فان كوخ والحضور الدائم

الجمعة 2014/04/18

مات فان كوخ (1853-1890) وهو يهذي مجنونا، ومن دون أن تحظى أعماله بالاهتمام اللاّئق بها. لكن في مطلع القرن العشرين، أدركته الشهرة ليصبح أحد أعظم أعلام الفن الحديث، ومن أشدّهم تأثيرا في هذا المجال. وهو دائم الحضور في جميع أنحاء العالم. ولوحاته التي رسم فيها حقول الخزامى في هولندا، وهضاب الجنوب الفرنسي، وحقول القمح في الريف، وأشجار الزيتون والسّرو، وأزهار عبّاد الشمس، تباع بأثمان خيالية! وفي أمستردام ، صدرت قبل سنوات قليلة المجلّدات الستة التي تتضمّن مراسلاته. ومؤخرا قام المخرج الفرنسي فرانسوا بارتران بإنجاز فيلم بعنوان “أنا فان كوخ”.

وفي ألمانيا، أصدر جامعيّان هما هانس كوفمان، وريتا فايلد غانس كتابا زعما فيه أن بول غوغان هو الذي قطع أذن فان كوخ. وقد أثار هذا الزعم سخرية الكثيرين من العارفين بخفايا حياة الفنان الهولندي غريب الأطوار. فمن المؤكد أن فان كوخ هو الذي قام بقطع أذنه، ثمّ أهداها لبغيّ في مدينة “آرل” الفرنسيّة. وهذا ما تعكسه اللوحة التي رسم فيها نفسه وهو مقطوع ألأذن، وكان ذلك عام 1889، أي قبل وفاته بسنة واحدة.

وكان فان كوخ في الـ28 من عمره لمّا تعرّف على رسّام هولنديّ يدعى فان رابار. وقد كتب له رسائل كثيرة يحرضه فيها على نبذ المواضيع المدرسيّة، والمطروقة، والمكرّرة، داعيا إيّاه إلى التعمّق في الواقع اليومي، والتحليق بعيدا في عالم الخيال حيث النساء من لحم ودم، ولسن من المرمر، وحيث الثعابين تزحف في الحقول، وليست مجمّدة. وفي واحدة من هذه الرسائل، كتب فان كوخ بقول: “أريد لئن أتلاشى في الطبيعة بدل الاهتمام بأثمان اللوحات الفنية”. وفي نفس هذه الرسالة يضيف قائلا: “بطبيعة الحال، التجّار الأثرياء يتميّزون بالصراحة، والنزاهة، وبالأخلاق الحميدة. أما نحن، الكائنات المتسامحة، والساذجة لسنا إلاّ كائنات ضعيفة وهشّة، ولا نملك المهارة العمليّة، وتعوزنا اللياقة”.

وذات يوم دعا فان كوخ بغيّا التقى بها في الشارع، وكانت مصحوبة بابنيها، وقرّر أن يرسمها. وقد كتب عنها يقول: “هي -أي البغي- لا تمتلك أيّة خاصيّة خارقة. إنها امرأة بسيطة من الشعب البسيط، تجسّد بالنسبة لي شيئا في غاية الروعة. فالرجل الذي يحبّ امرأة عادية للغاية، وهي تحبه أيضا، يجد نفسه سعيدا رغم الجانب المعتم في الحياة”. وعندما يولد طفل أمامه، يشبهه فان كوخ بـ”شعاع ينزل من السماء”. وكان دائم الحيرة والقلق. لذا كان يعتبر زمنه “زمنا مضطربا لا يستقرّ على حال”.

15