فايزة أبو النجا امرأة حديدية جديدة في الشرق الأوسط

السبت 2015/03/14
فايزة أبو النجا سيدة الأمن القومي المصري

منذ أن وقفت فايزة أبو النجا أمام هيئة المحكمة التي كانت تنظر في قضية التمويل الأجنبي في مصر وأدلت بشهادتها الخطيرة، انتقلت صورتها من بين أيدي الذين حاولوا سحقها تحت سنابك الثورة باعتبارها ليست أكثر من رمز ضمن حقبة فاسدة، إلى رمز من رموز الوطنية المصرية، في لحظة اختلط فيها حابل الشرف بنابل الفساد.

من خلال تلك الشهادة وجهت أبو النجا التي كانت تشغل موقع وزيرة التعاون الدولي في آخر حكومات مبارك، العديد من الاتهامات للولايات المتحدة وجمعيات أهلية تتحصل على ذلك التمويل، لقاء أنشطة سياسية مناهضة للدولة.


شاهدة ضد واشنطن


عزز من قيمة الشهادة أن صاحبتها مؤمنة بالليبرالية كمنهج تفكير وكمنهج سياسي كما تتمتع بمصداقية عالية بين المصريين، في الوقت نفسه فإنها تلقى احتراما كبيرا في أوساط متعددة بالولايات المتحدة نفسها.

كان أخطر ما في تلك الشهادة أنها اتهمت واشنطن دون مواربة بمحاولة احتواء الثورة المصرية عبر تسليمها لعملاء جدد يخدمون المصالح الأميركية ويعززون مصالح إسرائيل.

ربما أعاد هذا الموقف الدكتورة فايزة إلى المشهد السياسي كأحد فرسانه الشرفاء وكانت بين أهم وزراء الدكتور كمال الجنزوري حتى رحيله عن الوزارة قبل تسلم محمد مرسي مقاليد السلطة في يوليو 2012، ومنذ ذلك التاريخ رفضت أبو النجا الاستمرار في أي مواقع رسمية تحت أي مسمى، وظل اسمها بين أهم وأبرز المرشحين المحتملين على الدوام لموقع رئيس الوزراء.


منصب سياسي بامتياز


الرئيس عبدالفتاح السيسي وأجهزته المختلفة كانت لهما تقديرات انتهت إلى اختيارها لموقع هو الأخطر في مؤسسة الرئاسة حيث تشغل الآن منصب مستشار الأمن القومي، وهو موقع ظل شاغرا منذ تركه الراحل حافظ إسماعيل في نهاية حقبة الرئيس الراحل أنور السادات.

هذا القرار الذي لاقى استحسانا واسعا من جموع المصريين، باستثناء فئات من مناضلي الرصيف، كان يعني بالضرورة تغيرا في موقف المؤسسة الرسمية من طبيعة هذا الموقع الذي ارتبط بمفاهيم أمنية ذات طابع عسكري، ومن ثم كان مكرسا للعسكريين، وقد كان حلما أن يتحرك هذا المنصب إلى مفهوم أكثر شمولا للأمن القومي بحيث يتحول من منصب عسكري إلى منصب سياسي، فضلا عن أنه كان حلما أن يكون الموقع من نصيب امرأة أيا كان حجمها.

لذلك بدا القرار على الصعيد السياسي مؤثرا وموضع ترحيب واسع، فكثيرون قبل هذا التاريخ كانوا ينظرون إلى السيدة فايزة أبو النجا، باعتبارها كانت ملكة في الزمن الخطأ، ومن ثم كانوا يرون أن زمن دولتها ذهب بلا رجعة.

كثيرات كن ملكات في الزمن الخطأ، ورغم ذلك لن يحتاج المرء لعناء كبير ليتشمم سحر ذكائهن وصلابتهن التي تفارق مظاهرهن اللينة، يحدث ذلك من خلال إشارات دقيقة لا تفطن لها سوى أسماع العارفين بفضل العلم وفضل الأبنية العقلية التي أسست للدولة الحديثة، ولن تخدعنا تلك اللغة الرُواقية التي تبدو على لسان فايزة أبو النجا لفرط جلالها، خارجة للتو من صومعة راهب يسكن في البعيد، فدقة وصرامة السياسي معنيان يمثلان جوهرا بالنسبة إليها ومن ثم فهما حاضران دائما.

الآن تحاول إعادة ترتيب الكثير من الأمور، وتقاتل على كثير من الجبهات الداخلية والخارجية لحفظ الأمن القومي المصري، الذي يواجه تحديات كبيرة، وتحيط به مؤامرات من قبل جهات مختلفة، تسعى لهز كيان الدولة، ومع أن المهمة صعبة إلا أن الخطوات التي قطعتها أبو النجا خلال الأشهر الماضية تقول إنها فعلا امرأة حديدية جديدة في الشرق الأوسط، فقد بدأت لمساتها تظهر في كسر شوكة الكثير من الحلقات التي تضر بمصر.

