فتاوى شرعية لقاحات الأطفال.. سجال حماية الإنسان وحماية الإسلام

المعركة مع التيارات الإسلامية تدور في عدة ميادين منها الميدان الاجتماعي، حيث ثبت أن تأثير هذه التيارات على المجتمع له خطورة كبيرة ووقع خطير.
الاثنين 2018/11/19
في انتظار فتوى تجيز العلاج

إقرار هيئات إسلامية بارزة مشروعية تطعيم شلل الأطفال ردا على فتاوى التحريم الصادرة ببعض البلدان الإسلامية، أمر يبرز أن الخلاف مع الإسلاميين لا يتصل فقط بالأبعاد السياسية، بل يتعداه إلى مختلف الأبعاد الحياتية، التي يدلي الإسلاميون بدلوهم فيها من منطلق "الذود عن الدين الإسلامي".

تونس- بيان منظمة التعاون الإسلامي، الذي صدر عقب افتتاح الاجتماع السنوي الخامس للفريق الاستشاري الإسلامي المعني باستئصال شلل الأطفال، المنعقد، الأربعاء، بمقر المنظمة بجدة السعودية الذي أكد مشروعية تطعيم شلل الأطفال ودحض ما ورد في فتاوى سابقة في بلدان إسلامية مختلفة حرمت تطعيم الأطفال من منطلقات “شرعية”، حسم الأمر وانتصر لحماية الإنسان ووجوب توفير الحماية الصحية والبدنية والنفسية، مقابل فتاوى مضللة و”شاذة” غلّبت التحريم انطلاقا من تعلات لا تخرج عن دعوى حماية الإسلام، أو اعتبار أن التطعيمات تحتوي على مواد محرمة (الجيلاتين المستخرج من لحم الخنزير) أو استدعاء نظرية المؤامرة كالقول إن التطعيمات أميركية تستهدف الإضرار بالمسلمين في المدى البعيد.

الهيئات الثلاث، مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي، والأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، حثّت “الآباء والأمهات والدول التي يتواجد فيها هذا المرض، على تسهيل عمل الفرق الطبية لتحصين الأطفال وحمايتهم، والوقوف في وجه الفتاوى المضللة”. وأكّدت على عدم تعارض تطعيمات شلل الأطفال مع الدين الإسلامي الحنيف.

في إندونيسيا، البلد الآسيوي الإسلامي الكبير، أدت فتوى مجلس العلماء في شهر أغسطس الماضي، بتحريم لقاح الحصبة إلى حدوث تراجع كبير في معدلات التطعيم خاصة الأطفال، إلى معدل لم يتجاوز 7 بالمئة، مقابل 95 بالمئة على الأقل كهدف كانت تستهدفه الخطط الصحية للبلاد وللمنظمة العالمية. تراجع جعل الجهات الرسمية الإندونيسية، تدق نواقيس الخطر حول مستقبل الوضع الصحي في البلاد بعد أن شهدت إندونيسيا وفقا لمنظمة الصحة العالمية أعلى معدلات الإصابة بالحصبة في العالم.

جدير بالإشارة أن فتاوى تحريم التطعيمات صدرت في بلدان إسلامية عديدة من قبيل إندونيسيا وأفغانستان وباكستان ونيجيريا وغيرها، وتتبع “جغرافيا” التحريم هذه تشير إلى أنها أقطار تشهد صعود حركات أو هيئات إسلامية، أو علوّ سطوتها.

يضاف إلى ذلك أن الرد على هذه الفتاوى المضللة احتاج إلى استنفار الهيئات الإسلامية الكبرى، من قبيل منظمة التعاون الإسلامي أو الأزهر، رغم الجهود الرسمية والدولية (ممثلة في منظمة الصحة العالمية) في كل هذه الأقطار. واستنفار المؤسسات الدينية المشار إليها لدحض مقولات تنتصر للدين على حساب حماية الإنسان، يسمح باستخراج ملاحظتين؛ الأولى غياب المقاومة الداخلية الشعبية والمدنية من داخل هذه البلدان لهذه الفتاوى الشاذة.

والملاحظة الثانية أن الرد على الفتاوى المضللة (كما يصفها الأزهر) استخدمت الأدوات الشرعية نفسها، أي المنطلقات الدينية. وبين تدخل الهيئات الإسلامية، بثقلها الديني والسياسي وغياب المواجهة المدنية لهذه الفتاوى تلوح قضية عميقة وهي سطوة هذه التيارات الإسلامية في البلدان المشار إليها، وهي سطوة تؤكدها الأرقام المحققة في حملات التطعيم، والبون الشاسع بين الأهداف المرسومة والنتائج المحققة، فضلا عن تفاعل الأهالي مع الفتاوى إذ عمدوا إلى إخفاء أطفالهم أو تجنب إرسالهم إلى المدارس ما يعني أن فتاوى التحريم لم تكن لها آثار على الجانب الصحي فقط بل تعدته إلى آثار أخرى تعليمية وتربوية، وكل ذلك يحيل إلى قوة التأثير الذي تمتلكه التيارات والهيئات الدينية في إندونيسيا وفي غيرها، وتبعا لذلك قوة حضور “الفتوى” في حياة المسلمين بصرف النظر عن مشروعيتها أو مضارها أو نتائجها.

