانوني ولأنها أيضا، مجانبة للصواب. قرارات وصفتها بالانفعالية وتفتقد لأي أساس قانوني سليم، وها هي تسجل بأسى عميق مسعى تعميق منحى تأزم الوضع التنظيمي أكثر مما هو مأزوم.

وسجلت أسفها لكون جميع المساعي التي قامت بها، خلال الأيام القليلة الماضية، مجموعة من الإخوة من قياديي الحزب وقامت بها شخصيا، من أجل إيجاد حل وسط لرأب الصدع وتجاوز الأزمة التنظيمية بأقل الخسائر، قد باءت بالفشل ولم تلق أي تجاوب من طرف الأمين العام.

تزعمها لنداء “المستقبل” من أجل تجاوز الصراعات الداخلية التي لازمت الحزب منذ رحيل إلياس العماري في العام 2017 إلى الآن، الهدف منه حسب داعمي المنصوري، القطع مع مرحلة يرونها اتسمت بالبحث عن المصالح الشخصية والإثراء على حساب الحزب، ويقول أصحاب “نداء المستقبل” إن المرحلة التي قاد فيها بنشماس الحزب تميزت بـالعصبية وتضخمت فيها العوامل الذاتية، وهيمنت المصالح الشخصية على مصالح التنظيم والوطن، وكبديل له يدعم هؤلاء رئاسة المنصوري للأصالة والمعاصرة خلال المؤتمر المقبل. وها هي الآن تقول إن الأزمة التي يمر بها الحزب مرتبطة بالارتجالية في اتخاذ القرارات من طرف القيادة.

في المقابل هناك من يدفع بكون المنصوري فشلت في تدبير شؤون مراكش عندما كانت عمدة لها، ولم تقدم شيئا يذكر إلى الأصالة والمعاصرة وهي رئيسة المجلس الوطني، ولهذا لا يمكن أن تتحمل مسؤولية تسيير الحزب، في وقت كانت تصرح فيه بأنها ليست نادمة على تجربتها وقدمت حصيلة مهمة تمثل نواتها ”مراكش الحاضرة المتجددة” المشروع الملكي الرائد، إلى جانب مشاريع تحققت منها نسبة كبيرة، وأخرى تحتاج إلى المزيد من الجهد.

لكنها ترفض أي محاولة لمصادرة الحق في الاختلاف في صفوف مناضلي الحزب، واعتماد سياسة ملاحقة وطرد مجموعة من أطر وأبناء الحزب، في إخلال واضح بمهام الأمين العام، وانحراف خطير عن أدواره القيادية ورمزية مكانته السياسية التي كان يفترض أن تعزز الديمقراطية الداخلية وتعمد إلى حل الخلافات داخل البيت الجامع، عوض تبني ممارسات تشهيرية مسيئة لثقافة الحزب ومتناقضة مع مرجعيته.

المنصوري ترى أن النساء بحاجة إلى إثبات الكثير من الأمور. وتقول إن "قدرتهن على العمل كبيرة، ونحن نتحدث عن نصف الطاقة الإبداعية في البلاد تقريبا فلماذا نحرم أنفسنا من هذه الإمكانية الهائلة؟"

الكل عينه على المؤتمر الرابع للأصالة والمعاصرة والصراع محتدم بين قيادات الصف الأول والثاني على المناصب والمسؤوليات. وقد أكدت رئيسة المجلس الوطني، على مشروعية اللجنة التحضيرية للمؤتمر، الذي سيعقد بمدينة أغادير رغم رفض بنشماس لهذا الاجتماع ودعا إلى مقاطعته، معربة عن رغبتها الأكيدة في المساهمة بإعادة الحركية النشيطة على كل الواجهات للحزب.

استقلالية القرار كانت وراء توتر العلاقة بين المنصوري وقيادات حزبها، وهو ما احتجت بسببه كثيرا على بنشماس والعماري، بسبب تدخلهما في عملها وصلاحيتها على رأس المجلس الوطني للحزب. ما دفع الأمين العام الحالي لوضع جميع المتاريس حتى لا ينعقد الاجتماع الثاني للجنة التحضيرية للمؤتمر الرابع للحزب في 15 يونيو الجاري، كاختبار لقوة بنشماس وشرعيته.

 وفي تحدّ واضح لقرار بنشماس بطرده، قال سمير كودار، رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر الرابع للحزب، المقرب من المنصوري “سنقوم بعقد اللجنة التحضيرية، ولا تهمنا قرارات بنشماش. نحن لا نطلب منه سوى العودة إلى رشده”.

