فالنتينا ماتفيينكو شيوعية قديمة يعاقبها العالم بسبب دعمها لبوتين

الأحد 2016/02/14
ماتفيينكو أول امرأة في تاريخ روسيا تتقلد منصبا حساسا

بروكسل - اجتماع في تل أبيب بين الرئيس الإسرائيلي ورئيسة مجلس الاتحاد الروسي، خلال زيارة الأخيرة إلى عدّة دول في الشرق الأوسط. هذا خبر في عرف الصحافة، والخبر يغدو حدثاً عندما يتضمن البيان الختامي للاجتماعات الثنائية تطابقاً في الرؤى بين موسكو وتل أبيب في ما يخص الكثير من قضايا المنطقة وبالأخصّ حول المسألة السورية.

ففي ظل ما يحدث في الشرق الأوسط عموماً، من هزّات عنيفة تكاد تطيح بالجغرافية الثابتة منذ قرون، تبرز السياسة الروسية كمتحوّل في النقاط الثابتة من زاوية رؤية موسكو التي تخضع أيضا للقبضة الحديدية التي يمسك بصمامها الرئيس فلاديمير بوتين.

لا شك هنا أن النظام الروسي في بنائه، يقوم على الهرمية. وهي فكرة شيوعية قديمة أعاد إحياءها وترسيخها بوتين وشريكه ديمتري ميدفيديف، وإلى جانبهما كثير من قادة المؤسسات الحكومية التي أضفت الشرعية للقرارات الرئاسية. فكان بوتين الرئيس الماهر في السير على الحبال الدبلوماسية بمهارة لاعب السيرك الذي لا يقع بالرغم من تورطه العسكري في بلاد عديدة.

في السنوات الأخيرة، وقفت الإدارة الروسية بحزم خلف الأنظمة الحليفة لها في الشرق الأوسط. ربما يبرز هنا دفاع موسكو المستميت عن النظام السوري الذي ارتكب جرائم حرب واضحة. ذلك الدفاع الذي بدأ بإدارة الملف سياسياً في أروقة الأمم المتحدة مروراً بمفاوضات جنيف الماراتونية، ووصولاً إلى القرار العسكري الذي بموجبه صارت طائرات السوخوي تجوب سماء المدن السورية في احتلال علني. احتلال لم يكن الأول من نوعه روسياً، فقد سبقه تدخل بري وضم لشبه جزيرة القرم الأوكرانية عقب الثورة التي أطاحت بنظام الحكم هناك.

موسكو التي طالما اعتمدت على سياسة الأذرع الممدودة من بعيد، لم تكتف بالوقوف جانباً بانتظار ما قد يتمخّض عنه الربيع العربي. بل دخلت لاعباً رئيسياً فرض إرادته التي أدت إلى إطالة عمر الدكتاتورية السورية وأدت إلى نشوء دكتاتوريات طائفية ودينية وعرقية جديدة.

لعبة السياسة

في سبيل تحقيق الإرادة الروسية ـ القديمة المتجددة، مارست موسكو لعبة السياسة على أصعدة عدة. بدأت بخلق مراكز ثقل لها في الكانتونات الجديدة على الأرض، وفي صفوف المعارضات الناشئة. ولم تنته عند حد خلط الأوراق في لعبة المفاهيم الجديدة، مروراً بالتنسيق العسكري الذي شمل تل أبيب، التي طالما تغنى النظام السوري الحاكم بنظرية المقاومة والممانعة ضدّها.

ماتفيينكو الروسية القوية تبرز في زيارتها لتل أبيب تناغم المواقف بين تل أبيب و موسكو في ما يتعلق بقضايا المنطقة وبالأخص حول الملف السوري

لم تدّخر موسكو أيّ جهد يؤدي لتحقيق أهدافها التكتيكية والاستراتيجية، تلك الخطة سارت على اتجاهات عديدة، تولّى الترويج لها قادة مراكز أبحاث وسياسيون أوفدتهم قيادة الكرملين مراراً إلى منطقة الشرق الأوسط. آخر تلك الزيارات المكوكية كانت لرئيسة مجلس الاتحاد الروسي فالنتينا ماتفيينكو التي التقت مؤخراً بالرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفيلين، الذي أكّد عقب المباحثات على تناغم الرؤى بين موسكو وتل أبيب فيما يتعلق بالكثير من القضايا أبرزها مفهوم الإرهاب والقضية السورية.

