فايز السراج.. ممثل ثانوي في فيلم ميليشياوي ضد استعادة طرابلس

لم يعد خافيا أن العالم تخلى عن سلطات طرابلس، وأن من يدافعون عنها اليوم في الدوحة وأنقرة وروما ولندن، وفي بعض الأحزاب والمنظمات والجماعات، إنما يدافعون عن الإخوان والميليشيات الجهوية.
الخميس 2019/04/18
موالاة للخارج لا للوطن

يبدو أن رئيس المجلس الرئاسي الليبي فايز السراج اختار لنفسه نهاية تراجيدية ليس على الصعيد السياسي فقط، وإنما على الصعيد الإنساني، بعد أن سلّم نفسه لدائرة العبث وانحاز لجماعات الإرهاب والتطرف الجهوي انحيازا كاملا، وانزوى في أحد أركان قاعة العمليات التركية القطرية الإيطالية لينفذ المطلوب منه، كممثل دور ثانوي، مثلما حدث ليلة أول أمس، عندما خرج ليتهم الجيش الوطني بقصف الأحياء السكنية الآمنة بصواريخ غراد.

لم يسأل السراج نفسه: كيف يمكن أن يكون في موقع تعرّض للقصف، وقد يتعرّض للمزيد منه؟ هل كان ضامنا أن القوات التي قصفته لن تعيد الكرّة أثناء وجوده هناك؟ هذا طبعا إذا كان الجيش الموجود على تخوم العاصمة هو من قام بتلك الجريمة. لكن الواضع أن رئيس المجلس الرئاسي كان يقوم بدور تمّ إعداده ضمن سيناريو كامل لفيلم أخرجته قاعة عمليات الميليشيات قبل الاجتماع المفترض لمجلس الأمن.

حقيقة ما جرى أن ميليشيات مسلحة تابعة لحكومة الوفاق يتزعمها غنيوة الككلي هي التي استهدفت المدنيين بصواريخ غراد والراجمات بشكل عشوائي ما تسبب في تدمير عدد من المنازل في حيي الانتصار وأبوسليم في طرابلس. كان الهدف من ذلك تشويه صورة القوات المسلحة بقيادة المشير حفتر إقليميّا وعالميّا، أما داخليا فالجميع يعرف الحقيقة ويدرك من أين انطلقت الصواريخ، ولماذا كان ذلك القصف بذلك الشكل في ذلك الوقت بالذات.

من يعود إلى الوراء قليلا سيدرك أن ميليشيات الإسلام السياسي بالذات استسهلت فبركة الأكاذيب منذ حربها للإطاحة بالنظام السابق في ليبيا، عندما قامت بتصنيع أخبار زائفة

خلال الأيام الماضية، قام طيران السراج المنطلق من قاعدة مصراتة الجوية بقصف مدن مثل غريان وطرهونة ومزدة هون وعدد من ضواحي طرابلس، ما تسبب في قتل العشرات من المدنيين أغلبهم من النساء والأطفال. لم تتوقف ميليشيات أسامة الجويلي وعماد الطرابلسي عن توجيه نيرانها إلى بيوت الآمنيين في ورشفانة، ودكت الميليشيات الأخرى مناطق سوق الخميس ومسيحل وعين زارة والعزيزية وغيرها، وكان كل ذلك من باب العقاب للسكان المحليين على دعمهم عملية تحرير طرابلس، ومع ذلك لم نسمع صوتا لحكومة الوفاق، التي كان رئيسها منشغلا بتوزيع أموال المصرف المركزي على أمراء الحرب، وبتوجيه مبعوثين للمدن الداعمة للجيش لمساومتها بمئات الملايين من الدولارات مقابل التخلّي عن دعم الجيش.

يعرف السراج أن الميليشيات التي تحاول التصدي لعملية “طوفان الكرامة” هي في أغلبها ميليشيات إرهابية، بل إن أغلب من يقاتلون فعلا هم من فلول سرايا الدفاع عن بنغازي، ومجلسيْ شورى المجاهدين في درنة وبنغازي، وممّن فرّ من ضربات الجيش في المنطقة الشرقية، ومن صبراتة في المنطقة الغربية، إلى جانب عناصر أبوعبيدة الزاوي، وميليشيات إرهابية قادمة من مصراتة إما بدافع عقائدي إخواني لا علاقة له بالعقيدة الوطنية، وإما بدافع جهوي مقيت هدفه الثأر لإخراجها من العاصمة في العام 2017، وإعادة التمركز فيها، ويدرك جيدا أن المئات من عناصر المرتزقة التشادية، ومن المقاتلين الفارّين من سوريا والعراق، تقف اليوم صفا واحدا ضد إعادة طرابلس إلى حضن الوطن، وتحريرها من إرهاب التكفير والابتزاز والنهب والفوضى والفرار من العقاب.

