فاطمة سالم: أكاديمية عُمانية حققت الريادة في الثقافة والفكر

السبت 2013/09/07
فاطمة بنت سالم المعمري: دراسة تاريخية وثائقية

مسقط – صدرت مؤخرا في مسقط بعمان عن "اللجنة الوطنية العُمانية للتربية والثقافة والعلوم" الطبعة الإنكليزية لكتاب "الرائدة أ.د. فاطمة بنت سالم بن سيف المعمري: دراسة تاريخية وثائقية أكاديمية" للكاتبة آسية البوعلي مستشارة العلوم الثقافية بمجلس البحث العلمي، ترجمة زيانة البداعي ومراجعة دومينيك إيديس. وكانت الطبعة العربية للكتاب صدرت عام 2008 عن منشورات وزارة التراث والثقافة بمسقط إبان معرض مسقط الدولي للكتاب.

تقول الكاتبة آسيا البوعلي في كتابها "الرائدة أ.د. فاطمة بنت سالم بن سيف المعمري: دراسة تاريخية وثائقية أكاديمية": "إن ريادة فاطمة سالم، ريادة من نوع خاص، تؤكدها استثنائية الظرف التاريخي، إذ أتيح لها ما لم يتح لغيرها من نساء عصرها. ففي الوقت الذي لم يكن للمرأة أن تغادر دارها، تم ابتعاثها في مطلع الخمسينيات من القرن العشرين في بعثة دراسية لنيل درجة الدكتوراه من إنكلترا. كما كانت لها إسهاماتها العلمية، فضلاً عن تقلّدها أعلى المناصب الأكاديمية، وتتويجها بأرفع أوسمة التكريم. لذلك كان لدى الراحلة فاطمة سالم إيمانًا راسخًا بأن سيرتها بصمة من بصمات التاريخ يصعب محوها وصفحة من صفحاته ليس من اليسير طيّها، وعلى حد قولها، "سيوجد – يومًا – مَنْ يدون هذه السيرة حتى ولو بعد قرن من وفاتي".

يقع الكتاب في ثلاثة فصول، فضلاً عن مقدمة وملحق يحوي صورًا وشهادات ووثائق ومستندات خاصة بالراحلة، إضافة إلى ترجمة للمقالات المنشورة بالصحف والمجلات المختلفة التي عقبت الكتاب في طبعته العربية والتي تعكس صدى ما أحرزه من انتشار بنفاد كافة نسخه في معرض مسقط الدولي للكتاب لعام 2008 واشتهار الكتاب ليس داخل السلطنة فحسب، بل دوليًا أيضا، الأمر الذي ترتب عليه تكريم الراحلة فاطمة سالم من جهات مختلفة.

يتناول الفصل الأول، حياة فاطمة سالم (1911-2002م) بأبعادها المختلفة؛ إذ يعرض مولدها ونشأتها ومراحل تعليمها، وثنائية جنسيتها وتدرجها الوظيفي، فضلاً عن ألوان تكريمها، ومقر إقامتها، وأخيرًا رحيلها، وذلك اعتمادًا على الوثائق والمستندات والشهادات الرسمية وأوراقها الخاصة وتاريخ عائلتها. بينما يتناول الفصل الثاني أقوال وشهادة مَنْ عرفها عن قرب من بعض صاحبات السمو من العائلة المالكة (آل سعيد) وأقارب الراحلة وزملائها وطلابها وجيرانها.

وهذه الأقوال التي تم جمعها على مراحل زمنية مختلفة، لها أهميتها في استكمال ما ورد في الفصل الأول عن سيرة الفقيدة وثائقيًا على اعتبار أنّها شاهد عيان على هذه السيرة، لأنّها صدرت عن أناس عاصروها وعرفوها عن كثب، ومن ثم فهي الأجدر بالتصديق، إذ لا تعد أحاديث عادية، بل ترقى إلى أعلى درجات الرصد والتوثيق للوقائع والمشاهد.

