فاطمة عبدالحميد الكاتبة التي جعلت للمرآة لسانا

منذ عقود والمجتمعات العربية تدفع جل تياراتها الفكرية إلى تحرير المرأة، وإن نجح البعض من هذه التيارات في أن تكون له نتائج في الواقع بالقليل من مظاهر التحرر الجزئية التي نالتها المرأة، فإن هذه التوجهات الفكرية وخاصة ما يمكن تسميته بالنسوية اتجه أغلب عناصره إلى اعتبار حرية المرأة في نقيض الرجل، ما ساهم في إرباك المسار التحرري للمرأة من قبل المرأة نفسها. “العرب” كان لها حوار مع الروائية السعودية فاطمة عبدالحميد حول واقع المرأة التي تكتبها ورواياتها الأخيرة.
الأربعاء 2016/03/02
جدلية الذات والآخر

بدأت الروائية السعودية فاطمة عبدالحميد النشر في موقع القصة العربية الذي يشرف عليه القاص جبير المليجان، ثم أصدرت سنة 2010 عن نادي الشرقية الأدبي مجموعتها القصصية الأولى “كطائرة ورقية”، ثم في 2013 تقدّمت لقارئها عن دار طوى برواية “حافة الفضة”.

ومؤخرا صدرت لها رواية “ةَ النسوة” عن دار أثر. وتعمل حاليا على فكرة يائسة -حسب تعبيرها- تأتي إليها وتظن أنها أملها الوحيد، وبالتالي، فهي تصدّق هذا وتجتهد لتثبت للفكرة ولنفسها قبل الآخرين أنها تستحقها، لذا تترك بابها مفتوحا على كل الاحتمالات.

لسان المرآة

يقول الشاعر فادي سعد “بعد أن أنتهي من كتابة أي نص، ولو كان قصيرا، أقرأه بصوت عال أمام المرآة. أحب أن أتأكد أن صديقي في المرآة راضٍ عن النص”. وهكذا يشعر القارئ لفاطمة عبدالحميد، فلم تعد المرايا بعد رواية “ةَ النسوة” تلك المادة اللامعة المصقولة التي تعكسنا فيزيائيا دون تدخل منا، بل إنها تلك العين اللامرئية الراصدة لحكاياتنا ولهمومنا وانشغالاتنا من زاويتها التي لا يمكن أن نراها.

إننا نتحول في عوالمها الروائية إلى ذلك المرئي غير المرئي، وإلى اللامرئي المشاهد، متذكرين مقولات فلسفية كثيرة تناولت المرآة كحالة وجودية يمكن التعاطي معها كما فعل ميرلوبونتي حين حدّد ارتباطاته مع الصور التي يجد نفسه فيها بين الآخرين.

تحدثنا فاطمة عبدالحميد عن المرآة في “ةَ النسوة”: حين نتحدث عن المرآة نتحدث عن الأنا الداخلي الحميم عند المرأة، فعلاقتنا نحن النساء بالمرآة هي من جعلتها حاضرة كراوية ثانية في محل “سدرة”، حقائبنا لا تخلو منها، وإن خلت استعنا بهواتفنا أو بالمرآة الأمامية والجانبية في السيارة، ليس هوسا بنا، بقدر ما هي علاقة فطرية. نحن نحبها فحسب، وبرأيي لا علاقة لهذا بقوة أو ضعف الثقة كما يحاول البعض أن يمنطقها، وفي الرواية ظهرت في مكانها الطبيعي. لذا فكل ما هنالك أنني وضعت للمرآة لسانا ساخطا، وقلبا يعشق الجمال.

وتضيف: لا أتفق مع فكرة أن صوت المرآة بمثابة الراوي العليم، إذ أنها لم تكن منصفة مع “أزهار” أو “غالية” أو حتى مع الزائرات، ولم تفهم بعض العبارات التراثية التي تتردد في حوارات البنات، وكانت تطلق تحليلاتها مقارنة بعالم المرايا الذي أتت منه، بالإضافة إلى كونها ترانا نحن البشر فئة أقل من معشر المرايا، لذا أراها شخصية مستقلة في العمل.

الرجل والمرأة يمثلان ثنائية إنسانية مشتركة، ولا يمكن عزلهما، أو تمجيد أحدهما على حساب الآخر

وترى عبدالحميد أن بطلتها أزهار بنت غارقة في الاعتيادية، حتى وإن بدت كشخصية مأزومة عاطفيا، خاملة تعيش في الماضي، لأن الماضي بالنسبة إليها مبرر وواضح، أما الحاضر فلا يزال فوق طاقة تكيّفها. تقول ضيفتنا: هذا النوع من الشخصيات الهشة قد يتعثر في مشكلة بسيطة ويراها معضلة كبيرة، ثمّ يبدأ بالدوران حولها، عاجزا عن حلها، لسبب بسيط وهو أن أدوات حل مشاكله قديمة وصدئة، لذا فكل جديد يمرّ بأزهار، تتوقف عنده، تدونه في دفترها لتتواصل من خلال كتابته مع أبيها الميت الذي تحاول أن تجد له منفذا للحياة، ولتمرّ هي من خلاله، ولو من خلال انتصار صغير كتذكير أفراد أسرتها به كلما واتتها الفرصة، أو بالكتابة له في دفترها، واختلاق هذا النوع من الحوار المستمر معه. كل هذه حيل لدى هذا النوع من الشخصيات التي تستمد قوتها من الماضي.

