فاطمة لوتاه المسافرة بين عالمين بخطى إماراتية

الفنانة الإماراتية فاطمة لوتاه تعرف أن وجهها الحقيقي لا يمكن أن يختصره ظهورها في لحظة بعينها، وهي لا تفكر بهويتها ما دامت تعمق في كل لحظة تفكير صلتها بالرسم.
الأحد 2018/08/26
احتضنت الألم من أجل الجمال

تقيم في بيئتين. في ثقافتين. في عالمين وليس بينهما. نجحت في أن تجمع غربتها وحنينها في سلة واحدة وهي السلة ذاتها التي جمعت فيها الصحراء والغابة في خيال عالمها.

لا تفكر بهويتها ما دامت تعمق في كل لحظة تفكير صلتها بالرسم. سيكون لديها دائما فائض من الأحلام يكفي لكي يهب التجريد الذي تمارسه بدعة وخفة قوة تؤكد من خلالها هويتها التي تستمد عناصرها من شخصيتها.

المرأة التي انتصرت على الضياع بالرسم كانت متمرّدة على كل شيء. على الرسم أولا. منذ بدء مسيرتها الفنية توزعت اهتماماتها بين الرسم وفن الأداء. وهو ما جعلها تنعش حياتها بالحركة، ما أضفى على رسومها طابعا حركيا.

الفنانة الإماراتية فاطمة لوتاه تعرف أن وجهها الحقيقي لا يمكن أن يختصره ظهورها في لحظة بعينها. وجهها هو كل الوجوه التي ظهرت من خلالها. لذلك تفضل أن تلعب مع الأطفال في ورش عمل، تستعيد من خلال تلك الورش براءة وجه أخذته مرايا تحولاتها.

مشت على المسرح بقدمين واثقتين وشغفت بالشعر باحثة عن لحظة توازن بين العقل والعاطفة. من المسرح والشعر وصلت إلى الرسم محمّلة بخيال الصور، بظلالها التي كانت تشكّل خزينا وجدانيا في ذاكرة، ستكون مفتوحة على شوارع لا تنتهي في مدن لا تتشابه.

وحين استقر بها الحال في فيرونا الإيطالية لم تلتفت إلى بلادها باعتبارها البلاد التي هناك. فلا شيء مع الرسم يسمح بالنسيان. لم تلجأ إلى فكرة أن تكون وسيطا أو أن تنشئ عالما وسطا. أبقت كل في مكانه حين أدركت أن كل ما تحتاجه أن تكون لها خطوتان. خطوة هنا وخطوة هناك.

أما أين الهُنا وأين يقع الهُناك؟ فهو سؤال لم تشعر بالحاجة إلى البحث عن إجابة عليه. سيكون الـ(هنا) معها أينما كانت.

Thumbnail

مغامرة لوتاه في الحياة هي ذاتها مغامرتها في الرسم. رحيل مستمر في المكان الذي يُسمى مجازا، غير أنه لا يملك اسما حين يتعلق الأمر بحقيقته الروحية. أن تكون مسافرا دائما فإن شيئا من التحليق يعلق بروحك كما لو أنه جزء منها.

لوتاه المسافرة بين مكانين وثقافتين وعالمتين تعرف أن كل ما تفعله يمكن اختصاره بتلويحة روح هائمة.

فنانة الأداء الغاضبة

ولدت لوتاه في دبي عام 1955. منذ طفولتها كان الرسم خيار حياتها الوحيد. بعد سنة قضتها في بغداد في دراسة الفن قررت لوتاه الانتقال إلى الولايات المتحدة لدراسة الفن هناك بدءا من عام 1979 لتنهي دراستها عام 1983. بعدها ذهبت لوتاه إلى إيطاليا لتدرس وتقيم في مدينة فيرونا. لا تزال هناك حتى هذه اللحظة بالرغم من أنها لم تغب عن بلدها الإمارات.

ما تعلمته في بغداد يُعدّ أساسيا في تجربتها الفنية. هناك تعلمت قواعد الرسم وأحبت بغداد كما لم تحب مدينة أخرى. سنوات الدراسة الأميركية فتحت أمامها أبواب الحرية في اتباع الأساليب الفنية وصولا إلى ما يمكن أن تعتبره علامتها الشخصية. أما في إيطاليا فإنها تعرّفت على الفنون المعاصرة وبالأخصّ فني الحدث والأداء الجسدي “بيرفورمنس”.

مزجت لوتاه بين الرسم وفن الأداء، فكانت ترسم أمام الجمهور بعد أن تكون قد اختارت القضية التي يتمحور حولها ما سترسمه وهي تؤدي أمام الجمهور دورها الحقيقي. وغالبا ما كانت حكاياتها عن النساء.

