"فتاة ليبيرية" عن التواطؤ مع القاتل للنجاة من القتل

الأربعاء 2015/01/28
المسرحية تقدم مدى فظاعة الحرب على الغاصب والمغتصب

يقول دعاة السلام إن الخلاص لا يكمن في الحرب، ولا مناص من التصالح. ولكن كيف بوسعنا تحقيقه؟ وتسأل جوما شاركش التي تؤدي دور مارثا، بطلة مسرحية “فتاة ليبيرية”، الجمهور: “أهو مطلب عسير؟”. لقد هزت الحرب الأهلية الليبيرية الثانية غرب أفريقيا بين عامي 1997 و2003، فلاحت سابقاتها من الحروب الأهلية في القرن العشرين وكأنها حفلات شاي.

في ليبيبريا راحت مئات الآلاف من الأرواح، وتشرد مليون مواطن في مخيمات الإيواء، بينما تجند 25000 طفل في وحدات التأهيل استعدادا لحياة النهب والجندية.

وعلى خلفية قصص رهيبة عن اغتصاب الأطفال، وإرغام نساء على ممارسة الجنس مع آبائهن، وعند نقطة تفتيش عسكرية في العاصمة مونروفيا، تمدّ الجدة يد العون إلى البطلة التي أفلتت بأعجوبة من واقعة ختان، لتحلق شعرها وتضمِّد ثدييها كيلا يبرزا، ثم تغطي ملامح الأنوثة المتبرعمة بقناع.

وفي بنطال من “الجينز” و”تي شيرت” مهلهل تتجند المراهقة عنوة على مسرح “رويال كورت” اللندني، لتنضمّ إلى كتيبة ميليشيات أغارت على قريتها، واقتنصت الغنائم من أمتعة وفتيات، والمخدرات تتلاعب بأعصابهم.

كلهم من المتمردين المتبجحين بلغة أنكليزية تشيع في غرب أفريقيا، كلهم يناصرون السياسي الليبيري تشارلز تيلور، وكلهم لم يبلغوا سن الرجولة، حتى أن أحدهم تعذّر عليه حمل البندقية الثقيلة.

لقد أدارت سلطة السلاح رؤوسهم، اعتملت الشراسة في قلوبهم مثل الذئاب، تلذذوا بالقتل مرددين كما الببغاوات الجاهلة أحاديث السياسة الجوفاء، نبذوا أسماءهم واعتنقوا وجودا جديدا موحشا، بما فيهم مارثا الآن.

أحيانا ما تغلب في الظاهر سذاجة الطفولة على المقاتلين فيشتاقون إلى رؤية أمهاتهم؛ يستشف الناقد البريطاني مات ترومان “لمحة من براءة” في المسرحية، وكأن الصِبية في ملعب: “رفسهم الارتجالي للكرة، ارتداؤهم لأبهى حلة، سقائف للدراجات، يتدربون كمن في حصة ألعاب رياضية غير أنهم مسلحون ببنادق إيه كيه - 47”، إنه يعتقد هذا.

المؤلفة البريطانيةأدمجتمشهدا من العنف الجنسي العاري لم يعهده الفن المسرحي، حتى الغربي منه

مغتصبان يمنحان فتاتين أسيرتين الخيار في مشهد عبثي؛ لهما أن تختارا مغتصبهما، ومارثا نفسها تخون جنسها وتشوِّه أنوثتها حين يدعوها محارب إلى اغتصاب فتاة، وهي المرَوَّضة لأن تلبي النداء. بل إن لمحات الفكاهة النابعة من المتمردين بين الفينة والأخرى، تظل مقحمَة شاردة ولا ينفعل معها الجمهور.

أدمجت المؤلفة البريطانية ديانا نكا أتونا مشهدا من العنف الجنسي العاري لم يعهده الفن المسرحي، حتى الغربي منه، وإن لم يأسر بشاعة الواقع.