تقول الروائية: أنا متهمة من قبل صديقاتي، صاحبات النظرة المتمركزة حول الأنثى ممن نطلق عليهن عامة النسويات، بممارسة الروحانية مع الرجل في ما أكتب. لكن أنا أراهما ثنائية إنسانية مشتركة، ولا أميل لعزلهما، لصالح أحدهما عن الآخر.

وحسب ظني أن أسوأ ما قد يقال دفاعا عن وجود المرأة هو التغلغل في إنكار الرجل. لا أميل لأن أصور الرجل سيئا إلا من خلال عمل سيء قام به، وليس سيئا فقط لكونه رجلا، فتأتي معه صفات مجانية، كالقسوة والجلافة والعنف والاستبداد. فبعض الرجال أحن وألطف من النساء في تعاملهم، كما جاء في تاء النسوة، والعمل لم يمجد أحدهما (المرأة – الرجل) على حساب الآخر، حتى وإن كانت رواية غارقة في تفاصيل الأنثى.

المرأة والرواية

لا يشغل فاطمة عبدالحميد ملف حقوق المرأة، فهي لا تكتب والمرأة أمامها، لكنها منشغلة بها بمعنى آخر، فهي تتسرب إلى كتاباتها تلقائيا. تقول: تهمني فكرة أن تعي المرأة ذاتها وبالتالي حقوقها مع ما يتلاءم مع رؤاها هي عن حياتها.

الرواية ليست فن التعبير عن الكاتب نفسه بقدر ما يجب أن تكون فن التعبير عن الإنسان عامة
لا أن آتي أنا من بيتي وأفرض عليها رؤيتي لحياتها، إذ كيف أروج لحرية الفكر والاختيار ثم أفرض عليها رؤيتي، وأعود وأقول أمرا قلته من قبل، أنا لا أرى المرأة مقموعة مقهورة، بينما الرجل يجلس في تلة عالية يقشر ثمار الحرية وينعم بها، ثمّ يرمي المرأة ببقايا البذور. هو لا يختلف عنها إلا في الدرجة، وما يمسها من نقص في حقوقها، يمسه تماما، وإن لم يلحظ ما ينقصه من حرية، فذلك لا يعني أنه حرّ.

وفي سؤال عن مدى الحرية التي مارستها في التعبير عن نفسها وعن قلقها وعن أسئلتها في الرواية تجيب عبدالحميد: برأيي إن الرواية ليست فن التعبير عن أسئلتي وقلقي ونفسي، بقدر ما يجب أن تكون فن التعبير عن الإنسان كما لو كنت عرفته تماما، ومخولة للحديث عنه بتجرد مني، فأنا لن أغش فن الرواية والقارئ بقصة واقعية تماما تتضمن أفكاري وآمالي الشخصية وأسئلتي كفاطمة، ولو فعلت هذا يوما سأسميها سيرة ذاتية وليس رواية.

توقفنا مع فاطمة عبدالحميد على واقع الرواية السعودية، وحول استشرافها لها، وعن مدى قدرتها على تشكيل فارق حقيقي يستطيع أن يغير واقعنا. تقول عبد الحميد: أظنني لا أزال في أول الطريق وفي قلب العاصفة، ولست مخولة للحكم بعد على واقع الرواية السعودية، لكن برأيي وما يثير الإعجاب حقا، هو الشغف المتزايد بالقراءة، هذا القارئ المتمرس بعد فترة وجيزة سيحمل مصباحه بنفسه، مستعينا بحدسه وهو يبحث على أرفف المكتبات، ودور معارض الكتاب المتزايدة، لينتقي ما يراه يستحق أن يدخل معه إلى بيته وعقله.

منذ مطلع الثمانينات وتيار الصحوة في السعودية يشكل ارتدادا للحداثة ومعطياتها على مستوى الفنون وحقوق المرأة والفلسفة، وتذهب ضيفتنا إلى أنه لا يمكن أن تسمي تيارا ينتمي إلى الموت ويحارب الحياة بتيار صحوة. تقول: سنوات التغييب انتهت، فلم تعد العقول خاملة، فالطفل لا يخيفه وحش تحت السرير بينما الوحش يظهر على رأس الساعة في الأخبار، وبات يعرفه جيدا. لذا من تمكن في ما مضى لن يتمكن مرة أخرى، لأننا رأينا أثر مخرجاته علينا وعلى العالم أجمع، اليوم المرأة متواجدة وحتى الكتب المحظورة بإمكانك تحميلها في غضون دقائق.

15