الأصوليات تتبادل التأثير والتأثر وتتغذى من بعضها البعض فكريا وتتشابه في استدعائها الدائم لثنائية الحرام والحلال

المثير في القضية أن وزارة الصحة الإندونيسية وفي سعيها لإنقاذ البلاد من الكارثة، حاولت في شهر أغسطس الماضي أن تضغط على مجلس العلماء المسلمين لاستصدار فتوى جديدة تؤكد أن اللقاح حلال وشرعي، وهو ما يعني انصياعها إلى المنطق الشرعي ومحاولتها تغيير الواقع بنفس أدوات مجلس العلماء في البلاد، ولم تذهب إلى أدوات أخرى من قبيل التحسيس والتوعية وإبراز المخاطر أو الرهان على منظمات المجتمع المدني والتعليم والإعلام.

جدير بالإشارة هنا إلى أن الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو، أعلن في شهر أغسطس الماضي اختياره لرجل الدين معروف أمين، لمنصب نائب الرئيس في إطار استعداده للانتخابات الرئاسية المقبلة للعام 2019، ومعروف أمين هو نفسه رئيس مجلس علماء إندونيسيا، ورئيس المجلس الاستشاري لجمعية نهضة العلماء، أكبر منظمة إسلامية في البلاد، وهو تقاطع يوحي بنفوذ هذا المجلس وانتشاره السياسي، وهو ما يعني أيضا أن فتاواه ومواقفه يعتدّ بها في إندونيسيا ما يعزز صعوبة التصدي لمواقفه وآرائه.

البيان الأخير لمنظمة التعاون الإسلامي ولئن حسم الأمر من ناحية انتصاره لـ”مشروعية” التطعيمات، منطلقا من أولوية حماية الإنسان في الدين الإسلامي ومن ذلك أيضا تأكيد الشيخ صالح عباس، القائم بعمل وكيل الأزهر، أن “حماية الإنسان دينا ونفسا وعقلا وعرضا ومالا من أوجب الواجبات في شرعنا الحنيف، وحول هذه الكلمات الخمس تدور مباني الشريعة ومعانيها”، إلا أنه لم يبارح القاموس الديني في سعيه لتأكيد وجاهة موقفه، لكن الموقف الأخير لهذه المنظمات لا يحجب التخوم الكثيرة التي تتخلل القضية، ومنها التأثير الاجتماعي للتيارات الإسلامية في عدد كبير من البلدان الإسلامية، وهو تأثير وصل درجة خطيرة تجعل الناس يتخلون عن صحة أبنائهم في سبيل “الالتزام” الحرفي بفتوى تحرم اللقاحات. والهامش الثاني للقضية أن الرد على الفتاوى الشاذة، كما تعتبر أدبيات الأزهر، لا يكون بالقوة المنتظرة حين يتوخى جهدا فكريا وتأصيليا في البحث عن “حلال” أو مشروعية إجراء ما، في حين أنه يمكن حسم الأمر بقوة القانون أو بالعمل التوعوي المستند على التعليم والتوعية والإعلام. المرابطة في الحقل الديني والبحث في داخله عن الأدلة والبراهين التي يمكن أن تفيد في دحض فتاوى غريبة، هو إقرار بالاشتراك في المنطلقات واعتراف بأن الاختلاف يكمن فقط في القراءة أو التأويل.

جدير بالإشارة أيضا أن الطائفة الدينية المورمونية في الولايات المتحدة، تحرم أيضا اللقاحات مثلما تحرم وسائل منع الحمل وتحث على تعدد الزوجات، وهي ما يعني أن الأصوليات تتبادل التأثير والتأثر وتتغذى من بعضها فكريا وتتشابه في استدعائها الدائم لثنائية الحرام والحلال.

التأثيرات الاجتماعية الواسعة للتيارات الأصولية في بعض البلدان الإسلامية، ومع ما يمكن اعتباره “اعتمادا متبادلا” بين الأصولي والسياسي (إعلان الرئيس الإندونيسي الرهان على رئيس مجلس حكماء إندونيسيا)، وإيلاء هذه التيارات الأولوية للجانب الشرعي على حساب حماية الإنسان وصحته ومستقبله، وتأجيلها المتعمد حتى لفكرة “الضرورات تبيح المحظورات”، كلها عوامل متضافرة تصنع مشهدا اجتماعيا وفكريا تتفوق فيه الدعوة إلى الانضباط للشرعية الدينية على ما يفترض من حماية للوجود الإنساني، وإذا ما أضفنا إصرار الجهات الدينية الرسمية في العالم الإسلامي وحرصها على التسلح بالأدوات الدينية في مواجهة تيارات تنطلق في تطرفها من أدوات دينية أخرى، فإن الأمر يصبح أشد خطورة في عالم يتقدمُ بسرعة في شتى المجالات العلمية والبحثية والتقنية.

المعركة مع التيارات الإسلامية تدور أيضا في الميدان الاجتماعي، حيث ثبت أن تأثير هذه التيارات على المجتمع له خطورة كبيرة ووقع خطير، ذلك أن نجاح الأصولية في اكتساب الأرضية المجتمعية والشعبية، سيجعل نجاحها في كل الأبعاد الأخرى يسيرا وسهل التحقق. مسألة تجلت بوضوح في نجاح التيارات الإسلامية في إندونيسيا، كما في غيرها، في الوقوف سدا منيعا أمام إجراء التطعيمات والحملات الصحية التي تحمي الأطفال من الأمراض والكوارث الصحية، وهو ما يعني أن مقولات الشرعية انتصرت على حقوق الحياة، في أماكن محددة ولو إلى حين.

13