ومن هذا المنطلق كان الحرص على جمعها وتدوينها. أما الفصل الثالث، فيقدم قراءات لبحوثها، من حيث ما تضمنته من أفكار وقضايا، وتعقب كل قراءة خاتمة توجز أهم ما تمّ التوصل إليه من نتائج. والقارئ للكتاب يلاحظ أن الكاتبة في عرضها لقراءاتها في البحوث راعت ترتيبها الزمني التصاعدي وفق تاريخ النشر. كما اهتمت الكاتبة بأن تلبي محتويات هذا الكتاب اهتمامات القارئ بنوعيه: الأكاديمي والعادي، من ثم حرصت على الاحتفاظ بأسماء الشخصيات وأحداثها، تلبية لرغبة مَنْ يريد تحويل موضوعات الكتاب إلي أي شكل من الأشكال الفنية. وتنفتح بنا السيرة على رحلة كفاح علمي أتاحت لامرأة عُمانية أن تعتلي أعلى المراتب، لتصبح رمزًا من رموز الثقافة في عصر آمن بريادة المرأة والفكر المستنير.

طه حسين شجع فاطمة سالم على دراسة الأدب اليوناني


مثقفة متواضعة


يقول لطفي عبد الوهاب عن الرائدة فاطمة سالم: "عرفتها في الغربة واكتشفت فيها أشياء جميلة. فاجأتني بأنها تتكلم بلغة لا أعرفها. رغم أستاذيتها العظيمة كانت متواضعة بشكل غير عادي". بدوره سامي شنودة تحدّث عن الفرق بين جيل الرواد من الأساتذة والجيل الحالي، وبين أن جيل فاطمة سالم كان شغله الشاغل هو العلم، ومن ثم لم يستهو أحدهم منصب أو كرسي، ولم يكن يوما موضع اهتمامه. فقيمة شخصية كفاطمة سالم تنبع من مكانتها العلمية والثقافية لا من رئاستها للقسم الذي رأسته في الجامعة. ويذكر شنودة واقعة لا تنسى، إذ يقول: "كان لي صديق من كينيا يدعى جوزيف مورمبي، كان نائبا لرئيس حزب الاتحاد الأفريقي يومها وكنت أدعوه لإلقاء المحاضرات في الندوات التي كانت تقام بجامعة لندن بخصوص قضية كينيا واستقلالها. بعد استقلال كينيا صار نائبا لرئيس الجمهورية، ومرة بلندن ذهبنا للغداء وقابلت فاطمة سالم صدفة، وحين هممت بتعريفهما ببعضهما البعض فوجئت في الجلسة ذاتها بأن فاطمة سالم تتكلم معه بلغة لم أفهمها وحين سألتها عن طبيعة هذه اللغة قالت لي : هذه هي اللغة السواحلية. لغة جزيرة زنجبار". أخيرا يشير شنودة إلى أن القسم الذي كان ينتمي إليه مع فاطمة كان اسمه قسم الآثار اليونانية والرومانية، ثم تحول إلى قسم الحضارة اليونانية والرومانية وضم إليه قسم الكلاسيك، وكان ذلك في الستينيات، وعاصرته فاطمة سالم لأنها كانت رئيسة قسم الكلاسيك أي الدراسات الأوروبية القديمة، الذي ضم إليه بعد ذلك قسم الآثار، فأصبح اسمه قسم الحضارة اليونانية والرومانية.

العبادي: فاطمة سالم تخصصت في فن الساتورا لدى جوفيناليس


عمق أكاديمي


مصطفى العبادي الباحث في الآثار والتاريخ يقول عن فاطمة سالم: "معرفتي بالتراث اليوناني والروماني اقترنت باسم فاطمة سالم. كانت تعرف أسرتي قبل أن تعرفني. كانت من المقربين جدا للدكتور طه حسين، وأبحاثها كانت تتميز بالعمق والجدية". ومصطفى العبادي الباحث في الآثار يشير إلى أن "الفترة التي التحقت فيها فاطمة سالم للدراسة بكلية الآداب بجامعة القاهرة، كانت في نهاية العشرينيات أو بداية الثلاثينيات، كان طه حسين وقتذاك عميدا لكلية الآداب جامعة القاهرة وأستاذا للأدب العربي، وكان طه حسين معروفا باهتماماته الخاصة في مجال التاريخ اليوناني حتى إنه في سنة 1925 حين تأسست جامعة القاهرة ، قام بتدريس تاريخ اليونان وهي نفس المادة التي كان يدرسها قبل ذلك وبعد عودته من بعثته مباشرة في بداية العشرينيات.

