فتاة الخامسة عشرة في غابة ذكورية

المجتمعات العربية هي أكثر المجتمعات زخرا بما يمكن وسمه بـ”الهامشي”، حياة هامشية قبالة حياة في الواجهة، مجتمع هامشي مقابل آخر في الصدارة، هذا الهامشي الذي يخنقه الفقر والنسيان، يخلق له نظامه الاجتماعي والأخلاقي الخاص وحياته التي لا تشبه حياة المجتمع الرسمي. سرد قصة عن هؤلاء الهامشيين غالبا ما يتحول إلى نفس حزين، وهذا ما تجنبه علاء فرغلي في روايته “خيرالله الجبل” بنجاح، فكانت روايته عن الهامشيين رواية حياة وأمل رغم القسوة.
السبت 2016/11/19
أمل يعيش في العشوائيات

بدأ الكاتب المصري علاء فرغلي حياته الإبداعية كشاعر وصحافي وأيضا سيناريست، حيث أصدر مؤخّرا روايته الأولى “خيرالله الجبل”. وفي الحقيقة تنمُّ الرواية عن موهبة كبيرة في السَّرد ووعي بتقنياته، والأهم أنها تكشف عن وعيه المشتغل على مشكلات حقيقية تُؤَرِّق المجتمع المصريّ بمختلف طوائفه، ومن ثمّ يختار في أوّل عمل له موضوع العشوائيات ليكون ثيمة لروايته الأولى.

واقع العشوائيات

لا تقدّم الرواية مجتمع العشوائيات من الخارج أو تقف عند حدود اتصاله بالمدينة وعلاقة الصراع بينهما كما جسّدها مكاوي سعيد في “تغريبة البجعة”، بل تنطلق من داخله ومن شخصياته التي نشأت وترعرعت فيه، فتلتحم معها ومع مشكلاتها ووعيها المسْتلب وأيضا مع تحدياتها.

ومع أنها رواية باكورة في نتاج علاء فرغلي الإبداعي، إلا أنها فاتنة إلى أبعد حدّ، وجمالها في كونها باعثة للأمل رغم قتامة الواقع الذي ترصده، وبؤس الحياة التي يعيشها أبطالها، لكنها تنفذ إلى بقعة الضوء والأمل. وفتنتها في توظيفها تقنيات الرواية بمهارة عالية، فالمؤلف الشّاب مَاهرٌ في تتبّع خيوط السّرد المتعدِّدة ومصائر شخصياته، على كثرتها، وصراعاتها.

وعلى الرغم من أن حجم الرواية الضخم، وصل إلى 412 صفحة من القطع المتوسط، إلا أنه استطاع أن يَشدّ القارئ إلى مرويته، بلغة سهلة طيّعة مالت في الكثير منها إلى العامية، وهي عامية العشوائيات التي يرصدها. وقد منح المؤلف راويته سلطة التجول والرصد، دون أن يقع في فخاخ الانحياز لأي طرف، وإن كان قد فشل في حياده مع بطلته الأثيرة صالحين، فتورط في الانحياز لها، مثلما تورطنا نحن في حبِّها والخوف عليها، عندما هدّدت بحرق نفسها، إذا تعرَّض ناجي لابن جاره بائع الدجاج الذي شَدَّ طرحتها وكاد أن يضربها.

الراوي يعمد إلى إدراج جماليات حكائية مستمدة من وقائع بيئة المهمشين في مكان حقيقي له جغرافيته المحددة وهو مصر

وتتألف الرواية، الصادرة عن دار العين للنشر 2016 من قسمين كبيرين، يشغل الجزء الأوّل حكاية المكان، وكأنّ السّارد يتبَّنى في صورة هذه العزبة تقديم سردية عن القاع، تؤرّخ لكيفية تشكّل العشوائيات على تعدّدها واختلاف مواقعها، ومن ثمّ تأخذ الرواية منحى تأريخيا عبر سرد يتتبع نشأة المكان في غفلة من السُّلطة تارة ثمّ بعلاقة التواطؤ بين الطرفين تارة أخرى، وذلك من خلال حكاية صالحين التي سقط البيت على أمّها ومات أبوها مكهربا في فرن وتركا لها إخوة الكبير فيهم يصغرها بثلاثة أعوام أما الصغير فمازال يحبو، تعيش واقعا مأسويا. فهي الأخت الكبرى التي تعيش على حلم أن يكبر هؤلاء ويصيروا رجالا أو أن تتزوج ممَّن يُساعدها على تربيتهم.

وتنتقل صالحين إلى عزبة خيرالله وكانت من المؤسسين الأوائل، حيث انتقلت بعدما دفعت ثلاثين جنيها حصلت عليها من تعويض عن وفاة والدتها. ثمّ يرصد لنا الراوي رحلة صعودها إلى الجبل، وهي جاهلة بطبيعة المكان ومتخوفة مما نسج من خرافات عن الطريق والطاحون. وفي هذا المكان، الذي لم يكن فيه غير عدد قليل من السكان، تبدأ حياة جديدة لها قوانينها لكن الغريب أنها صارت على حافة المكان دون أن تنغمس فيه، فتصرّ على تعليم إخوتها لتنتهي الرواية بعلي طالبا في كلية الإعلام، وناجي يدرس في كليتي الحقوق والألسن.

