"فتاة القطار" يوميات ثلاث نساء إنكليزيات ورجل

هل يمكن أنْ تتوقف حياة الإنسان عند مرحلة معينة، ولا يستطيع أنْ يتجاوزها إلى محطة جديدة يبدأ منها إلى حياة مغايرة عن تلك التي شعر فيها بالهزيمة؟ ولماذا يَرْهن الإنسان نفسه لماضٍ يوقف عنده مسيرته، ويجعله كحائط مبكاه وصخرته التي يجلد عندهما ذاته؟ هل بإمكاننا بالفعل تخطّي العقبات التي خلفت جروحا في الروح ومن ثم نقود قطار حياتنا دون أن نعبأ بمحطات الهزيمة والانكسار؟ حول هذه الأسئلة وأكثر تدور رواية «فتاة القطار» للروائية الإنكليزية باولا هوكينز.
السبت 2016/03/12
قطار الحياة ينحدر في المدينة

«قلق على امرأة مفقودة مِن ويتني» بهذا الخبر المُكثَّف الذي يُلفت انتباه ريتشيل على موقع ياهو أثناء إرسال رسالة إلى أمها بعد إصابتها في حادث اصطدام مساء الاثنين 15 يوليو 2013، تنقطع رحلة التأملات التي بدأت بها السّاردة ريتشيل اليوميات التي تسجلها وهي في رحلة القطار التي تقوم بها يوميًّا إلى عملها، في رواية «فتاة القطار» للروائية الإنكليزية باولا هوكينز. صدرت الطبعة العربية للرواية التي تصدّرت قوائم الروايات الأعلى مبيعا لنيويورك تايمز على مدى 16 أسبوعًا في عام 2015، عن دار الرمل بالقاهرة.

اختفاء مثير

تتصاعد أحداث الرواية وتتعقد، في ظل تشابك الشخصيات وصراعها حول الرجل، فتسرد ريتشيل عن ذاتها وماضيها وعلاقتها بهذا الرجل وخيانته لها، حتى تنفك الخيوط قبل نهاية الرواية بقليل، لنكتشف أنّ القاتل هو توم الذي كان متزوجا من ريتشيل ثم انفصل عنها ليتزوج بآنا بعد علاقة معها أثناء زواجه من ريتشيل، ثم يقع في علاقة مع ميغان زوجة سكوت الشقراء الجميلة، بعد أن التحقت بوظيفة جليسة أطفال، وبعد أنْ أشفقت على آنا عندما رأتها في الحديقة هي وابنتها.

تعتمد المؤلفة على بنية اليوميات حيث تروي ريتشيل يومياتها أثناء مرورها ببيتها القديم عندما كانت زوجة لتوم، وأثناء مواظبتها على هذا الطريق اليومي وكنوع من الشعور بالفقد للعائلة تراقب زوجين في شرفة البيت رقم 15، فتخلق لهما عالما خياليا وتمنحهما وجودا بإعطائهما اسمين جيسون وجس، وتواصل مُتابعتها لحياة الزوجين التي ترى فيها تعويضا لحياتها الزوجية المفقودة. لا تقتصر بنية اليوميات على ريتشيل بل تسيطر على جميع الشخصيات، التي تأتي سرودها/ يومياتها لتدور في إطار يوم الحادثة أو قبل زمان وقوعها بقليل، وإنْ كانت ثمة خروقات عبر استرجاعات للماضي البعيد حيث الطفولة كما في حالة ميغان وتوم، وميغان وعلاقتها بأخيها أيضا، أو الماضي القريب حيث بداية العلاقة بتوم كما في حالة آنا.

أحداث الرواية تتصاعد وتتعقد، فــي ظـل تشـابـك الشخصيـات وصراعها حول الرجل حتى تنفك الخيوط قبل نهاية الرواية

بعد اكتشاف اختفاء ميغان تتداخل الشخصيات وتنفتح خيوطها لنعرف أن النساء الثلاث: ريتشيل وميغان وآنّا، وقعن في حبائل رجل كذاب، توم، الذي خانهن. الشخصية المحورية في الرواية هي رتشيل امرأة مضطربة، مدمنة على تناول الكحول، بدينة على نحو ما، كان إفراطها في الشرب أحد عوامل فقدانها زوجها ثمّ في مرحلة لاحقة فقدانها عملها، لم تكن خسارتها لزوجها أو عملها هي جل ما يؤرقها، وإنما كان فشلها في إنجاب طفل هو سبب اضطرابها وإفراطها في الشراب كمحاولة للنسيان أو الهروب من هذه الحقيقة المفجعة، وكان لهذا تأثيره عليها بأن وصفها زوجها بأن «ذاكرتها لا تصلح لشيء، فهي تنسى دائما»، كما أن المحقّق لم يأخذ بشهادتها عندما أبلغت عن الدكتور كمال كمشتبه في قتل ميغان، لأنها «شاهد لا يعتمد عليه» كما وصفها المحقق.

