فتاة برداء أسود ونار تلتهم العالم من ثلج النرويج إلى غابات نيكاراغوا

السبت 2014/10/11
أسبيدال تحدث عن تجربته بكثير من التجرد وبحيادية مدهشة

برلين - من بين الأعمال التي لاقت نجاحا كبيرا في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، رواية “ضد الطبيعة” لمؤلفه النرويجي “توماس أسبيدال”، قام بترجمتها إلى الألمانية “هنريش شميدت هنكل”. وتحت عنوان الرواية كتبت ملاحظة صغيرة “دفتر اليوميات”.

ولد “أسبيدال” في مدينة صغيرة اسمها “بيركن” وتعني الجبال في نوفمبر عام 1961، كتب العديد من القصص القصيرة والمقالات في الصحف والمجلات النرويجية، وأخيرا نشر دفاتر يومياته، التي تناول فيها أدق تفاصيل حياته حتى نكاد نقول بأنه قد تعرّى أمام القراء، وقد لاقت رواجا كبيرا حصل على إثرها على جائزة النقاد الشهيرة في أوسلو عام 2009.


أرض الثلوج


النص في ظاهره يبدو هادئا متناغما مع وقع الحياة في الأصقاع الشمالية الباردة للقارة الأوروبية، لكنه في مستوى السطح النصي فقط، الذي سرعان ما يبدأ بالتكسر لنلامس في النهاية حرارة المشاعر والانفعالات، حيث تصل أحيانا إلى حدّ عدم الإدراك أو المبالغة بحيث يخيّل للقارئ بأنه يقرأ لكاتب من الجنوب حيث المشاعر لها القدح المعلّى وليس لروائي قادم من أرض الثلوج الدائمة أي النرويج!

أحيانا تتداخل تصوراتنا المسبقة لتملي علينا وعيا نمطيا فنتصور سريعا أن طباع البشر في تلك الأصقاع النائية مماثلة للطبيعة السائدة، ولا تخرج عن ذبذباتها الرتيبة التي تشبه مسارا بطيئا يتوحد في النهاية مع الأبدية من خلال منظر الثلوج المتراكمة منذ أزمنة بعيدة بلا حراك. لكن رواية “ضدّ الطبيعة” تزيح هذه التصورات المغلوطة وتتيح لنا إطلالة نادرة على دواخل حياة أبطالها الحقيقيين ونفاجأ بأنهم يشبهوننا، من حيث الشطحات الانفعالية المنفلتة أحيانا عن عقالها، وأن البشر هناك ليسوا بالضرورة من ذوي الطبيعة الباردة بالمعنيين المادي والعاطفي.

أسبيدال يدين الأفكار المثالية البلهاء التي سادت المجتمع النرويجي خلال عقد الثمانينات

الرواية عبارة عن تجربة شخصية بكل خصوصياتها وحرارتها الإنسانية التي مرّ بها الكاتب والتي دوّنها بكثير من التجرّد وبحيادية مدهشة وكأنه يتعامل مع تجربة شخص آخر لا يعرفه، معدّدا مثالبه إلى حدود ملامسة القسوة وجلد الذات، ويدين أيضا الأفكار المثالية البلهاء التي سادت المجتمع النرويجي خلال عقد الثمانينات، وبالتالي أفكار القارة الأوروبية، مع معرفتنا بأن النرويج مجتمع انعزالي لا يبدي حماسا كبيرا للاندماج في الكيانات التجارية والسياسية التي أقامها الاتحاد الأوروبي في سبيل وحدتها النهائي، بل ينظرون إليها بنوع من الريبة خوفا على خصوصية طابع حياتهم الفريد والذي يعتزون به كثيرا.

خلال فترة الثمانينات وصل الترف الفكري والثقافي والمادي إلى أعلى مستوياته في القارة العجوز، وسادت أفكار مثالية، ذات صبغة يسارية مخفّفة، بعيدا عن الشيوعية والفاشية التي اعتبرت أنها قد استنفدت قدراتها على الخلق والتحريض نحو الأفضل، وتهيأ الأوروبيون حينها لوضع الأفكار القديمة في خانة الأيديولوجيات البائدة وغير الملائمة لعصر العولمة الذي بدأ يلوح في الأفق.