بعد سنوات الثمانينات من القرن الماضي التي قضتها وهي ترسم بغضب توقفت لوتاه عام 1991 عن الرسم ولم تعد إليه إلا عام 2000. عرضت أعمالها في باريس مرات عديدة غير أنها تشير باعتزاز إلى تجربة العرض المشترك مع الشاعرة والرسامة ميسون صقر القاسمي في قاعة اليونسكو. أقامت لوتاه معارض شخصية في عدد من المدن الإيطالية، غير أنها حين أقامت مرسمها الشخصي جعلت منه قاعة لعروضها.

Thumbnail

حين صارت تعود إلى بلدها الإمارات في زيارات منتظمة أقامت عددا من المعارض كان أهمها “غزل” و“نساء بعطر العود” غير أن اهتمامها بالجانب التفاعلي في الفن دفعها إلى إقامة صالة للعروض الفنية في دبي، صارت تستضيف تجارب فنية قادمة من مختلف أنحاء العالم.

ابنة الحياة بمفاجآتها

لوتاه فنانة تجريبية. لا تصل إلى شيء حتى تتركه من أجل البحث عن شيء آخر. فهي وإن كانت تنظر بتواضع شديد إلى صفتها فنانة فإنها تركز على حقيقة أن الفنان يقود جمهوره في عملية تفاعل جمالي لن تنتهي. ذلك لأن الطرفين، الفنان وجمهوره يستمران في خوض مغامرة مجهولة النتائج. “نعرف الباب ولا نعرف إلى أين يؤدي” تقول الفنانة وهي تصف ببلاغة علاقة الفنان بالفن.

كما في حياتها فإنها في رسومها تقيم علاقات بين متناقضات. وهي لذلك تميل إلى الأسلوب التجريدي. من خلاله يمكنها أن تكون في عالمين باعتبارها مواطنة كونية. ولأنها تقيس الأمور كلها من منطلق روحي فقد كانت كل لحظة رسم تساوي لحظة عيش والعكس صحيح أيضا.

 تتحول في كل لحظة عيش ويتحول أسلوبها في كل لحظة رسم. لذلك فإنها حين عادت إلى مدينتها وقد صارت أخرى استعادت الروح الخارقة التي تجسدها الصحراء، هناك حيث تقيم ذاكرتها البصرية التي لم تمح تفاصيلها الأسفار. ما من شيء رسمته في حياتها إلا وكان للصحراء نصيب فيه. تلك ذاكرة لا تليق إلا برسامة من نوع لوتاه، تتغير كلما استجد شيء من حولها. إنها ابنة الحياة التي تعدنا بما لا نتوقعه من مفاجآت.

Thumbnail

كل عطر يعيدها إلى البيت

في معرضها “غزل” الذي أقامته في دبي عام 2009 وكانت قد أقامته في وقت سابق في فيرونا اكتشفت لوتاه الفرق بين أن يكون الفنان حروفيا في العالم العربي وبين أن يعرض لوحات حروفية في الغرب. كان ذلك الاكتشاف بداية لتعرفها على متلقي أعمالها العربي. وهي تجربة سنصفها بالصعبة غير أنها كانت ضرورية بالنسبة لها. ذلك لأنها في محصلة ما فعلته كانت تستلهم عالما يقيم فيه ذلك المتلقي.

النساء اللواتي رسمتهن كنّ نساء ذلك العالم.

ما من عطر مر بها إلا وذكّرها بالعطر الذي كان أبوها يتركه في بيتهم بعد خروجه. إنها كائن يخترقه الحنين بطريقة مختلفة. طريقة لا يظهر عليها أي أثر من ميوعة رومانسية. تعلمت لوتاه الحنين الواقعي وهذبته. وها هي ترسم نساءها كما لو أنها تثني على تولوز لوتريك.

هناك ما هو ثابت في تجربتها. ذلك عالم تكشف عنه لوحاتها. وهناك ما هو متحرك وهو ما نستدل إليه من خلال أعمالها بتقنية الديجيتال.

لوتاه ليست من النوع الذي يغريه البقاء في مكان واحد، حقق من خلاله شهرة من نوع ما. ما يهمها أن تكون موجودة في قلب حدث، يمسها إنسانيا. وهو ما وجدته في متابعة أحوال الشعوب في منطقتنا.

حققت من خلال رسومها بتقنية الديجيتال والتي كانت تنشرها على وسائط التواصل الاجتماعي ما كانت تحلم به. الفنان باعتباره كائنا تفاعليا. فهي تتفاعل مع الحدث وتصنع حدثا يتفاعل معه جمهورها. وهو جمهور لم يتح لها من قبل التعرف عليه ومن المؤكد أنها لن تراه.

اخترعت فاطمة لوتاه لغة رفيعة للتواصل من أجل أن يكون الجمال هو الهدف.

9