فان غوخ اللبناني يتحدى التوحد برسم مئة لوحة

تظهر مئة لوحة فنية لطفل لبناني في الثامنة من عمره، كيف أن الحواس الخمس لمريض التوحد تعمل بشكل مختلف عن حواس البشر العاديين، حيث يذّكر الطفل جميل حرب الكثيرين بأشهر الفنانين العالميين الذين ميزهم هذا المرض ليصبحوا مواهب غير عادية مثل الرسام الهولندي فينسنت فان غوخ.
الأربعاء 2017/02/08
التوحد لا يمنع جميل ابن الثامنة من التحليق في عالم الرسم

بيروت- ببراءة طفولية تصحبها همهمات غير مفهومة، يرسم اللبناني جميل حرب ابن الثمانية أعوام المصاب بالتوحد لوحات تشي بالكثير من الأحاسيس والتفاعل مع أشكال وألوان ينقلها من عالمه الخاص إلى ورق الرسم الأبيض. وأقام جميل حتى الآن معرضا فرديا كبيرا كما شارك في معرضين مع فنانين مخضرمين. وصفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تلاقي شعبية كبيرة لا سيما بين متذوقي الفن.

ويرسم جميل بيديه الصغيرتين يوميا العشرات من اللوحات باستخدام مواد مختلفة تحت إشراف والدته رنا قاروط، التي ترافقه في نزهاته الفنية الزاهية وترى في هذه الهواية التي تحولت إلى شغف صلة وصل فنية بينها وبين ابنها المختلف من حيث العالم الذي يحضنه ويزخرف أحلامه البعيدة. وتقول رنا المفعمة بالأمل إنها تعيش “هذا النشاط البيتي” كما تصفه وقد تحول مع الوقت “إلى غرام.. وأيضا إلى انتقام غير مقصود من المأساة والحزن والتعاسة والنظرة السطحية والتافهة إلى الطفل المتوحد وإلى والدته وحياتهما”.

وأضافت “لا أعرف إن كان ما يقوم به جميل هو رسم حقيقي أو مجرد تخريج لطاقته على الورق من خلال الألوان أساعده فيه فتظهر هذه الأشكال البديعة”. واكتشفت الأم النزعة الفنية لدى ابنها المصاب بالتوحد خلال صيف 2015، وتقول “لاحظت تعلق جميل بالمواد اللزجة كالشامبو وسائل الجلي.. يسكبها على البلاط ويمرغ بها جسمه. في تلك الفترة أحب جميل أيضا اللعب بالحبوب الجافة وجرت العادة أن يكمشها وينثرها على الأرض”.

وكان جميل قد تلقى هدية من صديقة للعائلة هي عبارة عن مجموعة من الألوان المائية وفرشاة رسم ودفتر كبير. تعلق رنا قائلة “فكرت عندئذ أن أساعد جميل لينقل ما يقوم به من على الأرض إلى الورق”. وتشير الأم إلى أنه من الصعب أن يمسك جميل فرشاة الرسم أو أن يعمل بنظافة وتنظيم وتقول “أراد منذ اللحظة الأولى أن يعمل بيديه بفوضى أو حرية، غير مهم أن نحدد، المهم أن ثمة شيئا بديعا أحسسته ورأيته يتكون”.

وقالت الأم إن في اللقاء الأول مع المواد الفنية غير التقليدية “كان جميل يرفرف بيديه على البياض ويطرقه طرقا مبهما في إطلالته فيتلون كأن سحرا مسه.. واليدان عندما تجمحان أمسكهما له وأهدئ من روعهما وأعيدهما من الفراغ والهواء إلى السطح الأملس″. ومضت رنا قائلة إنه عندما صنع ابنها المجموعة الأولى من لوحاته وضعتها في الشرفة لتجف، وبعد أن جفت بدت رائعة كأنها لفنان حقيقي فصورتها وشاركتها مع أصدقائها على صفحة خاصة بجميل على موقع فيسبوك خصصتها للحديث عن يومياتها مع التوحد.

وأضافت أن المجموعة الأولى لقيت استحسانا كبيرا “لم أكن أتوقعه بين أصدقاء ومتابعين ليوميات جوجو”، وهو الاسم الذي تدلل به ابنها. وأُقيم المعرض الأول في 24 نوفمبر 2015 في قاعة فنية راقية في شارع الحمراء تحمل اسم “دار المصور”. وحمل المعرض عنوان “مئة لوحة لجميل”. وتشرح رنا سبب اختيارها لهذا العنوان تحديدا قائلة “كتبت مرة على موقع فيسبوك أنني أريد أن أقيم معرضا لجميل ولو بالشارع ما إن يصل عدد اللوحات التي سينجزها إلى مئة”. وبعد هذا المعرض الكبير، عرض جميل لوحاته التالية في حديقة الصنائع في الشارع الملاصق لشارع الحمراء الرئيسي وبعده أقيم معرض في المركز الثقافي العربي. ويستخدم جميل ألوان الجواش والغراء ويدمج الأرز والعدس والسكر والحليب بالإضافة إلى أعواد الكبريت والخيوط الملونة.

ومن بين المشاهير والعباقرة، الذين عرفوا بإصابتهم بمرض التوحد في طفولتهم، المخرج والمنتج السينمائي الأميركي الحائز على جائزة الأوسكار ستيفن ألان سبيلبرغ، والسياسي الأميركي توماس جيفيرسون، ولاعب كرة السلة ماجيك جونسون، وعالم الفيزياء إسحاق نيوتن، والكاتب مارك توين، والمغني البريطاني سيد باريت، بالاضافة إلى بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت. أما في عالم الموسيقى، فقد عانى المبدعان بيتهوفن وموزارت من مرض التوحد، لكنهما تمكنا من نقل الموسيقى إلى عالم آخر، فيما أبهرت لوحات الرسام الهولندي، فينسنت فان غوخ العالم وعرفت لوحاته التي رسمها وهو يعاني من اضطرابات التوحد شهرة كبيرة.

24