فاقد الحداثة يثرثر حولها

الخميس 2015/02/05

نادرا ما نسمع رجال ونساء الممارسة السياسية والفكر السياسي في الغرب، أكانوا محسوبين على اليمين أو اليسار، أم بين بين، بمعنى الوسط، يكثرون في خطبهم من ترديد تلك الكلمات الكبيرة والرّنانة، من قبيل الحداثة والحرية والديمقراطية والحوار والنزاهة والشفافية وحقوق المرأة وحقوق الإنسان إلخ. بل قد يستغرق الخطاب السياسي نصف ساعة أو يزيد دون أن يتضمّن ولو كلمة واحدة من تلك الكلمات.

غير أنّ اللامنطوق هنا، اللامعلن، اللامصرح به، يُعاش ويُمارس في كل مستويات الحياة العمومية، بدءا من الجمعيات الأهلية وانتهاء بمؤسسات الدّولة ووسائل الإعلام.

وفي مقابل ذلك، لا يكفّ رجال ونساء الممارسة السياسية والفكر السياسي لدينا عن ترديد تلك المفاهيم في كل مناسبة أو دون مناسبة، فتسمع في الخطاب الواحد كلمات برّاقة تتطاير يمينا وشمالا، من قبيل الحرية والحوار والمساواة والديمقراطية التشاركية والحكامة الجيدة، تسمعها تتردّد عشرات المرات، إلى حد الثرثرة المملة أحيانا، لكن نادرا ما تجد أثرا لذلك في مستوى الواقع المعيش.

هذا عن السياسة، لكن قس على ذلك بالنسبة لسائر مناحي الحياة. مثلا، في الأغاني الغربية قد لا تتردد كلمة حب في الأغنية الواحدة لأكثر من مرة أو مرتين على أكثر تقدير، وقد لا ترد في الألبوم الغنائي للمغني الواحد إلا قليلا، غير أنّ المدلول يظهر في ما وراء الكلمات، بين نبرات الصوت، في تضاريس الجسد، عبر التواءات الرقص، ومن خـلال بريق الأضواء إلـخ.

أما عندنا فكثيرا ما تتكرر كلمة الحب في الأغنية الواحدة عشرات المرّات، لكنها أخيرا أو بمحض الصدفة لا يظهر لها أيّ أثر يُذكر في مستوى الصورة الإبداعية.

فعلا، فاقد الشيء لا يعطيه، لكنه قد يثرثر حوله.

يقال، إن الثقافة هي ما يبقى بعد أن ننسى كل شيء. طيب، أمامنا اقتراح عملي الآن: لنحاول أن ننسى بعض المصطلحات الكبيرة والرنانة ولو للحظة واحدة، لعلنا نسترد بعدها بعض المعاني الحقيقية لتلك الكلمات ولو للحظات. لأنني شخصيا، أخشى ما أخشاه أن يصبح المشروع الحداثي عندنا بدوره مجرّد ظاهرة صوتية.

24