وفي هذه الأثناء يدير بنشماس معركته مع تيار المنصوري بنوع من الارتجالية كما يقول خصومه، حتى وإن طلب من شباب حزبه عدم الوقوف على الحياد في الأزمة، والقيام بدور فعال على الشبكات الاجتماعية لدعم شرعيته. وهو يمني النفس بألا تسحب هذه المحامية البساط من تحت قدميه في المؤتمر المقبل.

على مفترق الطرق

هل تيار المنصوري على حق في مناهضة قرارات رئيس الحزب حكيم بنشماس ومن قبله؟ ربما سيكون الصندوق الانتخابي في المؤتمر القادم الفيصل المميز الذي سيسمح لنا بالتحقق من الأخطاء التي ارتكبتها هذه السياسية ومن دعمها، وإذا كانت افتراضات هذه السياسية أنها بلا أخطاء سنكون آنذاك أمام عضو فعال في مدينة فاضلة لا وجود لها إلا في مخيلة أصحابها.

التصدع الداخلي بحزب الأصالة والمعاصرة ليس وليد اليوم، وإنما ازدادت حدته مع توالي الصراعات حول منصب الأمانة العامة، والتي اشتدت بعد قرار العماري عدم الاستمرار في منصبه، في صيف العام 2017، ومنذ ذلك التاريخ لم تهدأ أصابع اليد في الإشارة إلى المستفيدين من بعض الامتيازات وبالاغتناء الفاحش، على حساب ما سمي مشروع الحزب الديمقراطي الحداثي كشعار التأسيس.

لعبة الديمقراطية

الكل يتحدث عن نجاحات حزب الأصالة والمعاصرة الطارئ على الساحة السياسية المغربية منذ العام 2009 لكن الخصوم يشككون بأن المال كان العامل المؤثر في استدراج الأصوات إلى صندوق الانتخاب
الكل يتحدث عن نجاحات حزب الأصالة والمعاصرة الطارئ على الساحة السياسية المغربية منذ العام 2009 لكن الخصوم يشككون بأن المال كان العامل المؤثر في استدراج الأصوات إلى صندوق الانتخاب

وعندما نعود إلى العام 2009 نجد أن الكل كان يتحدث عن نجاحات حزب الأصالة والمعاصرة الطارئ على الساحة السياسية المغربية آنذاك، فشكك الخصوم وعدد من المتابعين في الطريقة التي نجح فيها هذا التنظيم ليستقر رأيهم في أن المال كان العامل المؤثر في استدراج الأصوات لصندوق الانتخاب، بالطبع لا زالت المنصوري تنكر هذا وتقول إن حملتنا هي أنظف الحملات.

قد تكون المنصوري عثرت في عهد بنشماس على فرصة مواتية للتمدد، وهي تكرر مرارا لازمة أنها مناضلة في صفوف حزب الأصالة والمعاصرة، ونضالها نابع من قناعتها التي لا تهتز ومن تقاسمها بمعية كافة المناضلات والمناضلين للمشروع المجتمعي للحزب.

لماذا تأسست الديمقراطية كنظام سياسي؟ لأن الناس قد تخطئ وقد تصيب والسياسي يمكن أن يحيد عن الصراط، فتعيده سياط الديمقراطية إلى جادة الصواب. لكن يبدو أن المنصوري ذاهبة إلى أبعد حد مع خصومها وفي عرقلة خطواتهم التدبيرية. وبدوره بنشماس يبقى متشبثا بمنصبه إلى آخر رمق، أليس هذا تعبير تراجيدي على ما يمكن للبحث عن السلطة والاحتفاظ بها أن يشكل من خطر كبير على الكل؟

كانت اللقاءات التي تتم بين قيادات الحزب في مناسبات عديدة وبحضور وتزكية المنصوري، بمثابة فرصة للتداول والنقاش في الوضعية التنظيمية المتأزمة للحزب لأجل تقوية الهياكل والتنظيمات الموازية، والسير بهذا التنظيم حسب خارطة طريق رسمها الأمين العام، بضخ ديناميكية جديدة عبر الممارسة الحزبية الفاعلة. لكن تبقى تلك المفردات مجرد حبر على ورق الاستهلاك الكلامي أمام الإعلام والرأي العام والواقع هو أن كل فريق يحمل شوكة وسكين تأهبا لاقتطاع جزء من الكعكة. وقد اختبرت عمدة مراكش السابقة تبادل ضربات عديدة داخل الحزب أعقبها بعض الاستراحات بررتها بوضعها الصحي الذي أرغمها أحيانا على البقاء تحت المراقبة الطبية، وهذه من ألاعيب السياسة درجت عليها وأتقنتها بشكل كبير.