لتكون الصورة الفانتازية على الشكل التالي؛ تل أبيب التي يقودها مجرمو حرب، وموسكو التي تدعم مجرمي حرب آخرين في سوريا، تربطهما علاقة تقوم على رفض البلدين لمسألة تزوير التاريخ وتمجيد أنصار الفاشية وإنكار الهولوكست. فضلاً عن الانفتاح التام للتنسيق المشترك في العمليات ضد الإرهاب.

العمل في مظلة الشيوعية

في السابع من أبريل من العام 1949 ولدت ماتفيينكو في بودولوسك بجمهورية أوكرانيا الاشتراكية ذلك الوقت، في المنطقة التي تعرف اليوم بخميلنيتسكي. عاشت الطفلة في كنف أب انخرط في الجندية، وسرعان ما فارق الحياة بينما كانت فالنتينا في السنة السابعة من عمرها، وأم امتهنت تصميم الأزياء بالمسارح الأوكرانية. أمضت العائلة مراحل طفولة ابنتها الأولى في تشيركاسي التي أكملت فيها فالنتينا دراسة الثانوية والكلية الطبية. لتقودها خطواتها نحو معهد لينينغراد للعلوم الكيميائية والدوائية. تلك الدراسة التي مهدت لها الطريق نحو عملها في اللجنة الإقليمية بالكوموسول. وظيفتها لم تثنها عن حلمها الأول بالعمل السياسي والدبلوماسي، حيث انضوت بين صفوف الحزب الشيوعي الذي مكنها من الدخول إلى أكاديمية العلوم الاجتماعية التابعة له فضلاً عن إخضاعها لدورات مكثفة في الأكاديميات الدبلوماسية.

المرأة التي تتحدث الروسية والأوكرانية والألمانية والإنكليزية واليونانية، اندفعت بثقة نحو المناصب التي بدأت مع سبعينات القرن الماضي، في مقاطعة كوموسول مروراً برئاسة لجنة الحزب الشيوعي في لينينغراد في منتصف الثمانينات. لتصبح نائباً لرئيس اتحاد المرأة ورئيساً للجنة المرأة والأسرة والأمومة والطفولة في المجلس الأعلى للاتحاد السوفياتي سابقاً.

العقوبات الدولية التي تفرض على ماتفيينكو ورموز عديدة في الإدارة الروسية تستثني الرئيس فلاديمير بوتين صاحب القرار الأول والأخير

التحدي في سانت بطرسبرغ

في الحادي والعشرين من سبتمبر لعام 2003 خاضت ماتفيينكو الجولة الأولى من الانتخابات المبكرة لمنصب محافظ سانت بطرسبرغ. لتكسب فيها بنسبة 63.12 بالمئة من الأصوات.

حياتها العملية في سانت بطرسبرغ أعطتها اتصالاً حقيقياً مباشرا مع دائرة الحكم في موسكو. ما أتاح لها القدرة على تجاوز الكثير من العقبات الداخلية، كان أبرزها قرار إزالة المباني التاريخية، بعد طلبها استبعاد سانت بطرسبرغ من قائمة المستوطنات التاريخية، كي ترفع سقف الإنشاء فيها، الذي طال مركز المدينة القديمة من خلال إعادة تركيب خطوط القطار وتشييد ناطحات السحاب.

واستمرت ماتفيينكو في منصبها كحاكم لسانت بطرسبرغ إلى أن وافق الرئيس الروسي على استقالتها الاختيارية بعد ثماني سنوات متواصلة تخللها انضمام ماتفيينكو إلى صفوف حزب روسيا المتحدة.

بعد استقالتها لم ترتكن ماتفيينكو إلى الحياة الهادئة. بل عادت مرشحة من مجلس الشيوخ لمنصب رئاسة مجلس الاتحاد الروسي، وهو المجلس الاستشاري الأعلى في الجمعية الاتحادية الروسية. حيث تم إنشاؤه وفقاً لدستور عام 1993 ويتولى مهمة التنسيق وتقديم المشورة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في الأقاليم الروسية.

