فايروس كورونا يخلط أوراق فلاديمير بوتين السياسية

حرب النفط تعيد تقييم قدرة روسيا على استغلال نفوذها لإقامة نظام دولي جديد.
الثلاثاء 2020/04/14
الوباء يشكل تحدّيا غير متوقع لبوتين

اعتاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يكون قادرا على استعادة السيطرة على الأجندة السياسية من خلال تحويل التركيز عن القضايا الداخلية إلى العظمة الجيوسياسية لروسيا، أو حشد الناس حول ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، أو محاربة من وصفهم بالإرهابيين في سوريا. لكن هذه المرة، حيث تضطر روسيا لمواجهة أزمة عالمية حقيقية، يبدو هذا التكتيك أكثر صعوبة.

موسكو - تعزز الأزمة الحالية الناجمة عن انخفاض أسعار النفط وتفشي فايروس كورونا المستجد النظرة السلبية المرتبطة بتوقعات النمو الروسية لسنة 2020. ومع غياب العائدات في صندوق الثروات الوطني في البلاد نظرا لأسعار النفط الحالية، قد يصبح تنفيذ خطة الإنفاق الاجتماعي التي اقترحها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستحيلا. ويجد الأميركيون في هذه الأخبار فرصة للتدليل على أن القوة الروسية التي ظهرت للعالم في السنوات الأخيرة هي “قوة من ورق”، وستخسر روسيا في الشرق الأوسط، بعد أن خسرت في حرب النفط الأخيرة، وهي مثقلة في الداخل بتداعيات أزمة تفشي فايروس كوفيد – 19.

يذهب في هذه القراءة ستيفن أ. كوك، الباحث الزميل في دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في مجلس العلاقات الخارجية، لافتا في تحليل نشرته مجلة فورين بوليسي الأميركية إلى أن موسكو أمضت سنوات في بناء نفوذها في المنطقة، لكنها خسرت كل ذلك في لعبة صعبة مع الرياض، في إشارة إلى الأزمة الأخيرة حول النفط، والتي سعت روسيا إلى التخفيف من تداعياتها من خلال الإشادة بالاتفاق العالمي الذي جري التوصل إليه في عطلة نهاية الأسبوع سيساعد في وضع قاعدة للأسعار.

يذهب في ذات التوجه تقرير نشره مركز ستراتفور الأميركي للدراسات الأمنية والإستراتيجية معتبرا أن الاقتصاد الروسي يواجه عاصفة على الرغم من توقعات موسكو المتفائلة. وقال المحلل في المركز سيم تاك، إن التضخم المتزايد وارتفاع الأسعار مع تأثيرات فايروس كورونا المستجدّ وانخفاض أسعار النفط ستخلف نتائج سلبية إضافية مما يهدد بزعزعة الاستقرار السياسي في روسيا وتغيير خططها طويلة المدى.

ستيفن أ. كوك: الرئيس الروسي بالغ في لعب أوراقه في المنطقة
ستيفن أ. كوك: الرئيس الروسي بالغ في لعب أوراقه في المنطقة

أما وكالة أسوشييتد برس فقالت إن فايروس كورونا يقلب أجندة بوتين السياسية في روسيا. وأشارت إلى أن السلطات الروسية استهانت في البداية بالجائحة. وقد شكل الوباء تحديا غير متوقع لبوتين، الذي يعتمد موقفه السياسي الآن على ما إذا كان يمكنه احتواء الضرر الناجم عنه.

لا شكّ أن روسيا ستتأثر بما يشهده العالم اليوم بسبب جائحة كورونا، والتي سبقتها بعض التغييرات التي بدأت تطرأ على ملامح خارطة القوة في العالم، وفي الشرق الأوسط بشكل خاص، لكن هل يمكن أن يصل الأمر إلى تلك الدرجة التي تتحدث عنها التقارير الأميركية الثلاثة؟

كان من المنتظر أن ينتهي في 22 أبريل التصويت على الصعيد الوطني حول الإصلاحات الدستورية التي ستسمح لبوتين بالبقاء في السلطة حتى عام 2036. لكن بعد انتشار فايروس كوفيد – 19 أرجأ المسؤولون التصويت إلى أجل غير مسمى.

نيكولاي بيتروف: كورونا غيّر الأجندة السياسية للكرملين بالكامل
نيكولاي بيتروف: كورونا غيّر الأجندة السياسية للكرملين بالكامل

كما كان الروس يستعدون للاحتفال بيوم النصر 9 مايو، بمناسبة انتصار روسيا في عام 1945 على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية. ويعتبر هذا الاحتفال ذا أهمية كبرى في التقويم الروسي. وفي كل عام يتابعه الآلاف في موسكو. وكان من المنتظر أن يحضر قادة العالم إحياء الذكرى الخامسة والسبعين. ووعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي بالحضور. وتلقت الوحدات العسكرية تدريبا بالفعل على موكب الساحة الحمراء. لكن يبدو من المستحيل إقامة مثل هذه الحفل الآن، مع خضوع روسيا للحظر وكذلك الكثير من دول العالم لوقف انتشار الفايروس.