هكذا تكاثرت الأحزاب الخضراء أو الصديقة للبيئة في كل القارة وقدمت نفسها كبديل “إنساني” عن الأفكار الراديكالية. وعلى الرغم من الإرادة الطيبة المحركة للشباب الأوروبي التي كانت وراء انتشار أفكار مثل “الديمقراطية للجميع، التعليم للجميع، الفصل النهائي والتام بين الدين والدولة، حرية الجنس والمعتقد، العدالة الاجتماعية…إلخ” وتصديرها إلى كل أنحاء العالم باعتبارها القيم المثلى في الحياة. لكن هذه الفلسفة “الخضراء”، إذا جاز التعبير، ابتعدت بجهل وتعال يلامسان الغرور، عن حقائق تتحكم في دول العالم الأخرى وشعوبها، كأميركا اللاتينية أو العالم العربي وأفريقيا أو آسيا.

الكاتب رسم شخصيات الكتاب ببراعة شديدة


حالمة متمردة


فهؤلاء الحالمون الأوروبيون لم يكونوا على مستوى إدراك المسارات المعقدة للغاية التي تتحكم في المجتمعات غير الأوروبية وعدم قدرتها على استقبال أفكار وقيم مستوردة.

ومن بين هؤلاء الحالمين “أكنيتا”، الفتاة المتمرّدة ذات الملابس السوداء التي يتعرف عليها بطل الرواية في ناد ليلي أثناء عطلة نهاية الأسبوع فتغيّر حياته وهو الذي كان يهيّئ نفسه للسير على خطى أسلافه والعمل في المدينة الصغيرة، إما في النسيج أو تعليب السمك بلا أيّ طموح بل باستكانة قدرية.

تجرفه هذه الفتاة التي تراوح ما بين القبح وشذوذ الأطوار إلى عالمها المثالي وتجبره على الالتحاق بها في روما حيث تدرس فن التمثيل. ومعها يكتشف الشاب قدرته الأدبية على التأليف فيبدأ بالكتابة، ويبدي الاستسلام التام لهذه المرأة ذات الإرادة الحديدية والثورية الحالمة بتغيير العالم.

بعد العودة إلى النرويج تؤسس أكنيتا فرقة مسرحية تقدم عروضها في القرى النائية الغارقة في الثلوج الأزلية أو على ظهر السفن للبحارة المخمورين. ويرزقان بفتاة تعيد الأمل إليه ليعود إنسانا سويّا وتنقذه من الإدمان على الكحول الذي أوغل فيه منذ أن تعرّف عليها. وتقع هي في غرام أحد زملائها المسرحيين الذي يشاطرها جنونها، ويقرران السفر إلى نيكاراغوا، حيث نار الثورة المتأججة التي أشعلتها في البلاد الحركة الساندينية برئاسة أورتيغا.

في نيكاراغوا تنهار الشعارات البراقة بسرعة الواحد تلو الآخر، فمن ثورة لأجل التغيير والإصلاح إلى حروب بين ميليشيات مسلحة إلى حدّ الأسنان وتجارة مخدرات وعصابات خطف. الفساد ينخر عميقا البنى التحتية الأخلاقية للمجتمع وأجهزة الدولة، الجثث تملأ الشوارع وإرادة الفوضى هي المتحكمة في الجميع.

لقد رسم الكاتب شخصياته ببراعة شديدة، وجعلها تتبادل الأدوار برشاقة وخفة من دون اللجوء إلى التحليل النفسي المعقد والعبارات الفخمة. كما نجح باستمالة عاطفة القارئ لصالحه وتحلّى بشجاعة نادرة لاعترافه بمازوخيته وسلبيته أمام المرأة غريبة الأطوار أكنيتا.

16