فاعلية التأمل وانعدام المواكبة

الأحد 2016/07/10

في ضوء المتغيرات الكبيرة في أنماط الحياة المعاصرة، هل تغير مفهوم الثقافة المتعارف عليه؟ أقصد هل بقيت المفاهيم الثقافية على ما هي عليه منذ مطلع القرن العشرين حتّى يومنا هذا؟

في الواقع مازال الكثير منا يعتقد بأن الثقافة، بأنماطها الكلاسيكية المعتادة، يجب أن لا تتغير، وفق رؤية معيارية عذرية إن جاز التعبير. لكن ما هو تأثير الأنماط المستحدثة للثقافة في الحياة المعاصرة، بعد ثورة التقنيات الحديثة وانفجار المعلوماتية وإتاحة الوسائل المعرفية للجمهور؟ ما هو دور الفنون الغرافيتية التي خرجت بالفن التشكيلي إلى الشوارع مثلاً؟ أو دور هذا الفن في التفاعل مع الجمهور وقدرته الفذّة في التعبير عن رغباته؟

ما هو دور عروض الأزياء المبهرة وتطورها وصرعاتها وتداخلها مع الفنون الأخرى؟ ما هو دور الألعاب الإلكترونية الحديثة وتطورها المدهش وقدرتها على الإبهار وجذب جمهور اليافعين إليها؟ ما علاقة هذه الفنون الجديدة بالاقتصاديات بشكل عام؟ وكيف ستتمكن الأنماط الكلاسيكية للثقافة من الاستمرار والصمود في المنافسة، متسلحة فقط بالإخلاص لفاعلية التأمل؟ في الواقع تتطور الأنماط من حولنا يومياً حتّى لا نكاد نلم بها جميعها من فرط تجددها، ومازالت الثقافة الكلاسيكية تفقد المواقع تلو المواقع يومياً.

ولعل تلك الإشكالية تتبدى بشكل أكثر وضوحاً في عالمنا العربي نتيجة لبطء النمو والتطور وعدم القدرة على التفاعل مع المتغيرات المتسارعة.

قبل أشهر دعتني صديقة هولندية من أصل سورينامي تعمل في مجال تصميم الأزياء إلى خوض تجربة مختلفة لا تخلو من تمرّد ومغالاة في النمط والذائقة، وهي طباعة لوحات غرافيكية صممتها بوحي من الدمار الذي تشهده بعض مدننا العربية مثل بغداد والرمادي وحلب وغيرها، على مجموعة أزياء صيفية تنوي عرضها لاحقاً، فكانت النتيجة، في النماذج الإلكترونية على الأقل، مزيجاً هجينا من فنون الرسم والخط والكاليغرافي والفوتوغراف وتقنيات النسج وتصميم الأزياء من جهة التشكيل، وهجين من صور الخراب والدخان والحجارة وكتل الإسمنت المتناسقة وفق خطوط الموضة الصيفية من جهة التعبير، حتّى أن حجارة قلعة صلاح الدين المبعثرة على شكل خط منساب عبر قوس الخصر تمتدّ لتلتقي بصفائح مصفى بيجي الملتوية بفعل تأثير الانفجارات تحت حمّالات الصدر وعند السرة. ما أردت قوله إن تلك السلوكيات والابتكارات الجمالية الجديدة مازالت تتحول ببطء لكن بإصرار، من صراعات متناثرة هنا وهناك إلى أنماط ثقافية جديدة في محاولة لمواكبة ذائقة الجمهور المتجددة بفعل نمط الحياة المعاصرة المتسارعة، كما أن التحكم بتوجهات ذائقة الجمهور وعوامل استثمارها لصالح الفنون الجديدة قد تغيّرت هي الأخرى بفعل تعاظم دور مواقع التواصل الاجتماعي وتحوّل بعض المدونين، على سبيل المثال، إلى قاطرة تسحب قطار الذائقة الجمعية وراءها بسبب كثرة المتابعين لها الذين تفوق أعدادهم في بعض الأحيان الملايين من الشباب والمراهقين.

إن التغير الكبير الحاصل في طبيعة العلاقات الثقافية الجديدة وأنماطها وقدرتها على التأثير بات يتطلب إعادة النظر في مفهوم الثقافة الكلاسيكية، كما أن عملية إنتاج ثقافة قابلة للتأقلم مع تلك الأنماط الجديدة بات يلزمه ابتكار أشكال جديدة وأدوات جديدة قادرة على التفاعل ومتحررة من الاشتراطات المسبقة كالقصة القصيرة والرواية والقصيدة واللوحة التشكيلية، كي لا تبقى الثقافة ممارسة للنخبة وحسب.

إن تفعيل النصوص المكتوبة والانتقال بها إلى أنماط إبداعية أخرى هو أحد الأساليب التي باتت معروفة، مثل اقتراب النص السينمائي أو الدرامي ـالسيناريوـ كثيراً من النص الأدبي الصرف، ليصبح نمطاً مبتكراً يحظى بجمهور أوسع من جمهور القرّاء، والأمثلة كثيرة في هذا المجال.

كاتب من العراق

13