ويعلم السراج جيدا، أن المعركة ضد الجيش ما كانت لتكون معركته، فقد سبق وأن وعد حفتر في لقاء أبوظبي، بأن يتم السماح للجيش بدخول طرابلس دون طلقة رصاص واحدة، حتى ينعقد الملتقى الوطني العام في غدامس في أفضل الظروف، ثم يتم الاتجاه إلى الحل السياسي من خلال انتخابات حرة نزيهة تؤمنها مؤسسات الدولة ممثلة في الجيش والشرطة، لا الميليشيات الخارجة عن القانون والتي لا ترى إلا الإبقاء على حالة الفوضى بما يخدم مصالحها في الاستمرار في نهب المال العام وبسط النفوذ على مفاصل السلطة، إلى درجة أن يقف أمير حرب ليضرب وزيرا في مكتبه، أو يهدد باختطاف زوجته أو أبنائه.

لكن ماذا فعل السراج بعد عودته من أبوظبي؟ سافر إلى قطر واجتمع بأميرها الذي حذّره من تنفيذ الاتفاق، فدخول الجيش إلى طرابلس بالنسبة له يعني فرار كل من تورط في سفك دماء الليبيين وفي نهب المال، وعلى رأس هؤلاء قيادات الإسلام السياسي من إخوان وجماعة مقاتلة ولصوص المال العام، وهذا يعني كذلك نهاية المشروع الذي تتبنّاه قطر وتركيا وتدعمه بريطانيا وتسنده إيطاليا بانتهازيتها المفضوحة، وإعلان المصالحة الشاملة التي طالما انتظرها الليبيون لتكون أحد أبرز مخرجات الحل السياسي.

اختار السراج قطر وتركيا والإخوان والميليشيات وسعى إلى تحصين نفسه بهذا التحالف الذي يرى أن المعركة مع الجيش هي معركة حياة أو موت، وأدخل نفسه في معركة أخرى تدور في عقول بعض القيادات في طرابلس ومصراتة والزاوية، وهي معركة جهوية، وأكثر من ذلك معركة عنصرية ضد من يصفهم أتباعه بالبدو، سواء القادمين من الشرق أو من قبائل المنطقة الغربية والجنوب، ويكفى أن نقرأ تدوينات عبدالرحمن السويحلي أو نسمع نداءات محمود عبدالعزيز، ونتابع ما تنشره الجيوش الإلكترونية ووسائل إعلام الإسلام السياسي، حتى نفهم إلى أي حد وصل الانهيار الأخلاقي والقيمي من قبل التحالف الإرهابي.

خلال الأيام الماضية، قام طيران السراج المنطلق من قاعدة مصراتة الجوية بقصف مدن مثل غريان وطرهونة ومزدة هون وعدد من ضواحي طرابلس، ما تسبب في قتل العشرات من المدنيين أغلبهم من النساء والأطفال

أعلن فايز السراج الحداد على أربعة شهداء سقطوا بقصف ميليشياته، وكلّف وزير خارجيته محمد سيالة بتوجيه رسالة إلى مجلس الأمن، وأطلق حملة دعائية واسعة في إعلام بعضه مندمج في المشروع القطري التركي الإخواني، وبعضه مرتزق، يساند من يدفع أكثر، بينما لم يحاول أن يتذكر ما قام به حلفاؤه المقرّبون من عمليات إرهابية وإجرامية في قرقور وتاجوراء وبني وليد وورشفانة وسرت وتاورغاء وبراك الشاطئ، ولا الدماء التي سفكت في السبت الأسود، ومن قبل ميليشيات “قسورة” و”فجر ليبيا” و”الشروق”، ولا ذبح الجنود والأمنيين والمدنيين من قبل إرهابيي المنطقة الشرقية الذين فروا إلى غرب البلاد، وخرجوا خلال الأيام الماضية ليرفعوا شعارات الثأر من الجيش الوطني.

لم يعد خافيا أن العالم تخلى عن سلطات طرابلس، وأن من يدافعون عنها اليوم في الدوحة وأنقرة وروما ولندن، وفي بعض الأحزاب والمنظمات والجماعات، إنما يدافعون عن الإخوان والميليشيات الجهوية والعقائدية، وليس عن المجلس الرئاسي نفسه، وإنما عمّن يحتمون بما تبقّى من شرعيته التي فرضها اتفاق الصخيرات، لذلك كان على تلك السلطات أن تخرج فيلم قصف المدنيين في أحياء العاصمة، وهو ما حدث فعلا، لكن الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة، لديها من الإمكانيات التقنية ما يمكّنها من تحديد المواقع التي انطلقت منها الصواريخ.

من يعود إلى الوراء قليلا سيدرك أن ميليشيات الإسلام السياسي بالذات استسهلت فبركة الأكاذيب منذ حربها للإطاحة بالنظام السابق في ليبيا، عندما قامت بتصنيع أخبار زائفة مثل قصف المدنيين بالطائرات في طرابلس، وإصدار قرار بهدم مدينة بنغازي على رؤوس أهاليها، واستقدام عشرات الآلاف من المرتزقة الأفارقة وغيرها.

6