فايق المير الذي أصر على البقاء ولو معتقلا

السبت 2014/09/06
المير: "الأسد لن يبقى إلى الأبد، على الثورة المنتصرة أن تأخذ ذلك بالحسبان"

طبّق نظام الأسد سياسة خبيثة في زج القيادات الشبابية والمخضرمة في المعتقلات حيث يلاقي كثيرون منهم حتفهم، وفي نفي آخرين وإجبارهم على مغادرة سوريا، لتفريغها من العقول المتنورة، مقابل ترك المجال مفتوحاً أمام الجهاديين والظلاميين البسطاء منهم وأولئك المرتبطين بأجهزة المخابرات المختلفة.

فايق المير أحد الذين تركوا فراغاً كبيراً في نطاق دمشق بعد أن تم اعتقاله، مناضل سوري معروف، وسياسي ارتبط اسمه بحزب الشعب لكن اسمه ونشاطه ارتبطا على نحو أكبر بالثورة السورية وحراك الشباب الديمقراطي فيها، اعتقله نظام الأسد في لحظة حرجة، كانت ارتكبت خلالها مجزرة القبو بحق عائلة من الطائفة الإسماعيلية في منطقة علوية حيث كان يمكن أن يلعب دورا في منع انفجار طائفي كما كان لعب هذا الدور في أحداث القدموس سنة 2005، فمنع مع رفاقه انفجار منطقة القدموس وجوارها في فتنة طائفية لا تبقي ولا تذر، لم تعتقله مخابرات النظام سنة 2005 لأنهم لم يكونوا راغبين في افتعال مذبحة طائفية، لكن الوضع تغير في سنة 2013 وقد تغيرت حسابات النظام وصارت الفتنة الطائفية مطلوبة، حينها قام الأسد باعتقاله.


العمل السري


بدأ فايق المير العمل السياسي المعارض يوم كان في الثامنة عشرة ومنذ ذلك الوقت ارتبط الحزب الشيوعي به وبعديد من المناضلين الشبان، وكان الحزب الذي افترق عن الخط البكداشي منذ السبعينات هو الأقرب إلى نبض الحياة السورية حيث كان له في كل حملة اعتقالات نصيب لن يقل عن العشرات من كوادره، وكان النظام يتخذ خطوات جائرة بحقهم بينها الطرد من الوظيفة فكان أن طرد فايق المير من عمله في سد الفرات، ومنذ بداية الثورة كان المير وحزب الشعب الديمقراطي منخرطين في ثورة الشعب السوري أكثر من بقية الأحزاب المعارضة “التقليدية”، وانتشرت كوادر الحزب في مختلف المناطق السورية للعمل من أجل الثورة، ولم يخرج أحد منهم سوى جورج صبرة بتكليف من الحزب من أجل العمل السياسي في الخارج.


تحت المراقبة


هذا الرجل الآتي من القدموس الجبل القريب من البحر كان يقضي حياته بين السجن والملاحقة ومراقبة منزله حيث تقطن زوجته وولداه فرح وعلي، كحال كثير من المناضلين السوريين، لم يتوقف الأمر على أبو علي فزوجته لم تسلم من استدعائها مرات إلى الفروع الأمنية، وقبل عشر سنوات يشكو أبو علي في مقال نادر له من تنصّت الرقيب السوري على هاتف بينه وبين زوجته، يشكو من تجسس الرقيب الاسدي على نبضات الحياة: “ما الذي يهدفونه من الاختباء خلف سماعة الهاتف والتلصص على زوجتي إن قالت مشتاقة!! أو على أمي إن اطمأنت عليّ”؟ ويجيب “يطول بقاؤهم خلف السماعة، وفي الطرقات وعلى الهامش من الحياة، وتبقى زوجتي تقول كلماتها وأمي تطمئن عليّ وكل شيء فينا يقول أن: (تحيا الحياة.. تحيا الحياة)".


