فايروس كورونا يكشف ضعف البشر

هل تصلح التكنولوجيا ما عجزت عن إصلاحه البيولوجيا؟
الجمعة 2020/10/30
روبوت يفرض التباعد الاجتماعي.. مشهد مألوف مع انتشار فايروس كورونا

علينا أن نستعد. وباء كورونا أصبح تجربة اجتماعية عالمية، لم تنته نتائجها بعد. والتشاؤم سيد الموقف. السلوكيات الاجتماعية ستتغير، وكذلك الأعراف، حتى بين غير المصابين. ومن التداعيات انخفاض معدلات المواليد، وعزوف الشباب عن الزواج.

أقمشة ذكية تغير لونها بملامسة كورونا، ولسان بشري اصطناعي، الطباعة الثلاثية الأبعاد تطبق على سطح القمر لبناء منازل يمكن أن يقطنها رواد الفضاء.

وباحثون ينجحون في ابتكار “أم الدم الحي” من الدم وخلايا الدماغ البشرية بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي!

البعض من العناوين تملأ المواقع الإخبارية، نقرأها أو نمر عليها يوميا، بينما في الوقت نفسه تمتلئ نفس المواقع بأخبار تفضح فشلنا في مواجهة فايروس نبدو أمامه في عجز مطلق على مدى عشرة شهور.

لا نريد أن نقلل من أهمية علوم الطب والأحياء وعلم البيولوجيا، ولكن رغم الإنجازات الكبيرة في هذا المجال ظل العلماء يواجهون معضلات لم يستطيعوا حلها أو تقديم جواب شافٍ لها.

فجأة تغير المشهد، وبدأت الألغاز تتداعى الواحد تلو الآخر، وما كان لذلك أن يحدث لولا الإسهام الذي قدمته التكنولوجيا الرقمية والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

ما حدث ويحدث الآن ورد منذ عشرين عاما على لسان ستيف جوبز، العقل المبدع الذي كان وراء واحد من أهم المبتكرين الذين تركوا بصماتهم واضحة على الثورة الرقمية التي نشهدها اليوم، سواء بمساهمته في تطوير الكمبيوتر الشخصي أو نظام التشغيل “أبل ماكنتوش”، ثم الهاتف الذكي “أيفون”.

غاب ستيف جوبز، وبموته غابت النبوءة التي تنبأ من خلالها بما سيكون عليه الحال في هذا القرن، فقد قال قبل أيام من الرحيل “أعتقد أن أكبر الابتكارات في القرن الحادي والعشرين ستكون عندما يلتقي علما الأحياء والتكنولوجيا”. وهذا ما كان.. اليوم نشهد هذا التلاقي بأجلى صوره.

رحيل ستيف جوبز هو مثال لفشل البشر في مواجهة المشاكل التي تعترضهم في مجال العلوم الطبية وعلم الأحياء. مات متأثرا بمرض السرطان، المرض “الخبيث” الذي يتردد الكثير منا في لفظ حتى اسمه، وهذا غالبا بسبب من حيرتنا أمامه وعجزنا عن فهمه.

ولمعرفة أهمية نبوءة ستيف جوبز علينا أن نتابع أخبار ما يحدث في العالم يوميا.

ما عجزت عنه علوم الطب والبيولوجيا، بدأت تتفكك أسراره، والفضل في ذلك للتقارب بين التكنولوجيا وعلم الأحياء.

لقد فشل الطب رغم الجهود المبذولة خلال المئات من السنين في تقديم إجابات شافية للعديد من الأمراض، وبالطبع السرطان بمختلف أنواعه على رأس القائمة. وبقي عاجزا عن تقديم حلول لأمراض وراثية كثيرة، إلى جانب الإعاقات.

وعندما واجه العالم مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، صدم الناس لأن العلماء لم يستطيعوا تقديم علاج جذري له.

سرعان ما نسي الجميع أمر الإيدز، لسبب بسيط أنه لا ينتقل إلا عن طريق الاتصال المباشر، الاتصال الجنسي أو نقل الدم. إلا أن الصدمة كانت أشد مع ظهور فايروس كورونا، وإعلان منظمة الصحة العالمية أن العالم يتعرض لجائحة.

تقارب بين التكنولوجيا وعلم الأحياء
تقارب بين التكنولوجيا وعلم الأحياء

بعد عشرة شهور مازال العالم عاجزا عن تقديم إجابات حاسمة، أو علاج جذري، بل هناك من يدعو اليوم إلى التعايش مع كورونا واعتبارها أمرا واقعا قد يبقى معنا فترة طويلة جدا.

لا يوجد حتى اليوم علاج فعال للفايروس، بل مجموعة من الأدوية تخفّف الأعراض، إضافة إلى أجهزة للتنفس تستخدم في الحالات الحرجة. الحديث عن لقاح هو الآخر أمر مبكّر جدا، حتى إن وجد اللقاح، هناك شكوك كبيرة في أن يحمي من تكرار الإصابة في المستقبل.

هذه الحقائق أجبرت الحكومات والشركات والأفراد على البحث عن بدائل وتغيير حتى السلوك اليومي للبشر للتعايش مع كورونا.

الفايروس حسب عالم النفس، بنجامين سيتز، من جامعة كاليفورنيا لوس أنجلس “فضحنا وكشف نقاط ضعفنا”. إلى جانب ذلك “أن الجنس البشري ليس مهيّأ للبحث عن فهم دقيق للعالم كما هو في الواقع”.

فشل الطب، في تقديم الحلول والإجابات، يمكن أن نتّبعه في توجه البشر دائما صوب الغيبيات والسحر طلبا للعلاج، الظاهرة التي لم تتوقف على مر التاريخ. كل منا مرّ بتجارب، سواء هو بنفسه، أو عن طريق أشخاص من محيطه العائلي، طلبا للشفاء وبحثا عن علاج شعبي، وغالبا ما تكون الوصفات التي تقدم غاية في الغرابة.

بالتأكيد، لا يذكر أي منا تجربة، سواء شخصية أو لأشخاص مقرّبين منه، طلبت فيها مساعدة قوى غيبية لحل معضلة تكنولوجية. وبقدر ما ارتبطت علوم الطب والأحياء، تاريخيا، بالشعوذة، بقدر ما ابتعدت التكنولوجيا عن الغيبيات، بل واعتبرت التكنولوجيا دائما مصدر تهديد للغيبيات.

اليوم تعود نبوءة ستيف جوبز لتأخذ مكانها الطبيعي. فالعالم الذي ينتظر الحل، يعلق آماله على ما وصفه جوبز بأكبر الابتكارات في القرن الحادي والعشرين الذي سيتجسد عندما يلتقي علما الأحياء والتكنولوجيا.

كان ستيف جوبز على حق، مستقبل البشرية متعلق اليوم بهذا الترابط الذي تحدث عنه بين التكنولوجيا وعلم الأحياء، والعالم ينتظر أن يحقق هذا الترابط الذي بدأنا نشهده اليوم سريعا. ما عجزت عنه البيولوجيا منفردة.

الجميع يعلم حتى هذه اللحظة الدور الفعال الذي لعبته تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، في محاولة لحصر الوباء وتسهيل التباعد الاجتماعي. ولن نبالغ إن قلنا إن البعض ينتظر حلا للجائحة تكشف عنه الروبوتات وليس البشر.

12