 وفي إطار الاستعداد للتصويت ويوم النصر، بدأت وكالة تاس الروسية للأنباء نشر مقتطفات عن أجزاء من مقابلة استمرت ثلاث ساعات مع بوتين، حيث تحدث الزعيم البالغ من العمر 67 عاما عمّا فعله للبلاد في العشرين عاما الماضية وما الذي يتعين إنجازه أكثر. لكن تاس علّقت على مقتطفات يومية من المقابلة، قائلة إنها لم تعد ذات صلة بجمهور يشعر بالقلق.

وقال نيكولاي بيتروف، وهو باحث في برنامج روسيا وأوراسيا في المعهد الملكي البريطاني للسياسات الخارجية (تشاتام هاوس)، إن تفشي المرض أعاد تغيير الأجندة السياسية للكرملين بالكامل.

صامويل غرين: المخاطر التي يواجهها فلاديمير بوتين حقيقية للغاية
صامويل غرين: المخاطر التي يواجهها فلاديمير بوتين حقيقية للغاية

جلب الوباء معه احتمالات المزيد من الدمار الاقتصادي، بعد انخفاض أسعار النفط، مصدر الدخل الرئيسي لروسيا،. ويشير تحليل مركز ستراتفور إلى أنه اعتمادا على الفترة التي ستستغرقها أسعار النفط للعودة إلى طبيعتها قد تواجه البلاد تحديات كبيرة في تحقيق طموحاتها لإصلاح اقتصادها. وقال دينيس فولكوف، عالم الاجتماع بمركز ليفادا المستقل لاستطلاع الرأي، إنه مع استمرار الأزمة، من المرجح أن تتضرر مكانة بوتين بشكل أكبر.

وأثارت استجابة الكرملين للأزمة أسئلة في الداخل والخارج. فعلى الصعيد المحلي، تم انتقاد بوتين لأنه لم يول اهتماما كبيرا للوباء منذ تفشيه، ثم لإبعاد الأزمة عنه عن طريق تفويض قرارات صعبة بشأن عمليات الحظر إلى الحكومات الإقليمية ومجلس الوزراء.

وشكك البعض في الغرب في انخفاض عدد حالات الإصابة بالفايروس الرسمية في روسيا. ورفضوا جهودها التي تم الإعلان عنها لإرسال طائرات من المساعدات الطبية إلى إيطاليا والولايات المتحدة وصربيا كحيلة علاقات عامة.

ونقلت أسوشييتد برس عن صامويل غرين، مدير المعهد الروسي في كلية كينغز كوليدج في لندن، قوله إن “المخاطر التي يواجهها بوتين حقيقية للغاية”.

ويلفت خبراء إلى أنه مهما باعد بوتين بين أزماته الداخلية ومشاريعه الخارجية، خاصة في الشرق الأوسط، أو صراعه مع حلف شمال الأطلسي، لا بد أن يتأثر بعضها ببعض. خاصة وأن العالم مقبل على مرحلة تغيير بنهاية أزمة كورونا وستحتاج مختلف الدول مهما كانت قوتها إلى مراجعة سياساتها. ويضيف الخبراء أنه إذا لم تتّضح تداعيات أزمة كورونا الداخلية على حضور روسيا الخارجي فإن “خسارتها” في حرب أسعار النفط سيكون لها تأثير مباشر. ويميل إلى هذه الرؤية تقرير فورين بوليسي حيث يقول كاتبه ستيفن كوك إن روسيا بالغت في لعب أوراقها في المنطقة.

ولا يشير المحلل إلى دور روسيا في سوريا تحديدا، أو حتى علاقتها بما يجري في ليبيا، لكنه يفند النظريات التي تحدث مجتمع السياسات الخارجية عنها في السنوات الماضية عن صعود نظام إقليمي جديد قد تعوض فيه روسيا الحضور الأميركي، خاصة بعد أن قام حلفاء واشنطن بتطوير علاقات دبلوماسية وتجارية وعسكرية مع القوى التي تتنافس معها؛ الصين وروسيا. ويؤكد كوك أن ما تعيشه روسيا اليوم سيكتب “نهاية لفكرة أن موسكو ستلعب دورا مهما في إقامة نظام جديد”.

7