فاطمة المرنيسي.. حفرياتها ركيزة أساسية في البناء المعرفي

الثلاثاء 2015/12/01
فاطمة المرنيسي ركيزة أساسية من ركائز البناء الثقافي

كان أول وصولي إلى العاصمة الأردنية، عمان، مليئا بقطوف الثقافة، فمنظر الكتب في كل مكان، الكتب التي لم نرها في العراق إلا مُخبأة في الحقائب أو تحت صحيفة يومية، نحرص أن تكون صفحاتها التي نُجلّد فيها هذه الكتب لا تحوي صورة من صور الرئيس التي تملأ الصحف آنذاك، تثير شهيتي وتخفف عليّ أولى أيام الغربة التي كنت على يقين أنها ستطول كثيرا.

كنتُ محظوظا بتعرفي على بائع كتب، انتبه إليّ وأنا منهمك أقلّب كتبا بعينها، وفي الوجه ترتسم حسرات الفقر الذي يحول دون شراء هذه الكتب، سألني تفاصيل عن خصوصياتي ابتدأت بالاسم ولم تنته بالاهتمامات، كانت أسئلته تنم عن قلب محب حقّا، فأصبح يزودني بالكتب، وكان كتاب فاطمة المرنيسي “الحريم السياسي: النبيّ والنساء” أول كتاب أستعيره منه وأول كتاب أقرأه للباحثة فاطمة المرنيسي، هذا الكتاب حفزني للتعرف على قراءة كتبها الأخرى.

لم تتغير ذائقتي في ما يخص كتاباتها، بعد القراءة مباشرة أو بعد سنوات طويلة، أنا الذي لطالما تقلبت ذائقتي مع الكُتّاب، فكلما تتعمق قراءاتي للتراث ولتاريخنا العربي وعمقه الطويل الذي سبق الإسلام، أكتشف ثمة أَهواء تتحكم بعدد كبير ممن تناول هذا التاريخ “نقدا وتمحيصا”، أيديولوجيا سلبية تبرز مساوئه حتى لِيُخَيّل لي أن المسلمين العرب لم يبنوا مدينة قط ولا مدرسة ولم يفتحوا قناة ولا ترعة ولم ينجزوا أدبا ولا عمارة، أو نرى النقيض أيديولوجيا تُنزّه هذا التاريخ وكأن لا دماء سُفكت ولا كعبة قُصفت ولا مدينة استبيحت، ولا قصور مُلِئت جورا وجواريَ.

في كتابها “الحريم السياسي، النبي والنساء” والذي من غرائب الصدف أنه ليس أول كتاب قرأته لها وأول كتاب قرأته في المنفى الذي ابتدأ في أبريل 1993 فقط، بل وأكثر كتبها رسوخا في ذاكرتي، هو كتابها الوحيد الذي يحضر بتفاصيل عديدة أكثر من بقية كتبها التي قرأتها بعد ذلك في الأردن، أو التي أوصيت أصدقاء مغاربة جلبوها لي من المغرب سنوات كنتُ في نيوزلندا، لتبقى هناك تحت رحمة الرطوبة العالية وأنا في رحلة بحثي عن اللااستقرار في هذا العالم.

كان اعتراضي الوحيد على كتابها الأول الذي قرأته أنها لم تعتمد في مصادرها إلاّ على أمّهات الكتب الرسمية (الكتب السنية) فسمعتُ قولا واعيا من شعراء عراقيين ضمتنا تلك الجلسة في مقهى العاصمة مقابل البنك العربي والمجاور لمركز شرطة وسط البلد في عَمّان، أفقت على إثر هذا القول، فأنا ابن مدينة تتنوع فيها الأعراق لكنها أحادية الدين والمذهب، عكس هؤلاء الذين كانوا من مدن مختلطة وعاشوا فترة طويلة في بغداد، فكان ذلك النقاش درسا منهم ساهمت فيه فاطمة المرنيسي.

حين أذكر فاطمة المرنيسي، يحضر عدد كبير ممن أصبحوا أعلاما في البحث التاريخي -الإسلامي، لكن قلة من هؤلاء درسوا تاريخنا بلا أفكار مسبقة تتحكم بالنتائج. فاطمة المرنيسي من هؤلاء القلّة- الهائلة، التي تترك أثرها في قارئها ولا يغادرها القارئ المعجب والمتابع لكتاباتها بعد تنامي وعيه وتعمّق كشوفاته المعرفية وازدياد تنوع تجاربه القرائية، بل يزداد اعتزازا بما قدمته للبحث العلمي، ويعتبرها (وهنا أتحدث عن نفسي بصورة أدقّ) ركيزة أساسية من ركائز بنائه الثقافي، فعلى سبيل المثال في تناولها لشخصية هارون الرشيد في الذاكرة الأوروبية، وصورة محمد الفاتح العثماني الذي سيطر على القسطنطينية (إسطنبول)، مَهّدَت لي الطريق إلى قراءة الكثير من الأحداث التاريخية، ليس مثلما وصلتنا بل في سياقها التاريخي الأقرب إلى الصحة، كاشطا ما أسبغه المؤرخون كل بحسب دوافعه ومرجعياته.

فاطمة المرنيسي، كانت حياتها حفرا معرفيّا من دون عواطف جيّاشة تتلاشى بعد القراءة، بل ضوابط البحث العلمي أدوات تبني بها مع زملائها مجتمعا يعيد الاحترام إلى المرأة، ويُبعد عن ثقافتنا تلك الرياح التي هبّت على قصور العباسيين قادمة من الشمال فغيرت الأوضاع، وقَدمَ الحريم والحجاب مع الجاريات الفارسيات واليونانيات اللاتي كنَّ محظيات للخلفاء وأمهات لأولادهم. وكان أن حرمت المرأة العربية من مكانتها الرفيعة في المجتمع وقيّدت حرياتها حين سيطرت على المجتمع العادات الفارسية القديمة، بحسب زيغريد هونكه في شمس العرب تسطع على الغرب.

15