فايزة أبو النجا التي تبدو في رقة أغنية لازالت كثيرة الصمت، لكنها مع ذلك تبدو صانعة لتاريخ وأحداث جسام، غير أن ذلك يحدث في ثوب نجمة محتجبة لا تتكلم إلى أحد وترفض الكلام إلى أحد، فطبيعة عملها الجديد شديدة السرية لخطورة ما تحت يدها من تقارير.

ربما كانت الوطنية البارزة في مواقفها، كذلك سلامة ونزاهة ذمتها المالية، ونضج مواقفها السياسية، وعدم تورطها في فساد دولة مبارك، أسباباً أساسية في جذب صورتها بعيدا عن تاريخ نظام مبارك الذي فقد مشروعيته، بعد أن تخلت دولته عن شروط وجودها بإقصاء السياسة لصالح الفهلوة، والعدالة لصالح سُرَّاق المال العام، وبإقصاء تلاميذ الدولة الوطنية لصالح مجموعات من المنتفعين.

لقد كان الخرق الذي اتسع في سفينة مبارك أوسع من قدرة قلة من المخلصين، مثل فايزة أبو النجا، على رتقه فغرق الجميع في نهاية الأمر.

أمام هذه الخطوط الأرستقراطية الرقيقة التي تجسد شعر سيدة الأمن القومي وملامحها العذبة، لا يستطيع أحد أن يتجاهل يدها الناعمة التي امتدت لتحمل قصعة مسمومة إلى شعبها إنقاذا لنظام شاخ في مقاعده حتى أفقد الدولة كامل مشروعيتها.

كثيرون يتساءلون هل أخطأت أبو النجا عندما أنهت وجود الجمعيات الأهلية التي تعمل تحت العباءة الاستخباراتية، وهل أخطأت عندما رفضت المساعدات المشروطة، أو عندما فضحت المخطط الأورو-أميركي لإدخال مصر في فوضى تستهدف انهيار الدولة

مع ذلك فإن استمرار أبو النجا في موقعها ضمن نظام مبارك كشف عن ثنايا خطابها السياسي الذي لم يكن مسموحا له بالتطاير من قارورة النظام وزبانيته، لذلك يمكن للمرء أن يجزم بأنها كانت واحدة من ضحايا هذا الإسراف غير العاقل من محتكري الوطنية في صيغتها الجديدة.

لعل غبار الثورة المصرية الذي ظل عالقا بطرف شالها الأنيق، لم يكن صائبا تماما عندما أدرجها في قوائم لعناته، ومع ذلك فقد حاولت ولا زالت أن تقول كلمتها.

كثيرون كانوا يشعرون بألم بالغ عندما دفع الحزب الوطني المنحل بسيدته الفاضلة في أسوأ انتخابات برلمانية عرفها التاريخ المصري الحديث في العام 2010، لكن السيدة التي كانت على ما يبدو، تستشعر الألم نفسه لم تكن سعيدة كل السعادة أن نالت مقعدا برلمانيا، أصبح فيما بعد واحدا من أدوات التنكيل بها.

أبو النجا التي كانت بين أبرز الذين شغلوا موقع ممثل مصر الدائم لدى الأمم المتحدة، أدركت حجم التحولات في السياسة العالمية، وما طرأ على مفهوم الدولة في العالم من تغيرات، لذلك طالما قدمت النصيحة تلو النصيحة لإصلاح ما فسد، غير أن الأمور سارت عكس ما أرادت ريحها.

عندما وضعها مبارك على رأس وزارة التعاون تعامل معها كمتسولة أرستقراطية، وأصبح دورها السياسي يتحصل في تكليفها عبر خطابات رسمية، بأن تمد يدها إلى موائد اللئام طالبة ما تبقى من فتات، وهو ما دفعت الدولة المصرية جزءا من مستقبلها ثمنا له، وكان سؤال مبارك الدائم والبليد لها عقب كل رحلة خارجية “رجعت ومعك كم يا فايزة”؟

لم يكن هذا هو الدور الأليق للسيدة الأنيقة الذكية، لذلك سرعان ما اقتنصت دورها بنفسها وتوجهت إلى أفريقيا مدركة حجم الكارثة القابعة خلف مدار السرطان، فقد كانت واحدة من أهم العاملين في إدارة أفريقيا بالخارجية المصرية، ومن واقع رسالتها السياسية لم يغب عنها أبدا أن الزعماء التاريخيين الذين تعلمت عليهم كانوا يترجلون في الأسواق ببزاتهم الشعبية طلبا للانتساب للمقهورين باعتبار أن ذلك يعضد تاريخاً صاحبته صعدات عميقة لهويات وقوميات وعسكرتارية حاولت تضميد الكثير من جراح البشرية، رغم انتهاء دولتهم إلى الفشل.

