فايروس كورونا في مواجهة المبادئ والقيم الغربية

الغرب الذي طالما تباهى بحرياته وبقيمة الفرد وبمبدإ الخصوصية يتخلى الآن عنها جميعا في مقابل أن ينجو وتخرج حضارته بأقل ضرر ممكن، لكنه يجد صعوبة في اقتلاع هذه المبادئ المترسخة.
الخميس 2020/04/23
إعادة تأهيل نفسي لما بعد كورونا

ليس بوسع أحد أن يتكهن بمستقبل العالم في مرحلة ما بعد الكورونا، لكن المؤشرات جميعها تقول إننا ندخل حقبة زمنية جديدة يطغى عليها عدم الانفتاح على الآخر وانغلاق الدول على أنفسها وتنامي اليمين وتراجع الحريات.

في أوروبا الآن جدل واسع حول هذه النقطة تحديدا، ففي ظل طرح التطبيقات التي يمكن للإنسان أن يستعملها لكشف المصابين بكورونا من حوله، والإبلاغ عن أعراض المرض لديه، ظهر نقاش حول مبدأ الخصوصية والحريات الفردية التي أصبحت مهددة بشكل مباشر من هذه التطبيقات.

أغلب الرافضين لهذه التطبيقات يجدون أنه لا يجب التخلي عن  الحريات التي دافع عنها الإنسان على مدى عقود طويلة واكتسبها بعد معركة شرسة وتضحيات جسيمة، لمجرد أن فايروسا لعينا يهدد البشر الآن. وهناك من يجد أن الحريات أهم من مقاومة الفايروس، ويرى أن التراجع عنها لأي سبب من الأسباب يعد انتكاسة في مسيرة الإنسانية.

والحقيقة أن هذا الدفاع القوي عن حق الخصوصية والحريات والاستعداد للموت ربما دون التنازل عنها أثار لدي أسئلة كثيرة في مقدمتها: هل تتحول المكتسبات إلى مقدسات؟ وما الفرق بين المتعصب لدين أو مذهب أو جنسية معينة وبين المتعصب لقيمة أو مبدأ إنساني كمبدأ الحرية أو الخصوصية  أو أسبقية الفرد على الدولة؟

مؤكد أن هذا الطرح لا يسعى بأي حال إلى التقليل من هذه المنجزات أو التدليل على أنها ليست جوهرية غير أن ظهور تيارات تعلي من حق الحرية فوق حق الحياة أمر في غاية الخطورة حسب رأيي.

في ظل طرح التطبيقات التي يمكن للإنسان أن يستعملها لكشف المصابين بكورونا من حوله، والإبلاغ عن أعراض المرض لديه، ظهر نقاش حول مبدأ الخصوصية والحريات الفردية

من ناحية أخرى نرى عودة لأطروحات قديمة حول أسبقية الفرد على الدولة أو العكس، وببساطة يمكن أن نلخص الأمر في السؤال التالي: من قال إن مصلحة أي دولة أهم من مصلحة أسرة صغيرة مكونة من أب وأم وطفلين يوجدون الآن على الحدود التركية اليونانية في مخيم مهدد بانتشار الكورونا فيه؟

مطلوب منا الآن أن نعود إلى قطيع تقوده الدولة،  وأن نخسر، عن طيب خاطر، معركة الفرد / الدولة التي كانت مستمرة طوال العشريات الأخيرة، ولا نعرف إن كان هذا ظرفا مؤقتا لن يدوم طويلا أم دورة من دورات الزمن الضرورية، فدائما وعلى مر التاريخ كانت هناك انتكاسات وسقطات مرت بها الإنسانية.

كل التنظيرات التي ظهرت في القرن الماضي على المحك وتتعرض لاختبار حقيقي على أرض الواقع، ربما بشكل لم يسبق له نظير. ولعل هذا ما جعل زعماء الغرب يبدأون خطاباتهم بالتأكيد على أنهم في “دوامة شيطانية” كما وصفها رئيس وزراء هولندا مارك روتا. الغرب الذي طالما تباهى بحرياته وبقيمة الفرد وبمبدإ الخصوصية يتخلى الآن عنها جميعا في مقابل أن ينجو وتخرج حضارته بأقل ضرر ممكن، لكنه يجد صعوبة في اقتلاع هذه المبادئ المترسخة، وإن مؤقتا، من ذهنية الرجل الغربي الذي تربى عليها.

يقلق الغرب اليوم بشأن أطفاله الذين يجلسون في البيت، لدرجة أنه يعد لمرحلة إعادة تأهيل نفسي لهم بعد انقشاع الفايروس اللعين. يقلق على نفسيتهم من الاكتئاب وعلى أجسادهم من الوزن الزائد وعلى أدائهم بشكل عام، فأطفال اليوم هم محركو اقتصاد ومديرو دولة المستقبل. ما الذي ستتركه داخلهم تجربة العزل هذه؟ كيف سينظرون إلى المبادئ التي تربوا عليها ومطلوب منهم الآن التخلي عنها بسبب فايروس. سيذهب الفايروس وسيبقى السؤال: كم كانت هذه المبادئ قوية؟ هل هي حقا ركائز وأعمدة جوهرية في الحضارة الغربية؟ أم حان الوقت لإعادة النظر في كل هذا؟

شخصيا أشد ما يقلقني هو مسافة المتر ونصف المتر التي وضعها الإنسان، كحد آمن، بينه وبين الآخر. في ظني أنها ستكون الغالبة في المستقبل على كل شيء: على الفكر والفن والفلسفة والاقتصاد وباقي المجالات، فهذا الجسر الصغير الذي يفرق ويربط في نفس الوقت سيتسلل إلى الحامض النووي للبشرية وسيصبغ سلوكها وفكرها في المرحلة القادمة من الزمن، وسنرى أشكالا جديدة من العلاقات والارتباطات والتفاعلات بين الناس.

21