وصلت ماتفيينكو إلى موقعها الجديد باكتساح الأصوات بلا منازع بنسبة وصلت إلى 140 صوتا، لتكون بذلك أول امرأة في تاريخ روسيا تتقلد هذا المنصب.

روسيا وملء الفراغ

مع بداية ما عرف بالربيع العربي، برزت سياسة روسيا الاتحادية بصورة جديدة في ما يتعلق بالقضايا التي تتصل بمصالحها. في ظل الانكفاء الواضح لإدارة باراك أوباما الأميركية. فالسياسة الروسية العالمية يمكن فهمها عبر ثلاث مراحل، الأولى تلك التي انتهت بالثورة البلشفية الروسية عام 1917. والثانية امتدت في ظل الاتحاد السوفياتي الذي سقط عام 1991. لتبدأ مرحلة روسيا الاتحادية التي انشغلت بإعادة ترتيب البيت الداخلي وما يتعلق به من قضايا أمنية وسياسية واقتصادية وعسكرية.

السياسة الروسية تبدو كمتحول في النقاط الثابتة في العالم، من زاوية رؤية الكرملين التي تخضع للقبضة الحديدية للرئيس فلاديمير بوتين. وفي سبيل تحقيق الإرادة الروسية ـ القديمة المتجددة، تخلق موسكو مراكز ثقل لها في الكانتونات الجديدة على الأرض

تلك السنوات العجاف الأخيرة اقتصرت فيها موسكو على طريقة الإدارة البعيدة عبر نقاط ارتكاز، تعمل على تحقيق أهداف مباشرة تتعلق بالخطة الاستراتيجية لوجود الدب الروسي في منطقة الشرق الأوسط. وجود تهدد بقاؤه مع انطلاق الثورات العربية، مما دفع موسكو إلى تغيير خطتها في التعامل مع الأزمات التي انطلقت من أوكرانيا أولاً، حيث منح مجلس الاتحاد الروسي الذي تقوده ماتفيينكو تفويضا لبوتين بالتدخل العسكري في شبه جزيرة القرم، في خطوة أضفت شرعية على لقرار الرئيس، خلال اجتماع طارئ لمجلس الاتحاد، ما دفع باسمها إلى قائمة العقوبات الأميركية والأوروبية والسويسرية والأسترالية والكندية. وقد نصت تلك العقوبات على حظر دخولها أراضي تلك الدول، فضلاً عن مصادرة ممتلكاتها وأصولها فيها بسبب دعمها لموقف بوتين بانتهاك السيادة والسلامة الإقليمية للدولة الأوكرانية من بوابة شبه جزيرة القرم. الغريب هنا أن العقوبات المذكورة شملت رموزا عديدة من صانعي القرار في الإدارة الروسية باستثناء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صاحب القرار الأول والأخير.

روسيا الجديدة

مع بداية التسعينات وانهيار الاتحاد السوفياتي ونشوء الاتحاد الروسي الجديد، انتقلت ماتفيينكو للعمل بين كوادر وزارة الخارجية حيث شغلت مناصب عديدة أبرزها سفيرة لروسيا في مالطا. ثم مديراً لإدارة العلاقات العامة بوزارة الخارجية بموسكو، ثم شغلت عضوية مجلس الإدارة في وزارة الشؤون الخارجية الروسية لتختم تلك المرحلة بدرجة سفير مفوض فوق العادة ممثلة لموسكو ببلدان عدة مع نهاية التسعينات.

تولت منصب النائب الأول لرئيس الحكومة الاتحادية الروسية. ذلك المركز الهام أتاح لها الدفاع بشكل مباشر عن أفكارها، في ما يتعلق بالنظام الاجتماعي الذي يدعو له الحزب الشيوعي. حيث ساهمت خلال فترة وجودها ضمن الخط الأول لصناعة القرار الحكومي بالعاصمة الروسية، بزيادة الأجور وسداد الديون طويلة الأجل على الأجور والمعاشات التقاعدية. نجاحات الإدارية تركت آثارها واضحة على العامة التي بدأت تلمس تحسناً ملحوظاً عقب الانخفاض الحاد الذي أصاب قيمة الروبل الروسي مطلع القرن الجديد.

8