مير القدموس


ولد أبو علي فايق المير واسمه الحقيقي -فايق علي أسعد- في محافظة طرطوس في بلدة القدموس سنة 1954، درس الكهرباء في معاهد جامعة حلب، وفي العام 1986 تولى مهام قيادية في المنطقة الشرقية من سوريا في حزب الشعب الديمقراطي السوري وكان يومها يعرف باسم الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي أو جناح رياض الترك، وفي العام 2003 عيّن عضواً في اللجنة المركزية وفي المكتب السياسي للحزب، وفي المؤتمر السادس تمّ انتخابه لعضوية اللجنة المركزية ومن ثمة عضو أمانة عامة في الحزب، سُجن سياسياً بسبب آرائه المعارضة لنظام حافظ الأسد 12 عاما في العام 1986، وكان من المشاركين في إعادة تأسيس حزب الشعب من جديد بعد العام 2000 في فترة ربيع دمشق، ليأخذ الحزب الاتجاه الفكري اليساري الديمقراطي، ثم سجن لمدة عامين 2005-2007 في عهد بشار الأسد.


الثورة والشعب


يرى فايق المير أن الثورة السورية فرضت منطقها على الجميع، ورسخت تعاطيا جديدا في العمل السياسي من الأحزاب لأن طبيعة الصراع اختلفت، فالمعارضة لم تعد مركز الصراع مع السلطة بل أصبحت الثورة هي مركز الصراع وبالتالي فإن الموقف السياسي للمعارضة أصبح يعرف ويتحدد بالموقف من الثورة

أحد المؤمنين بشكل مطلق بانتصار الثورة السورية وأنها للشعب السوري كله، ولأجل ذلك قدّم المير كل وقته للثورة، عمل عن قرب مع الشهيد عمر عزيز، وكان من بين قليلين آمنوا ودعّموا بحماس فكرته ورؤيته بخصوص تأسيس مجالس محلية، كما أنه كان ممن ينظّم المساعدات وأعمال الإغاثة في الغوطة الشرقية المحاصرة.

يقول فايق المير في لقاء أجري معه قبل اعتقاله الأخير: “الأسد لن يبقى إلى الأبد، على الثورة المنتصرة أن تأخذ ذلك بالحسبان، وتدرك أنها لا تحقق أو تطلب الحرية لأنصارها فقط بل ولكل السوريين بمن فيهم أولئك الذين لم يناصروها أو بقوا منحازين للطاغية حتى آخر الوقت، فهي ثورة كل السوريين”.

وفي رأيه أن الثورة هي البوصلة التي تحدد وفقها المعارضة اتجاهها، وهي مركز الثقل: “الثورة فرضت منطقها على الجميع، وتعاطيا جديدا في العمل السياسي من الأحزاب. لأن طبيعة الصراع اختلفت، فالمعارضة لم تعد مركز الصراع مع السلطة. بل أصبحت الثورة هي مركز الصراع وبالتالي فإن الموقف السياسي للمعارضة أصبح يعرّف ويتحدد بالموقف من الثورة”.

وفي سؤال من صحفية عن مفاضلة بين حزبه (حزب الشعب) والثورة قال إنه لا اختلاف بين الثورة وبين خط حزبه لكن لو خيّر بين الاثنين لاختار الثورة ” لا أجد أيّ تعارض بين عملي في الحزب وعملي كناشط في الثورة معاً. أمّا إذا كان لا بد من المفاضلة، فأنا في هذه الحالة سأختار الثورة لأنها تحمل أحلامنا وأهدافنا”.


أفراد في سوريا الأسد


قال الكاتب اللبناني زياد ماجد: “لا تستقيم كتابة تاريخ سوريا الأسد من دون كتابة سيَر أفراد كانت حياتهم سجلاً لكثرة من أحداثها، من هؤلاء الأفراد، يبرز اسم فايق المير، أبو علي، أو “العميم” كما يسمّيه صحبه ورفاقه. فالرجل القدموسي عانى منذ أواخر السبعينات عسف النظام المباشر والعنف الجسدي الذي طاله ومروحةً واسعة من الناشطين السياسيين السوريين، فاعتُقل وضُرب وتوارى عن الأنظار فترةً طويلة قبل أن تُطبق عليه أجهزة الطغيان”، وتكتب بدور حسن: “فايق المير كان ذا قلب لا يهزّه اليأس وروح عصية على الانكسار. حتى بعد 10 سنوات في السجن، لم يضطرب الرجل ولم يتخلّ عن النضال من أجل الحرية والديمقراطية في سوريا”.


