فانتازيا العيش في حذاء ضيق

الخميس 2015/04/09

مَن منا لم يجرب دسّ قدميه لسبب ما في حذاء ضيق، قد تكفي لحظة واحدة لتختلط المشاعر كلها كأن العالم يحشر في زجاجة، وتكاد تصرخ ألما، وتقرر ألا تشتري أبدا حذاء ضيقا لأنك مع كل خطوة لن تفكر بشيء غيره، وتكمن المصيبة حين يتحول إلى قدر يجب عليك البقاء فيه.

ضمن فانتازيا المقاربات الذهنية التي تجعلك في كل خطوة تفكر بذلك الألم الذي يسببه لك حذاء جميل وفاتن وضيق، فإن فتنة البلدان ليست أكثر بعدا، أما بالنسبة إلى سوريا فليست أقل ألما، وهذا ليس طارئا بالنسبة إلى المواطن السوري الذي عاش أربعين عاما حالة ثبات الخوف والذل والصمت المرير كأنه واقعا داخل تمويت إلزاميّ، لينتفض منذ خمسة أعوام، تراوده الظنون بصنع حياة أفضل على الأقل لأولاده، ويداعبه أمل الخروج من ذاك الضيق المؤلم، والاستيقاظ من غفوة المصير المحتوم بأنه لا أحد يذكر، حمل أوراقه وبدأ يرسم النهايات الجميلة، يغير كل شيء؛ القوانين والدساتير والوجوه والأفكار البالية، ليبني وطنا يتسع لحلمه ولآماله الكبيرة في المستقبل.

ارتجف كل شيء أمام المواطن السوري في لحظة، فقد صار بلده طافحا بالوقائع، وحافلا بالمتغيّرات المتسارعة التي حولت هوامش الحلم إلى كابوس ضيق يحمل أثقالا ومآزق ومشكلات قديمة، وآنية وقادمة، أغرقته في حسابات مستحيلة، يلتقط التحليلات والتخيلات و”الخربطة” يراجعها جيدا، ويختلط عليه الاتجاه بين الطيران والغرق بحيث ينام مؤمنا بقوة الحق والشعب والمعارضة، ليستيقظ مؤمنا بأنهم أعجز مما يتوقع.

لقد تورمت الرؤى كأصابع قدم دست داخل حذاء ضيق، وانهال عليها التصنيف اللغوي المبدع “مندس، وبوق، ورمادي، إرهابي وخائن، وشبيح ومنحبكجي، وداعشي ونصيري”، ليسقط من هول معجم الوصف واللغة المرنة ملجوم اللسان، ويعود إلى حالة الانطواء المرّ معلقا آماله على النهايات لخطوات تكتب بالدم المحتقن، فأمراض بلده يدرك خفاياها ويعرف زواياها جيدا كجسد الحبيبة. يعرف الموالين وأمراضهم وغايتهم وولاءهم، ويعرف معارضة بلده الهزيلة ومآربها و”كتالوغ” حركتها الضيق، وأنها لم تكن، يوما، قادرة على الحمل ولا على التوليد خارج برج دماغها.

أعوام أخرى، مدن تنهار، وأفكار تصدح وجنون متورم في كل صوب يزرع شظايا أجساد مبعثرة شظايا كلمات كثيرة، ينتقل الألم فيها من حالة إلى حالة، تنطلق ميليشيا القتل، تتعدد الأسماء والفعل واحد، ميليشيات الموت أعلنت القتل “بين الجهاد والجهاد ضد الجهاد” لكل شيء ولكل شكل.

تقود فانتازيا العبث واقعها، تخلط الأوراق والدماء والبراميل والانهيار والنزوح والمخيمات والفقر والإعانات، والجميع يمد رقبته المتورمة من انحباس الدم نحو الرضوخ لموت الأمل، وضياع الحلم في وطن أكبر قليلا يعيش فيه، تتحرك الأفواه ضمن استعراض إعلامي شامل بين من ينكر ويدين، ومن يؤيد، بين مراقبين دوليين، ودول، ودولته لا تشبه الدول، إنها التاريخ العظيم للحضارات وللأديان ولقتل الإنسان.

إنها معضلة ألم سوريّة بامتياز، تتمترس خلف الآراء والمباحثات التي شل دماغها التورم ورائحة الأقدام الشنيعة، وبقي المواطن السوري وحده يلملم جلده ويحتمي به من بؤس المواعظ الخاوية عن الأخلاق والانتماء وحقوقه كمواطن، ويغرق في قناعته بأن الرهان على الموجود هو رهان فاشل، وأن هذا الحذاء الضيق والمؤلم لن يمكنه يوما انتزاع قدميه منه وسيحمله معه أينما رحل.

كاتبة ورسامة سورية

9