فان كوخ: طردوني من العمل مثل كلب ضال

الثلاثاء 2013/11/26
فان كوخ: أطلقت النار على نفسي وهذا شأن خاص

كلما تذكرت الفنان فان كوخ أتذكر حال المبدع العربي والعراقي خصوصا، فنحن لا نعرف قيمة كتابنا وفنانينا وعلمائنا إلا بعد رحيلهم. فتقام للواحد منهم الاحتفالات والنصب والتماثيل وتطبع مؤلفاته ويعاد توزيع أغانيه. هذا تقريبا ما حدث مع الفنان العالمي الكبير فان كوخ، حيث مات فقيرا معدما في حين أن لوحاته قد بيعت بعد وفاته بملايين الدولارات.

في إحدى نوبات مرضه، عجز فان كوخ عن شراء علبة دواء، فاضطرّ إلى منح لوحة "أزهار السوسن"، وهي اللوحة التي بيعت بملايين الدولارات قبل سنوات معدودة، إلى الصيدلاني مقابل دوائه. وأما المفارقات التي قد تعد من المضحكات المبكيات، فهي أن لوحة من لوحات فان كوخ، وقد بيعت بمبلغ 75 مليون دولار، هي نفسها التي أعطاها للدكتور "جاشيه" والتي استعملها فيما سبق لتغطية سقف خن دجاجاته.

قبعات لندن

نشر مؤخرا في "التلغراف" البريطانية مقال للكاتبة "فلورنس واترز" عن كتاب جديد لكل من "كريستين غروينهارت" و"ويليام فان فيرليندين"، والكتاب صدر أول مرة في هولندا وتمّت ترجمته إلى الأنكليزية، وقد ذكرا فيه الكاتبان تفاصيل حياة هذا الفنان العبقري وخصوصا فترة إقامته في لندن والممتدة من 1873-1875، وكيف أنه عشق "عاصمة الضباب" التي أثرت في حياته الفنية.

انتقل فان كوخ للعيش في لندن ليس اختيارا وإنما للعمل في أحد فروع شركة "جيوبيل" التي كان عمه شريكا فيها، والمتخصصة في بيع الأعمال الفنية. وقد ذكر المؤلفان أن عنوان الكتاب "كيف أحببت لندن" قد اقتبس من رسالة أرسلها فان كوخ إلى أخيه "ثيو" في شهر يوليو من عام 1875 من باريس عندما كان يعمل في إحدى الشركات المذكورة جاء فيها قوله: "عندما رأيت الأعمال الفنية هناك، أحببت لندن كثيراً". وقد دُوّنت بعض الالتفاتات من الكاتب مفادها أنه يعاني من "الحنين" فهو عندما كان في لندن كتب عن مدى حنينه وحبه لهولندا وعندما كان في باريس عبر عن حنينه للندن وهكذا دواليك، كلما يعيش في مكان يحن إلى المكان السابق!

وتبين الرسائل المرسلة إلى أخيه عن مدى حبه وإعجابه بلندن وطريقة العيش البريطانية إضافة إلى الفن والشعر والناس وغير ذلك من تفاصيل المدينة.

وكانت أجمل الأماكن لديه هي الـحياة العصرية في "روتين رو" في الهايدن بارك حيث يتواجد الفيكتوريون بملابسهم الفاخرة وعرباتهم التي تجرها الخيول، حتى أنه ذكر ذلك في إحدى رسائله لأخيه قائلاً: "لا يمكنك أن تتجول في لندن بلا قبعة!".

عدوى التعاسة

فنسنت ويليام فان كوخ، هو الابن السادس لأب يعمل قسيساً، ولد في 30 مارس 1853 في إحدى قرى هولندا وتدعى "زانديرت" وتوفي في 29 يوليو 1890 في "أوفيرس -سور أويس" بالقرب من باريس في فرنسا. نال شهرته الفنية بعد وفاته وخصوصا في أواخر القرن العشرين عندما بيعت لوحاته الفنية بأغلى الأسعار.

عمل في شركة "جيوبيل" المختصة في الأعمال الفنية بلندن من 1873 إلى شهر مايو من عام 1875 ومن ثم انتقل إلى باريس.

فشل في الحب بعد أن أغرم بفتاة لندنية عام 1874 أصيب على أثرها بأزمة عاطفية، وتذكر بعض المصادر التاريخية أن هذا الفشل أثّر فيه بشكل سلبي وأصيب بهوس يشبه الهوس الديني، فبدلاً من أن يناقش العملاء عن جماليات اللوحات المعروضة بالقاعة التي يديرها أخذ يحثهم على الدين.

كان الطرد المستمر نصيبه من هذه المهنة، لهذا اتجه إلى لندن ليعمل مدرِّسا ومن ثم بائعاً للكتب في مدينة "دوردريج" في هولندا حيث عانى الكثير من التقلبات العاطفية والاقتصادية بسبب تأثير الرأسمالية على عمال المناجم والفقراء الذين لا يجدون ما يسدون به رمقهم. جاء في إحدى رسائله قوله: "يظنونني مجنوناً لأني أريد أن أكون مسيحياً مخلصاً، طردوني مثل كلب ضال قائلين عني إني أصيبهم بالخزي والعار". بعد ذلك بدأ يرسم بشكل جدي ومستمر وبدأ يسلك مسيرة الفن الحقيقية.

ولم تفارقه حالة التعاسة حتى وهو في أعظم حالاته الفنية واصفاً حاله في إحدى الرسائل عندما يوقع لوحاته باسمه فإنها تصبح مثله، والمقصود هنا هو أن اللوحات تصبح تعيسة مثله.

وفي لحظة يأس وعزلة أطلق النار على نفسه لكنه لم يمت، وعندما وجد نفسه في الفراش قال: "أطلقت النار على نفسي.. أتمنى أن هذه الطلقة لم تفسد جسدي". وفي تلك الليلة عندما جاءت الشرطة للتحقيق معه في الحادث رفض الإجابة عن أجوبة المحققين قائلاً: "ما فعلته كان بجسدي أنا وهذا شأني وليس شأن أحد آخر. أنا حر لأفعل به ما يحلو لي!". بعد يومين مات فان كوخ، وبعد موته بستة أشهر تدهورت حالة أخيه "ثيو" ومات أيضا. وفي عام 1914 نقل رفات "ثيو" ليدفن مع أخيه في قبر واحد بمقبرة أوفيرس.

14