يعمد الراوي إلى إدراج جماليات حكائية مستمدّة من وقائع بيئة المهمَّشين، حيث العنوان يحيل إلى اسم مكان حقيقي له جغرافيته المحدّدة ضمن جغرافية مصر، فالحياة في داخله “كحياة البحر، واحدة ومتلاطمة، متتابعة ذات أنواء. والخارج منه ليس مولودا بل ميت تماما”. فيتردّد شريط لغوي حاويا لبنى الأمثال الشعبية والأقوال المأثورة والعبارات الدارجة التي تتردّد على لسان العامة، كما يتخذ منها عناوين لفصول مرويته مثل “يا قلة الصبر”، “الموت بيوجع الحي”، “ما بيوجعش الميت”، “يا مُنجِّي داوود من جالوت ويونس من بطن الحوت”، “رزق العبيط بالغبيط”، وغيرها.. فتأتي العناوين في أغلبها وكأنها أحكام قيمة توضح موقف الراوي من قائلها بالسلب أو بالإيجاب.

الحكي الشعبي

يزاوج الراوي بين اللغة الفصيحة الرصينة في السّرد واللغة العامية في معظم الحوارات بين الشخصيات. فثمة شريط لغوي يحاكي الخطاب الشعبي بألفاظه النابية تارة وإبدالات حروفها تارة أخرى، فيقال عن العقرب أعرب أو الضابط ظابط، والجماجم جناجم. كما تعكس أسماء الشخصيات التي استمدّت دلالتها من واقعها، كالضبع، وسيد عضمة، وكبّر، وصندل، وأبوتلات، وأبوتيتو، وأبوقرن، ومتولي الخرّار، ونطرة، وسردوح السّريح. وهي صورة أخرى من التماهي مع الواقع الأرضي للقاع.

سردية القاع وهجائية تسخر من السلطة مجتمع العشوائيات المصري

واللافت أن السياق التاريخي الذي تدور المروية في فلكه لا يتأتى عبر تاريخ فيزيقي مجرد أو يستند إلى أحداث ووقائع تاريخية، بل يعمد إلى وقائع تاريخية لها تأثيرها على الذاكرة الجمعية في صورة دراما وأهمّ المسلسلات التي كان يُتابعها المصريون منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي، فتصبح هي التّأريخ المتدَّرج للزمن المرجعي للرواية بل ويربط الراوي بين سياق وأحداث هذه المسلسلات وأحداث روايته.

ويعيد الكاتب للشخصية النمط مكانتها في الرواية المصرية بعدما غابت كثيرا. فشخصية صالحين ذات الـ15 عاما، استطاعت أن تقاوم الظروف لتنجو بسفينتها التي هي ميراثها من أمها وأبيها، كما حافظت على نفسها وسط غابة ذكورية من الرجال أحاطت بها وصلت إلى اشتهاء جسدها ومدّ اليد نحوه. فتحمّلت مسؤولية أربعة أشخاص على عاتقها ونهضت بهم حتى صاروا رجالا دون كلل أو حتى المعايرة بأنّها ضحّت من أجلهم.

فصارت نموذجا يتساوى مع نماذج شخصية حزينة. فشخصيّة صالحين هي النموذج الإشكالي الوحيد كما هي عند لوسيان غولدمان، بل أيضا إخوتها جميعا وعلى الأخصّ عليّ وناجي، فكلاهما لم يقف مكتوف الأيدي بل عمل واجتهد ومارس أعمالا كثيرة ورغم قسوتها، إلا أنهما لم ينكسرا وإن كانت ثمة عوامل كثيرة مساعدة لهما كحسن الكتبي الذي كان داعما معنويا مهمّا.

ويغلب على شخصيات المكان التعلق بالأحلام، وهو ما يوضح إشكالية هذه الشخصيات التي لم تستسلم لصعوبة الواقع الذي تعيش فيه، إلا أنّ الغالبية تنجح في الوصول إلى أحلامها. فصالحين يتحقّق حلمها بتعليم إخوتها، وأبوتيتو استطاع رغم كبر سنه أن يقيم دورات رمضانية ومباريات تنافسيّة مع مراكز شباب رسميّة، وهو ما جعله يطمح لأن يقود الفريق إلى منافسات في الدوري.

وعلى الرغم من أن الرواية لا تتبنّى أفكارا أيديولوجية مناهضة للسلطة أو أن أحد أفرادها كان معارضا لها، إلا أنها (الرواية) بما تسرده عن هذا الواقع القاسي الذي نشأت فيه هذه الجماعات المهمَّشة، إضافة إلى سيطرة بعض الأفراد على هذه المناطق وإقامة دولة لها نظامها عبر فرض رجالها بالمنطقة لجمع الإتاوات وغيرها من وسائل بسط النفوذ.

تبدو الرواية وكأنها هجائية تسخر من السلطة في كل مشهد من مشاهدها، وتلوح هذه الهجائيّة في مشاهد وصف تدجين الدولة للشباب للانضمام إلى الحزب الحاكم ومعسكراته. وعلى امتداد السرد كانت السلطة حاضرة بنفسها أو عبر وسيط لتقهرهم، لكن في نهاية الرواية جعلت من الطريق السريع وسيلتها ليكون قاهرا إلى ما لا نهاية.

17