اغتيال جورج حاوي


إثر اغتيال جورج حاوي في بيروت اعتقل فايق المير وتمّ استجوابه حول زيارته إلى لبنان للتعزية بوفاة جورج حاوي وعن علاقته بجماعة 14 آذار وعن اتصال هاتفي دار بينه وبين النائب الياس عطا الله أمين سر حركة اليسار الديمقراطي للتعزية ببيير الجميل، الأمر الذي أدى به إلى قضاء سنة ونصف في سجن عدرا بعد الحكم عليه بالاعتقال لثلاث سنوات.

باعتقال فايق المير واغتيال سياسيين وناشطين مدنيين كثر في المدن السورية وتهجير الآلاف منهم يفرغ نظام الأسد سوريا من القيادات المتنورة القادرة على التأثير في الداخل ليترك الساحة للمتطرفين والجهاديين

ولفايق المير تاريخ عريق مع الاعتقال، سجن سبع مرات قبل اعتقاله الأخير، منذ العام 1979 ووجهت له تهم عدّة حوكم عليها “دس الدسائس لدى دولة أجنبية بقصد العدوان على سوريا” و”إضعاف الشعور القومي” و”إثارة النعرات الطائفية” و”نشر أخبار كاذبة من شأنها وهن نفسية الأمة”، وحين أخبره قاضي التحقيق أثناء محاكمته بهذه التهم الموجهة إليه أجاب أبو علي: “أرفض السؤال الذي وُجّه إليّ، هدفي هو الحفاظ على الاستقلال الوطني وتحرير الجولان وإنهاء الاستبداد وإقامة الدولة الديمقراطية ووجوب تداول السلطة وعدم التفرد بالحكم، إننا مستمرون في معركة الديمقراطية وبناء الدولة الحديثة”.


المير والشباب


كان لفايق المير اتصالات وعلاقات واسعة مع الأوساط الشعبية والشبابية، عدا عن الأوساط السياسية المعارضة، وهذا ما زاد من حقد النظام عليه، هو في نظر هؤلاء الشباب مناضل يملك روح الشباب، لا يكل ولا يهدأ، تجده في كل مكان، يشارك في كل فعالية يمكنه أن يصل إليها، تقول هنادي زحلوط الصحفية والكاتبة رفيقته في الحزب: “لطالما ترك اجتماعاته الحزبية، وحتى المهمة منها، مفضلا الجلوس في حضرة شبان وشابات في مثل عمري، يستمع إلى أفكارهم المجنونة، إلى خيباتهم، إلى مخاوفهم، ويحاورهم، كان واحدا منهم، لم يسرد تاريخه النضالي المرصع بسلسلة طويلة من سنوات الاعتقال، كانت تلك السنوات كنز خبراته التي تعلم منها الحكمة، أكثر بكثير مما تعلم منها التفاخر”.


دفتر العائلة الأبيض والأسود


كان فايق المير ملاحقا أمنيا عند قيام ثورة 15 آذار، ليتمكن نظام الأسد من اعتقاله يوم الاثنين في السابع من أكتوبر من العام 2013 بعد أن خرج من منزله في منطقة القصور بدمشق العاصمة وبعد ما يقارب نصف الساعة داهم مسلحون بثياب مدنية منزله وصادروا أشياء تتعلق به وقالوا إنه تم القبض عليه، ولم يعرف شيء عن مصيره حتى الآن، علما أنه يعاني من الاستسقاء الكلوي، وكذلك من حصوات كلوية متكررة، تحتاج لتدخل طبي ومراقبة منتظمة، ورغم المناشدات الدوليّة الكثيرة، ومناشدات المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، كمنظمة العفو الدولية (أمنستي)، ومنظمة آفاز، وغيرها من أجل إطلاق سراح أبو علي فايق، ما زالت أجهزة المخابرات السوريّة تتكتم على اعتقاله دون أي توضيح لأسباب هذا الاعتقال أو الجهة التي اعتقلته، أو حتى الكشف عن مكان احتجازه.

13