وأظن من هذا المدخل كان تشجيعه لفاطمة سالم على التخصص في الدراسات الكلاسيكية أي الدراسات الرومانية واليونانية القديمة، ومن ثم كانت فاطمة سالم دائمة الاتصال به وتوطدت الصلة بينهما. وكان من أول الأسماء المقترحة للانتداب للتدريس بهذا القسم في ذلك الوقت هو اسم فاطمة سالم إذ رأى طه حسين فيها أنها كانت متميزة في تخصصها وأنها في ذلك الوقت، أي سنة 1942، كانت قد حصلت على درجة الماجستير في الدراسات اللاتينية واليونانية من جامعة القاهرة، ومن ثم تم تعيينها بالفعل مدرسا في نفس السنة بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية. ومن أبحاثها الأقرب إلى ذهني الآن بحث بعنوان "أندريا ترانتيوس" إنه في منتهى العمق الأكاديمي، وبصفة عامة أبحاث فاطمة سالم كانت تتميز بالجدية والدقة. وفي ما بعد كما يعرف قراء سيرتها حصلت على دكتوراه فلسفة في الأدب ومجال التخصص الدقيق اللغة اللاتينية، بينما كان موضوع الماجستير الذي اشتغلت عليه فن الساتورا (SATURA) وبالإنكليزية (SATIRES) وهو فن الهجاء عن الرومان، أشبه ما يكون عندنا بفن التهكم في الأدب العربي الموجود في المقامات مثل مقامات الحريري والهمذاني والذي ينطوي عادة على نقد اجتماعي وإسقاطات أخرى. فالدكتورة فاطمة سالم تخصصت في فن الساتورا (SATURA) لدى الشاعر الروماني جوفيناليس (JUVENALIS) الذي عاش في القرن الأول الميلادي".


ذاكرة الإسكندرية


يسترجع عزة كراره في ذاكرته اسم فاطمة سالم، ويعترف بأن فاطمة سالم اسم يعني بالنسبة إليه كل شيء. وفي هذا الشأن يقول: "حياتي بأكملها بالإسكندرية مرتبطة بها. اسمها يرتبط في ذهني بدخولي إلى قسم الآثار والحضارة اليونانية والرومانية بجامعة الإسكندرية منذ إنشائه في أربعينيات القرن العشرين".

وينبه كرارة إلى أنها "حصلت على الدكتوراه من جامعة لندن، وخلال تلك الفترة لم يكن عميد الكلية حاصلا على الدكتوراه وكذا العميد الذي جاء بعده ومن ثم في عام 1956 تم استبعاد بعض الأساتذة من القسم لعدم نيلهم درجة الدكتوراه، ولم يكن حاصلا على الدكتوراه آنذاك سوى الدكتورة فاطمة سالم والدكتور محمد مندور والدكتور علي حافظ. وفاطمة سالم كانت أول عربية تقوم بتدريس اللغة اللاتينية ولم نسمع عن أي عربي في مصر سوى فاطمة سالم درس اللغة اللاتينية".

ويضيف كرارة: "كانت أحيانا تعلمنا مقاطع مع اللغة السواحلية وكنت أعلم أنها ليست مصرية الأصل بل مصرية بالتجنس فقط وأنها من مواليد زنجبار وتنتمي إلى أرقى العائلات العربية بتلك المنطقة. وكان معنا من الأساتذة الأجانب البروفيسور هولاند ولويس وكروس، وأول من جرؤ منهم على تدريس الكلاسيكيات أي الدراسات اليونانية والرومانية القديمة هي فاطمة سالم في اللغة ومحمد مندور في الأدب وكان مذ ذاك أيضا شاعرا ومترجما".

16