لقد قرأت عن فتاة ليبيرية اغتصبها المقاتلون بوحشية حتى أن أحشاءها سقطت منها، ورأت في بعض الصور أطفالا يحملون هذه الأحشاء. لا تجد المسرحية جدوى من الإجابة عن سؤال المؤلفة الأثير، “كيف بمقدور الناس أن يتصرفوا بهذا الشر؟”.

كان المؤرخ ستيفن إليس قد حاول في كتابه “قناع الأناركية”، أن يستوعب كيف استطاع شبان ليبيريون يعتمرون شعورا مستعارا، أن يشقوا صدر إنسان ويلتهموا قلبه ظنا منهم أنه سيقيهم من الأعداء.

شاع أكل لحوم البشر في حومة النزاع، وترامت أنباؤه إلى البطلة المذعورة، تسرد في أحد المشاهد أن الآكلين أشاروا إلى القلب مستخدمين صورا ميكانيكية، إنه “المحرك” أو “الماكينة الأساسية”.

ثمة شيء حميم في هذا النص المسرحي، كل كلمة تنفذ إلى القلب كالمسدَّدة إلى المتفرج وحده دون غيره، علاوة على أنه عرض يشاهده الجمهور وقوفا، وفي مساحة ضيقة بعض الشيء. لا بدّ أن هناك شيئا مقصودا من هذا التقارب الذي قد يبلغ حدّ التلامس، إذ ظهر مشهد الاغتصاب رهيبا بسبب الالتحام.

وقد يتحسر المتفرج على عدة بوصات مفقودة بينه وبين خشبة المسرح، كانت ربما ستحميه من هذه البشاعة. إنها شعرة رفيعة تمتد بين الاعتقاد بموهبة الممثلين والتصديق الخالص، شعرة قطعها هذا القرب بيننا وبينهم.

المؤرخ ستيفن إليس كان قد حاول في كتابه “قناع الأناركية”، أن يستوعب كيف استطاع شبان ليبيريون يعتمرون شعورا مستعارا، أن يشقوا صدر إنسان ويلتهموا قلبه

استولت على المتفرج رغبة ملحة، ولكنها عاجزة، عند التدخل والدفاع عن المعتدى عليها، فلم يتحرك أحد، عدا حين وجّه الممثلون حركة الجمهور في خلال ساعة ونصف من وقت العرض.

إننا متواطئون في الجريمة النكراء، وعلى رأسنا مارثا، تعترف المؤلفة أن فوضى الحرب أشعلت خيالها، وقد كان من المتوقع، ربما لأنه العمل الأول لها، أن تنتصر القضية على التكنيك المسرحي وتتغلب عليه، دون أن تقلل هذه الحقيقة من شأن مخرجه ماثيو دانستر مخرج مسرحية “فتاة الحب والبريء” للروسي ألكسندر سولجينيتسن، أو تنال من جهد مصممة العرض آنا فيسكل التي أضفت شيئا من اللامعقول على جوّ العرض، باستخدامها أسلحة خشبية على المسرح والطلقات النارية تترامى في كل صوب. يخال البعض أن المسرح بحكم طبيعته المكانية والزمنية القائمة على مرأى من العيون فن “مقيَّد ومقيِّد.

ولكن حكاية البلوغ الأخلاقية هذه تنفَض بأدوات مقنعة وأساليب مبتكرة، حتى إن الجمهور ينسلخ على المستوى الكرونولوجي، ليحلق في سماء الاهتياج العسكري الذي اشتعل بين أرجاء ليبيريا.

وفي ثوب القتال الرجولي الجديد تقاسي الصبية الأهوال، وهي في الرابعة عشرة من عمرها، فتنأى لا فقط عن جنسها وإنما عن إنسانيتها، حتى تفرّ بجلدها من الموت.ولكي تتجنب فظائع الحرب لا بدّ للمراهقة أن تخوض تجربة القتل، وأن تكون جزءا فاعلا فيه.

16