تعمد المؤلفة في تشكيل حكايتها إلى بنية تعدّد الأصوات، حيث تسرد الشخصيات الثلاث (ريتشيل، وميغان وآنّا) كلّ واحدة الرواية مِن منظورها، دون أن ينفصل عنصر التشويق والإثارة عن السرد. اكتشاف حمل ميغان، يغير مجرى الأحداث حيث الشكوك تلاحق الطبيب كمال، وفي ذات الوقت يستدعي العودة إلى ماض مثير، والذي يكشف عن امرأة متمردة وصل بها الأمر إلى قتل طفلتها خطأ، ثمّ تخون زوجها سكوت مع توم كنوع من المغامرة أيضا، وفي مرحلة أخرى تراود الدكتور كمال إلا أنه يصدها.

يتمُّ توظيف التكنولوجيا الحديثة الإيميلات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، والرسائل القصيرة داخل الرواية بوعي شديد، فريتشيل تكتشف الخيانة عبر رسالة إلكترونية وكأن الرسالة حلت محل أحمر الشفاه على ياقة القميص، كما يتم التواصل بينها وبين سكوت عندما تُبلِّغُه بأمر خاص باختفاء ميغان عبر الإيميل، وتستخدم ريتشيل الرسائل كنوع من المضايقات لتوم وزوجته آنا برسائلها المزعجة لهما، كما تكشف عن أحد الوجوه السلبية لهذه التقنيات التكنولوجية حيث تظهر حالات من الخيانة الزوجية كما كشف إيميل توم الذي وجدته ريتشيل مفتوحًا وفيه رسائل فجّة بينه وبين صديقته آنّا بويد.

الرواية تطرح الكثير من التساؤلات حول الذات البشرية

ثلاث نساء ورجل

تمكنت ريتشيل الفتاة المضطربة من فكّ لغز الجريمة، بل ذهبت إلى بيت توم وواجهته أمام زوجته، ولم يجد بدا إلا الاعتراف، وإن كان ألقى باللائمة عليها، بعدما أوثقها وخيرها بأي وسيلة تفضل أن يتخلص منها «عليك أن تعترفي بالأمر. أنت التي جلبت هذا لنفسك فكري فيها. لو أنك تركتنا وحدنا لما وصلت إلى هذا الوضع أيضا». وتتكشّف العلاقة المتشابكة بين النساء الثلاث والرجل المشترك بينهم، توم، وتنتهي هذه العلاقات بحمل ميغان. وعندما طلبت منه الاعتراف بما في بطنها أجبرها على الإجهاض، وهي الأزمة التي انتهت بقتلها في غابة كورلي.

علاقة ريتشيل بتوم الذي أنقذها من الأسى يوم وفاة والدها، وأيضًا علاقتها بصديقتها كاثي وأيضًا مواقفها في القطار مع العابرين، أكّدت حالة الاضطراب التي تُسيطر عليها وجعلتها دائمًا في حالة احتياج للخمور التي كانت تلازمها أثناء رحلة القطار، إلا أنها في كشفها لهوية القاتل ما يكشف أن الأعراض السّابقة ما هي إلا نتاج لتأثير حالة الوحدة التي كانت تعانيها، وافتقادها للآخرين، لذا نراها تكثر من التردد على الطبيب كمال أبديك الذي سبق وأن أبلغت عنه سكوت وأيضا المحقّق غاسغيل، وذهبت إليه بدعوى رؤية تأثير وقع معرفته بأن ميغان كانت حاملا.

ثم تواصلت ريتشيل مع سكوت بل وأقامت معه علاقة، ولكنها بقيت تحوم حول بيت زوجها السابق تـوم، متخيلـة ما يفعله مع ابنته ليفي في الحديقة، كل هذا يؤكّد على أنها كانت في رغبة مُلحة للتواصل مع الآخرين، وفي الفترات التي كانت تبقى في وجودهم لا يظهر عليها أيّ أثر مِن الاضطراب بعكس تواجدها في البيت، فكانت تُغلق على نفسها الغرفة ولا تبالي بنداءات صديقتها كاثي، وتنهمك في الشراب حتى تذهب في غيبوبة، نفس الشيء يلاحظ عليها في إصرارها على ركوب القطار يوميًّا حتى بعد استقالتها وذهابها إلى عملها الوهمي، فقط لكي تتابع القطار وهو يمرُّ على بلدتها وبيتها القديم وبيت زوجها في شغف يصل إلى حالة عقاب لذاتها، بما يحمله هذا الفعل من اجترار لمرارات التذكّر.

لا يجد قارئ رواية «فتاة القطار» مجرد حكاية تتوسطها جريمة قتل فقط، وإنما رواية تطرح الكثير من الأسئلة حول موقف الإنسان مِن الحياة وعلاقته بالماضي وكيف يواجه قطار الحياة إذا توقف عن السير؟ رواية أبسط وصف لها أنّها مُلهمة ودافعة للتواصل مع الحياة وصخبها، وهو ما يعطيها أهمية كُبرى وسط موجة من الكتابات التي تنتهي ولا تقول شيئًا.

16