فبُهت الذي فكر

الخميس 2016/04/21

صادفته ويا ليتني لم أصادفه، يمشي في الشارع وسط مدينة سياحية معروفة بسحر شواطئها الدافئة.

كان الفصل فصل الحرارة والاستجمام (الصيف)، والشهر شهر الرّحمة والغفران (رمضان)، والوقت وقت الظهيرة وزوال الظل بالتمام (منتصف النهار)، وكان يحمل ابنته التي تشكو من ألم في إحدى ركبتيها، لربما هي أعراض طول القعود وقلة اللعب، أو هكذا خيل إلي وأنا أنظر إلى انتفاخ بدنها.

رغم ذلك لم تكن البنت تتخطى ربيعها السادس على أكبر تقدير. لكن، ليس هذا كل ما في الأمر.

لم يكن يحملها إلى المشفى كما ظننت في الوهلة الأولى، وإنما كان يحملها إلى محل من محلات تحفيظ القرآن، أو هكذا أخبرني. كانت ترتدي حجابا يشبه حجاب الراهبات بالتمام، لكنه أكثر حلكة وأشد سوادا، أو هكذا تراءى لي.

كان العرق يتصبب من وجه الرجل الذي لم يكن في ظاهر الأمر رجلا ملتحيا. أما البنت فقد بدا حجابها مبللا من فيض العرق الدافق من جسمها البدين.

ولأن الساكت عن الحق شيطان أخرس كما علمونا، فلقد قررت أن أستجمع أنفاسي وأحافظ على ابتسامتي ثم أخاطبه بلسان عربي مبين: يا سيدي! إنها لظهيرة صائفة وحمّارة القيظ، أفلا ترحم ابنتك قليلا فتتركها تمرح وتمضي طفولتها كما ينبغي ويلزم مثل سائر أقرانها وقريناتها، ولا تعجل عليها، فأمامها سنوات كدح قاسية تنتظرها لا محالة، فلأي شيء تريد أن تُعِدّها من الآن؟

قال لي: أعِدّها ليوم الحساب الذي لا ريب فيه.

قلت له: ومن الآن؟

قال: وقبل الآن. ثم رددها على مسامعي ثلاثا.

فبُهت الذي فكّر.

24