تتعرض المنصوري لحملة تتهمها بتحويل منصبها كرئيسة للمجلس الوطني إلى أداة للابتزاز وذلك لإخراجها من المعادلة الحزبية، لكنها ترد بسرعة أنه “لا يحق لنا كقياديين أن ننشغل عن هموم الناس بحساباتنا الضيقة”.

قلعة محصنة

المنصوري اليوم تبدو نمطا غريبا من السياسيات في الساحة العربية
المنصوري اليوم تبدو نمطا غريبا من السياسيات في الساحة العربية

عارضت المنصوري ما أسمته “التجميد التعسفي لعضوية مؤسسي ومسؤولي ومناضلي الحزب” و”الضغط على المناضلين لاتخاذ مواقف معينة، و”الشطط في استعمال المسؤولية الحزبية، لاتخاذ قرارات مما يرضي فقط بعض العلاقات الخاصة داخل الحزب، و تبتعد عن خدمة المصلحة العامة للحزب”.

وفي انتقاد مباشر للمنصوري قال عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة سمير بلفقيه، المحسوب على تيار بنشماس، إن “جهة أو جهتين، من الناحية التنظيمية في الحزب، تعتبر أن الحزب لها لا لغيرها وتعتبر أنها حولت الجهة إلى قلعة محصنة يصعب على أي كان الدخول إليها”، متهما إياها بمحاولة إجهاض لقاء بنشماس مع رؤساء الجماعات في مدينة مراكش، بتحريض من بعض الأشخاص المعروفين الذين حثوا رؤساء الجماعات على عدم حضور الاجتماع.

إلى جانب عملية الطرد التي دشنها بنشماس في حق من عارض قراراته وخرج عن الشرعية منهم عزيز بنعزوز، رئيس الفريق بمجلس المستشارين، هناك من ترجل من سفينة الحزب بسبب الضغط عليه أو عليهم، منهم سهيلة الريكي، الناطقة الرسمية السابقة باسمه، والمقربة من إلياس العماري لتتفرغ كما قالت لالتزاماتها العائلية والمهنية.

وتتفق إرادة المنصوري مع عبداللطيف وهبي في تقويض سلطة بنشماس، وقد شنا معا سابقا، حربا ضروسا على العماري، وهذا ما جعل البعض يتهمها بشخصنة الصراع بحسابات ومصالح سياسية ضيقة على حساب المشروع الحزبي الكبير. وهي في المقابل ترفض “تصفية الحسابات التنظيمية بشكل غير أخلاقي”، و”تجاوز القوانين والأجهزة المنظمة للحزب، وعدم اعتبار التعديلات التي أفرزتها الأجهزة الوطنية، والاعتماد على القرارات الفردية”.

في عملية تبادل الأدوار تتناوب المنصوري، المتهمة بالخروج عن الشرعية، مع وهبي في الهجوم على بنشماش وقراراته التي اعتبراها انفرادية، ومنها قرار تجميد وضعية عزيز بنعزوز في رئاسة الفريق البرلماني للحزب بمجلس المستشارين، والذي يمثل “خرقا واضحا وجرا لمؤسسة دستورية إلى الصراع السياسي والحزبي”. ومع ذلك لا تزال القيادية المنصوري تمد يد المصالحة إلى خصومها داخل الحزب مطالبة بـ”العودة إلى جادة الصواب والترفع عن الذاتية وعن شخصنة الاختلافات، والاحتكام إلى قوانين الحزب”، داعية لجنة التحكيم والأخلاقيات إلى أن “تنأى بنفسها عن تجاذبات الأطراف وتقف على نفس المسافة من الجميع”.

وتبدو المنصوري اليوم، نمطا غريبا من السياسيات في الساحة العربية، حيث تنخرط في اللعبة انخراطا تاما، لكنها تشهر أسلحة المناورة والتكتيك، في أوقات كانت لا تعرف فيها السياسة العربية التقليدية إلا سياسة الصدام والارتطام بالحائط.

12