حاولت أبو النجا أن تكون واحدة من زارعي الأمل، لكن الأمل نفسه كان سبباً كافياً لاقتيادها إلى عشرات المحارق الرمزية وغير الرمزية، وبات على أشياعها من أنصار الدولة الوطنية أن يتحسسوا لسانهم على الدوام قبل أن ينبسوا، فزلة واحدة كافية لقطعه حتى الحلقوم.

نظام مبارك جعلها "متسولة أرستقراطية" والنظام الوطني حولها إلى رأسه المفكر


يوتوبيا ثورية


لقد انهارت دولة مبارك التي كانت أبو النجا واحدة من رموزها، نعم انهارت دولة فقدت مشروعيتها ولم يكن للثورة رأس يدرك أو غربال يفرز الحبوب من الحصى، فالثورات عادة بلا رأس ولا غربال، لذلك ظلت اليوتوبيا الثورية، التي لم تخل من دسائس، مدفوعة إلى إحراق الماضي بما فيه وبمن فيه.

لم يكن ذلك هو خطأ الثورة المصرية الأول، ولم يكن خطأها الوحيد، كما لم يكن أول خطأ في تاريخ الثورات فـ”روبسبير” كان يعدم أسبوعيا عشرات الآلاف باسم الثورة الفرنسية حتى قتله الثوار أنفسهم عندما أدركوا أن شعار الثورة لا يملك رأسا ولا غربالا.

فهل أخطأت أبو النجا عندما أنهت وجود الجمعيات الأهلية التي تعمل تحت العباءة الإستخباراتية، وهل أخطأت عندما رفضت المساعدات المشروطة، أو عندما فضحت المخطط الأورو-أميركي لإدخال مصر في فوضى تستهدف انهيار الدولة؟

يكاد المرء يجزم بأن رفض مستشارة الأمن القومي لأي منصب وزاري بعد رحيل الدكتور كمال الجنزوري عن الحكومة موقف لا ينطوي فقط على إدراك لطبيعة زمنها الجديد، بل يعكس أيضا يقينها بأن أناقة السلعة السياسية الجديدة وعذوبة مظهرها ليستا بديلاً عن دموية مخبرها، فدولة الرفاه التي يتحدث عنها الإسلام السياسي، ممثلا في حكم الإخوان المشؤوم، حلت محلها دولة العولمة والشركات عابرة القوميات، وتعززت فيها تحذيرات صمويل هنتنغتون وريتشارد كابلان من تحول الصراع الطبقي ببعده الاجتماعي إلى صراع يتمحور حول الدين والهوية.

دفعت المستشارة فايزة أبو النجا ثمنا باهظا لكي تنقي ثوبها من الشوك الذي علق به، أما حريرها الناعم والعذب فقد داسته أقدام الأجلاف دون انتباه، غير أن عودة الروح للدولة الوطنية بهبوب ثورة الثلاثين من يونيو أعاد الاعتبار للوطنيين الذين كانوا ضحية الكثير من الضلالات.


كفاءات متعددة


ولدت الدكتورة فايزة أبو النجا في مدينة بورسعيد في الثاني عشر من نوفمبر عام 1951، وتولت وزارة التعاون الدولي في نوفمبر 2001 لتصبح أول سيدة يتم تعيينها في مثل هذا المنصب في مصر، وبقيت في منصبها بعد ثورة 25 يناير خلال وزارتي عصام شرف وكمال الجنزوري.

شغلت في الفترة من 1999 حتى نهاية 2001 منصب مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف وكافة المنظمات الدولية في المدينة السويسرية، كما شغلت منصب مندوب مصر الدائم لدى منظمة التجارة العالمية ومؤتمر نزع السلاح، وهكذا ومرة أخرى تصبح أول سيدة في مصر تشغل أياً من هذه المناصب.

لعبت أبو النجا من خلال هذه المناصب دوراً مؤثرا عبر مشاركتها في العديد من المؤتمرات الدولية الهامة، والتي كانت من أهمها المؤتمرات الوزارية لمنظمة التجارة العالمية في كل من سياتل 1999 والدوحة 2001، ومؤتمر مراجعة معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في نيويورك 2000، ومؤتمر الأمم المتحدة العاشر للتجارة والتنمية في بانكوك 2000.

خلال الفترة من 1997 حتى 1999، شغلت منصب نائب مساعد وزير الخارجية للعلاقات الأفريقية الثنائية، ولعبت دوراً بارزاً في تحسين علاقات التعاون بين مصر والدول الأفريقية، واعترافاً بإسهاماتها العديدة لصالح أفريقيا، تم التنويه بها في كتاب الدكتور شارون فريمان “حوار مع قيادات نسائية أفريقية قوية.. الإلهام، والدافع، والإستراتيجية” باعتبارها واحدة من القيادات النسائية الإحدى عشرة الأكثر قوة في أفريقيا.

12